التوطين ــ كلمة خاطئة:بقلم- د. خالد محمد الخزرجي

قبل أن نبدأ نتأمل الحالات التالية: في اجتماع إثنين من المسؤولين في الدولة مع رجال الاعمال الاجانب لمناقشة موضوعات مختلفة عن سوق الاعمال في الامارات وعندما فتح موضوع التوطين من منطلق ان المسؤولين يشجعون رجال الاعمال الاجانب في توظيف المواطنين، وقف احد رجال الاعمال قائلا ولكن المواطن تكلفته عالية ولا توجد لديه خبرات ولا يرغب بالعمل بالطريقة التي يعمل بها القطاع الخاص«، فسارع أحد المسؤولين بلم الموقف وعدم القاء اللوم على رجال الاعمال قائلا:لا لا نحن لا نقصد هؤلاء نحن لا نريد وزنا زائدا، وكأن المواطن اصبح وزنا زائدا على هذه المؤسسات. وزيرا المواصلات والعمل والعمال يبعثان مشكوران بتصريحات واضحة من خلال لجنة الموارد البشرية والمعرض الوطني للتوظيف وبرامج اخرى للعمل والعمال عن التزام الحكومة الكامل لتوظيف المواطنين في القطاع الخاص. * معيار تنمية وتطوير الموارد البشرية في جائزة دبي للجودة لا يشير بوضوح إلى أهمية توظيف وتطوير المواطن من قبل شركات القطاع الخاص، وكأننا نقول لشركات القطاع الخاص بأنهم من الممكن أن يحصلوا على جائزة التميز حتى لو لم تقم هذه الشركة بتوظيف المواطن وتطويره، وهذا بالفعل ما حصل عندما منحت جوائز لشركات يعتبر المواطن فيها من الجنسيات النادرة. في الوقت نفسه من احد معايير جائزة دبي للاداء الحكومي المتميز هو معيار تنمية وتطوير الموارد البشرية والذي يستهدف المواطن بالذات، وكأننا نقول للقطاع الخاص بأن عملية تطوير المواطن مهمة في الدوائر الحكومية فقط وليس القطاع الخاص. هذه الاشارات المتضاربة التي يبعثها المسؤولون للقطاع الخاص في عملية تطوير الموارد البشرية تجعل رجال القطاع الخاص يتساءلون عن مدى جديتنا نحن في دولة الامارات في هذه العملية ولماذا مسؤولينا تارة جادين وحازمين في عملية التوطين وتارة اخرى محرجين ومترددين، أحد الاخوة قال لي بأن كلمة التوطين اصبحت نغمة حلوة يغنيها الجميع ولكن ليست كل الاصوات جميلة وصالحة للغناء، فأجبته باعتقادي التوطين لم تصبح نغمة حلوة ولكن اصبحت كلمة خاطئة. عرف الباحثون كلمة التوطين بأنها هي عملية احلال المواطن الكفوء محل العامل الاجنبي، والسؤال هنا هو كيف يمكن في الوقت الحاضر بأن يحل المواطنون والذين يشكلون ما يقارب من العشرين في المائة من سكان الدولة محل العمالة الاجنبية والتي تشكل على ما يزيد من الثمانين بالمائة من سكان الدولة؟ أو بشكل بسيط كيف يمكن لعشرين بالمائة القيام بعمل ثمانين بالمائة؟ في نظري ان عملية التوطين بناء على هذه المعادلة اصبحت عملية مستحيلة، فبالنظر إلى التركيبة السكانية في الدولة نرى أن العمالة الاجنبية اصبحت جزءا لا يتجزأ منها، ومن خلال إعادة تنظيم التركيبة السكانية فإن نسبة الثمانين بالمائة يمكن تقليلها إلى سبعين مثلا ولكن ليس احلالها بالمواطن، فإذا ما أردنا بأن تبقى الدولة على هذا الشكل الذي اختارته لنفسها وتنمو في المستقبل فإننا يجب أن نعرف أن العمالة الاجنبية باقية معنا ويجب علينا أن نعالج القضية من هذا المنطلق. كلمة التوطين اصبحت مثل السيف الذي يلوح في وجه الاجنبي ولكن دون مفعول، إن معالجة قضية التوطين من هذا المنطلق لها سلبيات كثيرة، من بعض هذه