رؤية: الرعب المالي العالمي وتقييد حركة رؤوس الاموال

بينما يثور الجدل العابث في أروقة الكونجرس الامريكي حول الحياة الشخصية للرئيس بيل كلينتون, يواصل البنك المركزي الامريكي مساعيه في معالجة الازمة المالية العالمية , وفي 1929 عندما تدهور الاقتصاد العالمي وانتقلت الامور من السيء للأسوأ دخلت تلك الازمة في سجلات التاريخ. ومؤخرا قام الآن جرينسبان محافظ البنك المركزي الامريكي بتخفيض سعر الفائدة ثلاث مرات. وشهدت اسواق العملات والسندات العالمية تحسنا ملحوظا لعدة لحظات قصيرة, واشارت استطلاعات قياس ثقة المستهلكين والتي كانت تقارير سابقة اظهرت انخفاضها الى حدوث بعض التحسن, وانتعشت اسعار الاسهم في وول ستريت واقتربت من اعلى مستوياتها التي سجلتها سابقا. وفي اوروبا قامت بعض البنوك المركزية بتخفيف اسعار فائدتها, وشعرت دول امريكا اللاتينية والدول الآسيوية بالامتنان, ففي الوقت الذي تعاني فيه هذه الدول من ازماتها المالية, هاهي الدول الكبرى في الغرب تتحرك وترفض ان تقف مكتوفة الايدي. ان احد عوامل الامان المهمة بالنسبة لشعوب دول الاسواق الواعدة يتمثل في امكانية زيادة صادراتها الى الاسواق الغربية التي تتسم بالوفرة, وتخيلوا معي موقف اليابان اليوم في عام 1998 اذا لم يتم تخفيض قيمة عملتها الوطنية خلال العقد الحالي وذلك من اجل ان تتمكن شركات السيارات واجهزة التلفزيون من المنافسة. ونفس الشيء ينطبق على كوريا. والآن خفضت وكالة مودي للتقييم درجاتها الممنوحة للسندات اليابانية. ولكم ان تفكروا في حجم القلق الذي سينتشر في كوريا وماليزيا وهونج كونج لو اصبحت اليابان باحتياطياتها الدولية الهائلة محل شك. ولعل أحدى المشاكل الكبرى الآن على المستوى الايديولوجي تتعلق بفكرة حرية انتقال رؤوس الاموال الاجنبية. واصبحت ضرورة وضع قيود على حركة الاموال امرا واقعا في كل من ماليزيا واندونيسيا, والخوف ان ينتقل هذا التيار الى الدول المجاورة, وهو ما يمثل اغراء بالنسبة للعديد من الاسواق الناشئة في ان تدرس امكانية وضع قيود على حركة رؤوس الأموال الاجنبية. وعندما يتردد الحديث عن تقييد رؤوس الاموال, هل سيتردد الحديث ايضا عن التراجع عن فكرة التجارة الحرة غير المحدودة؟ (حتى الرئيس بيل كلينتون) ونتيجة لضغوط شركات واتحادات صناعة الحديد احتضن شكاوى متعلقة باغراق السوق الامريكية بواردات الحديد الرخيص) . ولعل انفجار المنافسة الصينية كان احد العوامل المساعدة لحدوث الازمة التايلاندية في منتصف العام الماضي, والان تجد الصين نفسها على شفا حفرة الافلاس وكيف يمكن ان تصدق ان بامكانها ان تحقق معدل نمو سنويا يقترب من 7% في حين يبلغ معدل النمو الآن في طاقتها الانتاجية بنحو 2% فقط؟ وهل الارقام المعلنة هذه يتم (طبخها) والتلاعب بها؟ وهل فعلا اذا كانت الحملة الصينية قد تم تقويمها, هل كان سيتم تخفيض قيمتها الآن؟ وتأخذ معها عملية هونج كونج المرتبطة بسعر الدولار؟! صحيح ان الخبراء الاقتصاديين الاكاديميين يطالبون في ندواتهم باطلاق حرية التجارة في السلع والبضائع, وهذه مسألة لا يمكن ان تتعايش مع تقييد حركة رؤوس الاموال, لكن الواقع يطرح السؤال التالي: ما الذي يضمن ان تقييد حركة رؤوس الاموال لا يصل الى تقييد حركة السلع والمنتجات والخدمات؟ وليس هذا من قبيل الاضطراب البارانوي. ولنفترض فقط ماذا سيكون الحال عليه لو ان الـ 42 مليار دولار التي عرضها صندوق النقد الدولي وحكومات مجموعة السبع الكبرى لانقاذ البرازيل اخفقت في تحقيق النتائج المرجوة لمجرد ان البرازيليين اعلنوا ان تقييما مبالغا فيه تم لعملتهم الوطنية؟ وفي هذه الحالة سيتعرض المستثمرون الاجانب الذين اقرضوا البرازيل بالعملة الوطنية هناك لصدمة كبيرة, اما هؤلاء الذين قدموا قروضهم بالدولار, فسوف تثور مخاوفهم من عدم قدرة البرازيل على دفع اقساط القروض وتسديدها. وانا لا اقصد اخافة او اثارة قلق القراء, بل ان هدفي هو توضيح اسباب عدم اقتناع العديد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين بأن الرعب المالي العالمي قد قارب على الانتهاء الى حد بعيد. ولا يمكن للدكتور جرينسبان ولا للبنك المركزي الاوروبي ان يدعوا انهمت قد حققا انتصارا من نوع ما وعليهما ان يشعرا بالامتنان بعد ان خفت حدة التضخم العالمي, خاصة وان هناك احتمالا ورادا بأن يقوم قادتنا في السنوات المقبلة باتباع سياسات كلية مرنة, لكن جرينسبان يعلم انه ليس من وظيفة البنك المركزي ان تدعم سوق سندات قوية لفترة غير محدودة, فمثل هذا الجهد لم يفلح عامي 1929/1931 ولا حتى في حقبة السبعينات. واتوقع ان تصدر جميع الاجهزة القانونية حول العالم تشريعا لتشجيع او اجبار المواطنين على تخصيص جزء من معاشاتهم للتداول في اسهم السندات العادية, ولانني انسان واقعي, اعرف ان اجيالا معينة من الناس ستتعرض لخسائر كبيرة بالنسبة لسلال المعاشات. لكنني اتوقع انه قبل قدوم مثل هذا اليوم فان هؤلاء المسؤولين عن الضمان الاجتماعي في بلادنا سيكونون قد خرجوا من وظائفهم. بقلم- بول صامويلسون

تعليقات

تعليقات