نائب البرلمان الأوروبي عضو لجنة الشؤون الخليجية في حوار شامل مع(البيان):الاتحاد الأوروبي لن يسمح بدخول شركاته في منافسة(غير عادلة)مع نظيرتها الخليجية

تتوالى التطورات والمتغيرات على امتداد أسواق السلع والمواد والمنتجات على امتداد العالم, وهي تهمنا ــ بكل تأكيد ــ في هذه المنطقة من العالم, باعتبار ان اقتصادات المنطقة تشترك في سمة عامة هي الاعتماد على سلعة كبيرة, هي النفط, التي لا يمكن القول ان أسواقها تدفع إلى الكثير من التفاؤل على الرغم من الآمال الكبيرة المعلقة على اجتماع أوبك المقرر عقده في 25 نوفمبر الحالي. هذه الحقيقة نفسها هي التي تدفع إلى اهتمام المنطقة بلا حدود بجهود تنويع مصادر الموارد, وهي الجهود التي يحتل انتاج الألمنيوم مكانة بارزة فيها, باعتبار ان المنطقة تتمتع بميزة نسبية في هذه الصناعة بحكم توافر أبرز عناصرها, أي مصادر الطاقة, في المنطقة. من هنا يأتي الاهتمام الكبير بكل ما يتعلق بالألمنيوم وانتاجه وأسواقه وتصديره, ومن هنا يأتي حرص (البيان) على الانطلاق مع القارئ في جولة شاملة لرصد أحدث التطورات في أسواق الألمنيوم العالمية. ولكن هل يمكن أن يكون لهذه الجولة واسعة النطاق معنى إلا إذا بدأت من الضريبة الجمركية التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي على صادرات الألمنيوم من دول الخليج العربي؟ أليس من المنطقي أن نبدأ بالتساؤل الذي يهمنا جميعا وهو: إلى أين يمكن أن تقودنا جولة المفاوضات المقررة في يناير المقبل بين دول الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي؟ وهل يمكن أن تفضي هذه الجولة إلى فتح الباب أمام اعفاء الصادرات الخليجية من هذه الضريبة؟ وما الذي يدفع الاتحاد الأوروبي إلى التمسك بفرض هذه الضريبة على حين يعفي منها أكثر من 100 دولة ومنطقة؟ إن الحقيقة الأساسية التي يتعين علينا أن نتذكرها في البداية هي انه على الرغم من العلاقات الاقتصادية القوية التي تربط دول الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي, وتفوق المنيوم الخليج في النقاوة مقارنة بمثيله من دول أخرى, الا ان الاتحاد الأوروبي يعامل المنيوم الخليج في النقاوة مقارنة بمثيله من دول أخرى الا ان الاتحاد الأوروبي يعامل ألمنيوم الخليج بصورة استثنائية سلبية, فهو يفرض الضريبة الجمركية ويعفي مائة دولة من هذه الضريبة, ويتعلل الاتحاد الأوروبي في سياسته الغريبة هذه بأن دول الخليج غنية وتملك ثروات من البترول, أي الطاقة اللازمة لتصنيع الألمنيوم, الأمر الذي يوفر تكاليف أقل في انتاجه, ويجعل من وجود هذه الضريبة الاستثنائية أمرا مقبولا لدول الخليج, بجانب التعلل الأوروبي بحماية الشركات الأوروبية المنتجة للألمنيوم من الدخول في منافسة غير عادلة مع المنيوم الخليج, مما يكبد الشركات الأوروبية خسائر ويزيد من البطالة, وقد ساد التفاؤل دول مجلس التعاون العربي مؤخرا, على أمل اعادة الاتحاد الأوروبي النظر في أمر هذه الضريبة والتوصل لاتفاق ضمن اطار اتفاقية التجارة الحرة, والتي ما زالت في طور المناقشة. وحول هذه القضية كان لـ (البيان) هذا الحوار مع (فان دام) نائب البرلمان الأوروبي وعضو اللجنة المعنية بشؤون منطقة الخليج. لماذا التشدد الأوروبي ؟ يشكل الاتحاد الأوروبي 30% من سوق الألمنيوم العالمية, حيث يستهلك خمسة ملايين متر طن, ويستورد 60% وقد أعطى اعفاءات جمركية لأكثر من 100 دولة ومنطقة جغرافية مصدرة للألمنيوم, فلماذا هذا التشدد في مواجهة الألمنيوم الخليجي وحده والاصرار على فرض ضريبة 6% عليه؟ ــ من حيث المبدأ يفرض الاتحاد الأوروبي على كل الواردات التي تأتي من بلاد غير أعضاء فيه رسوما جمركية أو ضرائب, وفي الوقت نفسه يمنح بالفعل اعفاءات جمركية لعدد من البلاد, معظمها من المناطق الفقيرة جدا التي يطلق عليها الدول النامية, وهي بالفعل أكثر من 100 دولة, وهذه الاعفاءات لا تقتصر فقط على الألمنيوم, لكنها تمنح لبعض المنتجات الأخرى, ونحن نعتبرها بمثابة تسهيلات, تدخل في اطار التعاون الانمائي لهذه الدول, لمساعدتها على الاستمرار في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وذلك بدلا عن تقديم مساعدات مالية, وهذه الاجراءات لا ترتبط بقوانين ثابتة أو دائمة, لكن يتم بحثها من وقت لآخر, وتتوقف هذه المزايا أو الاعفاءات فور تأكد اللجان الأوروبية المتخصصة من عدم احتياج الدول التي تحصل عليها, ويصل قدر الاعفاء من الرسوم المتخصصة إلى الاعفاء النهائي, أما في اطار الاتحاد الأوروبي فإنه توجد لدينا قوانين تسمح بحرية انتقال البضائع ورؤوس الأموال والخدمات من دون قيد داخل الاتحاد الأوروبي الذي يبلغ عدد أعضائه 15 دولة وبعد التوسع بانضمام بلاد من شرق ووسط أوروبا سيصبح عدد أعضائه 25 دولة. ومن منطلق ما تقدم فالاتحاد الأوروبي لا يعتبر دولة الامارات من البلاد الفقيرة, فقد زرت الامارات ضمن وفد أوروبي في 17 ابريل الماضي لعدة أيام, ورأيت بنفسي أنها منطقة غنية ومتقدمة, تحظى بمستوى معيشي لا يقل عما في الدول الأوروبية, وهذه رسالة ثناء أعبر فيها عن مدى الحفاوة التي لقيناها هناك وما شاهدناه من تقنية متقدمة, ومن هنا فإن الاجراءات الأوروبية الخاصة بالاعفاءات للدول الفقيرة لا يجب أن تسري على دولة الامارات, فأثناء وجودي بالامارات, ولقائي مع الممثلين الاقتصاديين لها, لم تطرح قضية الألمنيوم, ولم يتم تناولها بالحديث كنقطة خلافية. هل تعني بذلك انه على الامارات أن تدفع ثمن التقنية والتقدم والرخاء؟ ــ لقد رأيت بنفسي في شركة (دوبال) بصفة خاصة مراحل انتاج الألمنيوم من بدايتها وحتى الوصول إلى المنتج النهائي, وكيف انها تستخدم تقنية عالية جدا, وليس فقط صناعة الألمنيوم من البوكسيد, لكن في الوقت نفسه في استخدام الحرارة العالية التي تنتج بفعل الطاقة الكهربائية الكبيرة في عملية تصنيع المنتج الوسيط (أي نصف النهائي كالبروفيل) وما شابه ذلك, إذن في هذه الحالة ليس من الممكن أن يمنح الاتحاد الأوروبي اعفاءات جمركية لدول الخليج, ولو نظرنا لأسعار الطاقة بالمقارنة بمثيلتها في الاتحاد الأوروبي نجد انها في الامارات رخيصة جدا ومتوفرة محليا, وكنا نسمع منذ عشر سنوات ان النفط سينضب بعد 20 عاما, والآن أيضا تتكرر المقولة نفسها, ومن الواضح ان البترول سوف لا ينتهي في المستقبل المنظور, على الأقل, بل تشير التقارير المؤكدة إلى ان احتياطي البترول في الخليج يعد كبيرا جدا. هل نفهم من ذلك ان موقف الاتحاد الأوروبي منبثق من امتلاك الامارات للطاقة الأساسية لانتاج الألمنيوم وهي البترول؟ وهل هذا من العدل في شيء؟ ــ نعم, ان الامارات تمتلك ثروة البترول, خاما وانتاجا وتصنيعا, فالبترول في باطن أراضيها, وتملك المصافي, ومختلف مصانع مشتقات النفط, وبالتالي الطاقة اللازمة لانتاج وتصنيع الألمنيوم من دون الاحتياج لنفقات وتكاليف عالية في عمليات النقل والتصنيع, لذلك فشركات دول الاتحاد الأوروبي لا تستطيع في هذه الحالة الدخول في منافسة اقتصادية عادلة مع معطيات الامارات, ويمكن القول ان هذه المنافسة تصبح أمرا مستحيلا, نظرا لعدم امتلاك الشركات الأوروبية ذات الامكانيات لمصادر الطاقة الرخيصة. ورأيت على سبيل