السلبيات هي الحساسية الزائدة تجاه الموظف المواطن، حيث أن كثيرا من الموظفين يعتقدون أنه من خلال التوطين سوف يفقدون وظائفهم، وهذا يجعلهم لا يتعاونون مع الموظف المواطن بالشكل المطلوب وانما ينظرون اليه على انه تهديد لمستقبلهم، ايضا هذا المفهوم جعل المسؤولين في الدولة يشعرون بالحرج في كثير من الاحيان من المستثمر الاجنبي عند مناقشة هذه القضية أو وضع قانون أم معيار لها. لو افترضنا بأن نسبة النمو السكاني الذي تطمح اليه الدولة استنادا على خطة دبي الاستراتيجية هي 3% سنويا فان الزيادة السكانية ستكون حوالي 75 الف شخص سنويا، ثمانون بالمائة من هذا العدد سيكونون افتراضا من الاجانب، وفي دراسة اخرى لقاسم جميل قاسم من جامعة الامارات في سنة 1994 توقعت بأن الدولة حتى سنة 2000 سوف تحتاج إلى 40 الف خريج في مجالات الطب والهندسة والعلوم والزراعة والادارة، وعند النظر إلى خريجي جامعة الامارات وكليات التقنية فإننا نرى أنهم لا يتجاوزن الالفي خريج سنويا، فإذا وظف جميع هؤلاء الخريجين في قطاع الاعمال، فإنه الخطأ أن نفترض أنهم سوف يحلون محل العمالة الاجنبية، فحسب خطة دبي الاستراتيجية وحسب الدراسة المذكورة سيكون هناك نقص في العمالة مما يضطرنا إلى جلبها من الخارج لتكلمة النقص وليس التخلص من العمالة الموجودة، وهذا يعني أن سوق العمل في الإمارات سوف يستوعب المواطن والاجنبي وليس العكس والذي يصوره لنا المفهوم السائد عن التوطين وهو أن يحل العامل المواطن محل العامل الاجنبي. المفهوم الجديد للتوطين: إن الوضع القائم والمعطيات الحالية في الدولة تقودنا أن نتعامل مع كلمة التوطين من مفهوم جديد وهو أنها تعني عملية إعداد وتنمية وتطوير الموارد البشرية المواطنة للقيام بواجبها في شتى قطاعات الدولة. لأن هذا بالفعل ما نصبو اليه. المفهوم الجديد يختلف عن المفهوم القديم من ناحية الهدف. حيث أن هدفنا هو إعداد وتنمية المواطن للقيام بواجباته في المستقبل وليس هدفنا هو احلال العمالة المواطنة مكان العمالة الأجنبية. فاذا ما حصل أن أخذ المواطن بعد اعداده مكان الأجنبي في وظيفة ما، فإن هذه العملية تعتبر من العمليات التنظيمية الطبيعية في المؤسسة كجزء من التغيير التنظيمي وإحلال موظف مكان آخر ولكن ليس كهدف اساسي للتوطين. هذا المفهوم الجديد سوف يقلل من قلق وتخوف الموظف الأجنبي ويجعله ينظر الى الوضع الصحيح والمنطقي وهو أن يعمل الموظف المواطن والموظف الأجنبي معا ويدا بيد لخدمة هذا الوطن. إضافة أن المواطن لن يغرب في هذه المؤسسات ولن ينظر له بالمنظار السلبي وإنما سوف يجد كل الترحيب والاهتمام من الموظفين. من ناحية أخرى فإن هذا المفهوم الجديد سوف يزيل عن المسؤولين في الدولة الاحراج الذي يواجهونه من عملية إحلال المواطن محل الأجنبي والذي يقودهم الى أن يكونوا في وضع دفاعي في بعض الأوقات مثل الموقف الذي ذكرته في البداية، أو أن يكونوا حذرين من فرض مفهوم تطوير الموارد البشرية المواطنة على الشركات مثل ما هو حاصل في جائزة دبي للجودة. عضو هيئة التدريس كلية الادارة والاقتصاد جامعة الامارات العربية المتحدة للإدلاء بآرائكم ومقترحاتكم حول هذا الموضوع أرجو الاتصال بالكاتب على بريده الالكتروني E-mail:alkhazra@emirates.net.ae

تعليقات

تعليقات