آفاق اقتصادية: ملاحظات على مشروع قانون البورصة الجديد:بقلم- د. محمد ابراهيم الرميثي

لا شك في ان أي مشروع جديد يتم تدشينه في الدولة يضيف لبنة إلى البناء الذي أسسه صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان واخوانه الحكام, ويضيف إلى شعب الامارات فخرا واعتزازا بذلك البناء الحضاري . ان قرار مجلس الوزراء الأخير باحالة مشروع القانون الاتحادي الجديد بشأن انشاء هيئة الأوراق المالية والسلع والسوق المرتبط بها لتداول الأوراق المالية والسلع, إلى اللجنة الوزارية للتشريعات لوضعه بالصيغة القانونية ثم عرضه على المجلس يعتبر قرارا تاريخيا طال انتظاره وترقب دونه. ومن أهم الملاحظات التي قد يبديها الانسان على مشروع القانون تلك الملاحظة المرتبطة بالمادة (18) من القانون والتي تحدد كينونة مجلس ادارة السوق, حيث حددت المادة ثلاثة أعضاء يمثلون الشركات المسجلة في السوق وثلاثة أعضاء يمثلون الوسطاء المسجلين في السوق ويتم تحديد هؤلاء الأعضاء الستة بطريقة الانتخابات التي تحددها الهىئة, بالاضافة طبعا إلى عضو ممثل عن وزارة الاقتصاد وآخر عن وزارة المالية وآخر عن المصرف المركزي وعضو آخر عن الهىئة ذاتها, وتجدر الاشارة هنا إلى ان مجلس ادارة السوق يختلف , بالطبع عن مجلس ادارة الهيئة الذي تم تحديده في المادة (6). ان المتمعن في أهداف الهيئة والغرض من انشائها وطبيعتها ووظائفها , وكذلك المتمعن في وظائف مجلس ادارة الهيئة ووظائف مجلس ادارة السوق ذاته, يدرك تماما ان هذه الهيئة تعد هيئة حكومية اتحادية, تهدف بالدرجة الأولى إلى تنظيم وادارة سوق الأوراق المالية والسلع, فهي جهاز رقابة واشراف على السوق. والحقيقة ان الحكومة لها أهداف وغايات تختلف تماما عن أهداف وغايات القطاع الخاص. وبالتحديد نشير هنا إلى ان الهيئة ومن ثم مجلس ادارة السوق ينظم ويدير أهداف الحكومة وسياساتها وغاياتها, بينما الشركات والوسطاء لها أهداف وغايات ومصالح تختلف تماما عن المصلحة العامة, ونجد هنا ان عدد الأفراد الممثلين للشركات والوسطاء ستة أفراد في حين نجد عدد أعضاء الممثلين للحكومة أربعة فقط والرئيس ونائبه منتخبين من بين العشرة أعضاء, وبالتالي نرى الغلبة هنا لمصلحة القطاع الخاص وبالتحديد الشركات والوسطاء المسجلين. والحقيقة ايضا ان المتمعن في وظائف مجلس ادارة السوق التي حددتها المادة (19) يرى ان هذه الوظائف يجب ان تقوم بادائها هيئة (أو مجلس بالطبع) يتبنى مصلحة الحكومة, وليس للقطاع الخاص دخل فيها, وباختصار شديد فنحن نرى ان مجلس ادارة السوق يجب ألا يضم أعضاء من الشركات المسجلة أوراقها المالية في التداول ولا من الوسطاء اطلاقا, ويجب ان نشدد على المنع المطلق هنا, وذلك بسبب التباين والاختلاف بين أهداف الدولة وأهداف القطاع الخاص, كما أوضحنا. ومن هنا فإننا نقترح انشاء هيئة استشارية تلحق بمجلس ادارة السوق, ويكون فيها أعضاء من الشركات المسجلة والوسطاء المسجلين تسند إليها الوظائف الاستشارية, وتكون مهمتها رفع التوصيات