المثال في الامارات ان سعر جالون البنزين (4,5 لترات) يعادل سعر لتر البنزين الواحد في أوروبا, يضاف إلى ذلك ان ثلثي هذا السعر للتر البنزين في أوروبا هو قيمة الضرائب التي يدفعها المستهلك, وحتى لو ألغينا نسبة الضرائب هذه, فإن ما يتبقى أيضا يبقى أعلى من السعر في نظيره بالامارات, وإذا كان فارق سعر البنزين أو الطاقة للمستهلك في الامارات وأوروبا بهذا الحجم, فلنا أن نتصور الفارق الكبير بالتالي في سعر أو تكلفة الطاقة التي تستخدمها الامارات للحصول على الكهرباء اللازمة لتصنيع الألمنيوم, ومن هذا يتبين ضرورة فرض ضريبة على الواردات الآتية من الامارات, وان لم نفعل ذلك لأصيبت بالأضرار شركاتنا الأوروبية, التي ستعجز عن مواجهة المنافسة, وبالتالي سيكون الاتحاد الأوروبي يعتمد بنسبة 100% على الواردات من الامارات وغيرها, ولا يمكن قبول ذلك أو تصوره, فهذا يعني المساهمة في زيادة معدلات البطالة في القارة الأوروبية, نتيجة لاغلاق الشركات الأوروبية أو تخفيض حجم أعمالها, وهذه هي من أهم الأسباب التي تدفع الاتحاد الأوروبي لاتخاذ هذا القرار, وعلى الرغم من ذلك فأنا ما زلت واثقا من ان الفرصة لم تفلت تماما من الامارات لمنافسة الشركات الأوروبية والتفوق عليها في الأسعار, فتؤكد الأبحاث والتقارير التي لدينا ان الامارات بعد تطبيق هذا القرار الجمركي, أسعار انتاج الألمنيوم من حيث الطاقة يقل بنسبة 11% عن نظيرتها في أوروبا, إذ ان 50% من سعر الألمنيوم تحدده أسعار الطاقة, يضاف إلى ذلك ان تكلفة العمالة في دول الخليج تعد أقل مما عليه في دول أوروبا. الكيل بمكيالين الا يعني التصرف الأوروبي تجاه الخليج انكم تكيلون بمكيالين بالمقارنة بموقف الاتحاد مع الـ100 دولة المعفاة من الجمارك, في حين يعاني الاتحاد الأوروبي نفسه من هذه المشكلة مع أمريكا وتوجهون لها الاتهامات ذاتها؟ ــ سبق لنا ايضاح الفارق في الثراء وامتلاك آليات انتاج الألمنيوم بين الامارات والدول الأخرى شديدة الفقر مثل الهند, بنجلاديش, والدول الافريقية, أمريكا الوسطى, أمريكا اللاتينية, وبعض دول الشرق الأقصى, فكل مكيال هنا مرتبط بمستوى مختلف من الامكانيات والطاقة والثراء. لو قلبنا الأوضاع, وقامت جميع الدول العربية المستوردة للحوم ومنتجات الألبان الأوروبية, بفرض جمارك عليها بوصفها سلعا متوفرة ورخيصة الانتاج بأوروبا لدرجة تصل إلى قيام دول الاتحاد الأوروبي باعدام هذه المنتجات لكثرتها فماذا سيكون موقف الاتحاد الأوروبي إزاء موقف عربي كهذا؟ ــ لا أعتقد ان تكاليف انتاج اللحوم والألبان في أوروبا أفضل من مثيلتها في الامارات أو الخليج, إذ لا يوجد فرقا كبيرا, ومن هنا لا أتصور ان الدول العربية تفكر في هذا لعدم وجود أسباب حقيقية, وحتى لو افترضنا فرضها لنسبة 6% جمارك على اللحوم الأوروبية, فستحتفظ أوروبا بقدرتها على التصدير, أما فيما يختص باعدام اللحوم التي لانجد منافذ لتصديرها, فهذه استراتيجية السوق الخاضعة للعرض والطلب, ونتخذ هذه الاجراءات للحفاظ على مستوى الأسعار, كما ان نسبة الضريبة الجمركية المفروضة على الألمنيوم منخفضة, فنسبة 6% لا يمكن أن تؤثر على أرباح دول الخليج من تجارة الألمنيوم بصورة ملموسة. احتمالات المستقبل هل توجد احتمالات لحدوث تعديلات مستقبلا على المقترحات الأوروبية, لتقديم اعفاءات جمركية على دفعات من ألمنيوم الخليج كمرحلة انتقالية يتم خلالها اعفاء 15 ألف طن سنويا, مع الوضع في الاعتبار ان دول مجلس التعاون الخليجي تطالب باعفاء ما لا يقل عن 200 ألف طن سنويا, أي ما لا يتجاوز 10% سنويا من الواردات الأوروبية من الألمنيوم الأولي؟ ــ باعتباري عضوا في البرلمان الأوروبي, أتفهم آمال دول الخليج العربي المطروحة حول هذا الأمر, وأتصور انه يجب الجلوس لمائدة المفاوضات لبحث امكانية ايجاد صيغة توفيقية تضمن الحفاظ على مصلحة الطرفين, وربما اتضح عبر هذه المفاوضات ان دول مجلس التعاون الخليجي يمكنها تقديم أشياء جديدة لأوروبا, الأمر الذي يؤدي إلى تغيير الموقف الأوروبي على نحو ما في مجال آخر, ولا يحضرني في هذا الاطار نموذج واضح لما يمكن أن تقدمه الامارات لأوروبا, لكن المفاوضات الاقتصادية تعتمد دائما على الأخذ والعطاء, وفي تصوري لو وافق الاتحاد الأوروبي على اعفاء نسبة 10% من الألمنيوم جمركيا, فهذا لن يحل المشكلة بالنسبة للخليج. تفقد شركة (دوبال) 250 مليون دولار سنويا كقيمة للألمنيوم الذي كان يمكن تصديره لدول الاتحاد الأوروبي لولا ضريبة الـ6% بالاضافة إلى 3,5 ملايين دولار قيمة الضريبة المدفوعة, ألا يبدو هذا ظلما في الوقت الذي تعتمد فيه شركة (دوبال) في بنائها وتوسعاتها الحالية والمستقبلية على استيرادات من أسواق الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي مثل: فرنسا, بريطانيا, الدنمارك, بلجيكا, ألمانيا سويسرا, النمسا, هولندا, النرويج..؟ ــ لا أعتقد ان فرض ضريبة الـ6% من الاتحاد الأوروبي هو السبب في هذه الخسارة, ربما ان شركة الألمنيوم في دبي تبيع منتجاتها بأسعار رخيصة, وعليها في هذه الحالة أن تعيد النظر في أسعارها, مع العلم ان صادرات الألمنيوم من دبي هي منتجات مصنعة لا تخضع لأسعار البورصة أسوة بأسعار الألمنيوم الخام. أما بشأن اعتماد الشركة على الاستيراد من دول الاتحاد الأوروببي لمعداتها وتقنيتها, فهذا حقيقي, ولكن تجدر الاشارة إلى ان هذا الاستيراد للآلات قد يحدث مرة كل ربع قرن أو 30 عاما, أما بيع الألمنيوم فيحقق أرباحا سنوية ومستمرة, وعلى ذلك فأنا أرى ان المقارنة غير عادلة. وإذا كنت ترى ان المقارنة هنا غير عادلة, فاستمرار ضريبة الـ6% هو بالتالي أمر غير عادل وسينتقص من أرباح الشركة والشركات الأخرى الخليجية؟ ــ القضية لا يمكن حصرها في مقارنات عادلة أو ظالمة, بل المسألة اقتصادية بحتة, وأرى ضرورة استمرار الحوار بين الطرفين المعنيين للتوصل إلى أسلوب يحقق مصلحة الجانبين, ولا يضر بجانب لحساب الآخر. جولة يناير إذا ما هي توقعاتكم حول الجولة الجديدة المقترحة في المفاوضات الخليجية والمفترضة في يناير المقبل, والتي أدرجت هذه القضية على جدول أعمالها, مع الأخذ في الاعتبار انه تم الاتفاق على معظم عناصر اتفاقية المنطقة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي؟ ــ لا أستطيع التكهن الآن بتفاصيل ما يمكن حدوثه في يناير المقبل, لكن كما أشرت من قبل, ان عددا من القضايا الأخرى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي سيكون لها دورا أساسيا في التوصل للاتفاق حول قضية الألمنيوم, ولعلني أسترشد بهذا الحوار لعرض بعض القضايا التي من الممكن أن تستفيد بها دول الخليج ودول الاتحاد الأوروبي, مثل مزيد من التسهيلات التي قد تمنح في منطقة التجارة الحرة, اضافة إلى ان منطقة الخليج تعتمد بصورة كلية على ربط عملاتها المحلية بالدولار الأمريكي, ولعله من المفيد أن تفكر منطقة الخليج جيدا في ان السنوات المقبلة التي ستشهد وحدة النقد الأوروبي الموحد (اليورو) , وربط العملات الخليجية بـ (اليورو) في المستقبل, قد يحقق مصالح لهذه المنطقة, أكثر مما يتحقق لها من أمريكا. أجرى الحوار في بروكسل : سعيد السبكي

تعليقات

تعليقات