للمجلس حول ما يعرض عليها من موضوعات وليس بالضرورة ان تعرض عليها كل الموضوعات. وتجدر الاشارة هنا أيضا إلى انه على الرغم من العقوبات الصارمة التي تفرضها قوانين البورصات على من يفرط بسرية المعلومات ومن يسرب المعلومات من داخل السوق إلى المتعاملين, إلا ان الشواهد كثيرة جدا على حدوث الفساد الاداري في مختلف بورصات العالم وتسرب المعلومات من العاملين في السوق إلى كبار المضاربين والمتعاملين, فلكي نتجنب أخطاء الآخرين, ونحافظ على سرية المعلومات, ونضمن تنفيذ السياسات الرسمية الخاصة بالسوق فلابد لنا من ان نعيد النظر في سياسة ادخال أعضاء في مجلس ادارة السوق ممن ينتمون إلى الشركات المساهمة المسجلة في السوق وأعضاء آخرين من الوسطاء المسجلين, فهؤلاء لهم مصالح في السوق, كما أسلفنا, وعملية تسريب المعلومات لا تتم بشكل مباشر وواضح, حيث ان القانون يعاقب من يسرب معلومات أو يستغلها لتحقيق مصالحه بشكل مباشر, أما إذا كان ذلك بشكل غير مباشر فالقانون لا يستطيع ضبطه ومعاقبته, ونقصد بشكل غير مباشر هنا كأن تسرب المعلومات إلى قريب أو إلى شخص ما يقتسم معه القائم بتسريب المعلومات بعد ذلك الأرباح المحصلة من المضاربة, أو غير ذلك من الطرق غير المشروعة. والحقيقة ان التناقض واضح جدا بين مصلحة كل من الشركات المسجلة في البورصة والوسطاء من ناحية وبين هيئة السوق من ناحية أخرى, فالأول قطاع خاص والثاني قطاع حكومي, ولا أريد أن أفصل أكثر من ذلك, حتى لاتضيع الفكرة المطروحة في خضم التفاصيل, فمجلس ادارة السوق يجب ان يقتصر على أعضاء ممثلين لوزارات وجهات حكومية فقط وليس للقطاع الخاص دور في ذلك. أما الملاحظة الثانية فهي في المادة ( 38), والتي حددت العقوبة المالية على من يخالف المواد (34), (35), (36), (37), حيث حددت العقوبة بحد أدنى مائة ألف درهم وحد أعلى مليون درهم, ويجب ان نشير هنا إلى أنه أحيانا تنم مخالفة أحكام القوانين أو المواد المشار إليها عن تحقيق أرباح تفوق الحد الأعلى بكثير أو التسبب في خسائر وأضرار للآخرين بمبالغ تفوق ذلك الحد الأعلى (مليون درهم), فنحن عندما نحدد الحد الأعلى للغرامة بمليون درهم, فإن ذلك قد يغري موظفي السوق, في حالة ما إذا وجدوا ان الربح المتحقق من مخالفاتهم لتلك المواد يفوق المليون درهم, فلماذا لا نربط العقوبة بحجم الجرم, ونترك ذلك التحديد للمحاكم أو هيئات التحكيم في قضايا البورصة, حيث يكون الرادع قويا والضوابط محكمة. أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بالمادة (36) التي أجازت لأي شخص من موظفي الشركة ان يتصرف بنفسه أو بواسطة غيره بأي تعامل في الأوراق المالية للشركة ذاتها شريطة الافصاح عن عمليات الشراء أو البيع في السوق. والسؤال هنا كيف تجيز المادة لأي موظف بالشركة ان يقوم بذلك؟ أي لابد من تحديد الموظفين المسموح لهم بذلك وليس أي موظف. وختاما أرجو ان تكون هذه الملاحظات مفيدة, وأسأل الله التوفيق والسداد لمن بذلوا مجهودا في صياغة مشروع القانون.

تعليقات

تعليقات