رؤية:الخطر المقبل في الساحة الاقتصادية العالمية،بقلم:روبرت صامويلسون

يتمثل الخطر المقبل الذي يتربص بالاقتصاد العالمي في زيادة العرض وتوافر كميات هائلة راكدة من السلع الصناعية الاساسية تتراوح ما بين الصلب وصولاً الى الاسمنت ولقد سبق لنا ان رأينا كيف ان الاسعار المتدهورة للمواد الغذائية والخام الاساسية(القمح والنفط والنحاس على سبيل المثال)قد الحقت الضرر بالاسواق وخسرت الدول المصدرة ابتداء من روسيا وحتى البرازيل الكثير من عائدات القطع الاجنبي وانزلقت الى مرحلة الازمة وفي غضون ذلك تعاني الشركات العابرة للأمم من الارباح المنخفضة والاستغناء عن اعداد من العاملين وتقليل الاستثمار. وهذه العملية الآن تتحرك صعوداً على امتداد سلسلة العرض, حيث تواجه اعداد متزايدة من الصناعات (منها الكيماويات والالمنيوم على سبيل المثال) مشكلة الطاقة الزائدة, وتشق الاسعار والارباح طريقها في مسار الانخفاض, وهذا من شأنه ان يضعف الاسعار في البورصات وان يحول دون تدفق استثمارات جديدة وخاصة في اقتصادات اسيا وامريكا اللاتينية المريضة. وسوف تتزايد الضغوط باتجاه تبني السياسات الحمائية مع محاولة الدول التي تعاني من وجود الفوائض شق طريق الخروج من متاعبها من خلال التصدير, وقد اتحدت صناعة الصلب وعمالها بالفعل في الولايات المتحدة للوقوف في وجه الواردات الرخيصة الآتية من اليابان وروسيا والبرازيل. ولكي ندرك طبيعة ما يجري دعنا نتأمل الوضع بالنسبة لمادة البوليبرولين, وهي مادة بتروكيماوية أساسية يتم تحويلها في نهاية المطاف الى منتجات بلاستيكية بالغة التنوع مثل لعب الاطفال وقطع غيار السيارات والسجاجيد, ومنذ العام 1989 ارتفع اجمالي طاقة الانتاج العالمية لهذه المادة بمعدل مثلين ونصف ليصل الى 30.5 مليون طن, حسبما يؤكد وليام كولك وهو استشاري متخصص في هذه الصناعة يتخذ من هيوستون بالولايات المتحدة مقرا له, وفي آسيا تقدر الزيادة في طاقة انتاج هذه المادة بثلاثة أمثال بحيث انها وصلت الى 11.6 مليون طن. ويقول كولك ان (المصانع الأساسية لانتاج البتروكيماويات هي مضخات هائلة لاطلاق البخار فهذه المصانع تحول الغاز الطبيعي أو النافتا (وهي منتج نفطي) إلى مواد هيدروكربونية أساسية ويضيف انه (في العام 1989 لم يكن لدى تايلاند مصانع من هذا النوع والآن لديها ثلاثة مصانع) ومن المقرر إكمال مصنع رابع في ,1999 والمشكلة هي انه ليست كل هذه المصانع وهي مصانع مرتبطة تنتج منتجات مثل البوليبرولين تحتاج إليها الأسواق, فهي قد أقيمت على أساس الافتراض (الزائف) بوجود ازدهار لايعرف الانقطاع في الأسواق. ويقول فريد بيترسون من بروب اكينوميكس وهي شركة استشارات في ميلوود بولاية نيويورك انه (بدلا من نمو يستمر عامين بمعدل 10% فإن ما هو قائم لايتعدى نمواً سلبياً معدله 2%, وقد أدت وفرة العرض الى خفض الأسعار والفوائد وطاقة الاستخدام وفي 1995 انتجت مصانع البوليبرولين بطاقة 94% من اجمالي طاقتها أما في 1998 فقد انخفض المعدل الى 79% تقريباً. وفي آسيا أثر الافراط في الاستثمار كذلك بالسلب على السيارات, ويقول أشفين شوتاي من مؤسسة ستاندرد أن بورز وهي مؤسسة متخصصة في التنبؤات والتوقعات الاقتصادية (ان الجميع كان يتنافس على سوق صغيرة للغاية من دون الأخذ في الاعتبار بما يفعله المنافسون الآخرون) , وقد قامت الشركات اليابانية والامريكية ببناء مصانع جديدة وكذلك فعلت الشركات المحلية في العديد من الدول, مثل شركة كيا في كوريا الجنوبية. وفاقمت الأزمة الاقتصادية من وضع الزيادة في العرض. ومقارنة بالعام 1996 نجد ان انتاج السيارات والشاحنات الخفيفة سوف ينخفض هذا العام بمعدل 63% في تايلاند وحوالي 25% في كوريا الجنوبية. وربما تشكل رقائق ذاكرة الكمبيوتر النموذج الأكثر بروزا للافراط في الاستثمار, فقد بنيت مصانع عديدة للغاية في منتصف التسعينات بحيث ان أسعار هذه الرقائق تدهورت بشدة ومن دون عائق يحول دون استمراره, وقد كان معنى تشبع الأسواق على الرغم من أن المزيد من أجهزة الكمبيوتر الشخصية والرقائق تباع أن المبيعات العالمية من رقائق ذاكرة الكمبيوتر (درام) قد تقلصت من 41 مليار دولار في 1995 الى ما يقدر بحوالي 13 مليار دولار في 1998. وتعد ظواهر تشبع الأسواق من السمات متواترة الحدوث للحياة الاقتصادية, فالشركات تخطئ في الحسابات والتقديرات بصورة روتينية, وغالبا ما يختفي العرض الزائد المتناثر من السلع تدريجيا من دون أن يؤدي الى حدوث ركود, فالأسعار تنخفض والمخزونات المتضخمة تباع والمصانع التي لا تتمتع بالكفاءة تغلق أبوابها, وينشأ توازن جديد في العرض والطلب, وكانت عمليات التشبع الراهنة في الأسواق تقع على خلفية من الركود المفزع الممتد من اليابان حتى البرازيل. وفي هذا المناخ تشكل عمليات تشبع الاسواق أخطارا جلية, وتماما كما ان الماء يبحث عن الانسياب وصولاً الى مستوى واحد في تطبيق لنظرية الأواني المستطرقة فكذلك السلع الزائدة سوف تسعى وراء أسواق جديدة وبأسعار بالغة الانخفاض, غير انه ليس كل فائض يمكن تصديره, فبعض السيارات مصممة في المقام الأول لدول معدودة, ولكن هذا لا ينطبق على معظم أنواع الصلب أو المواد الكيماوية الأساسية أو الأسمنت أو رقائق الكمبيوتر, وعلى امتداد شهر اغسطس الماضي زادت واردات الولايات المتحدة من الصلب بمعدل 24% مقارنة بمستوياتها في 1997 ومنذ مارس الماضي انخفضت طاقة استخدام مصانع الصلب الامريكية من 93% الى 83% وفي اليابان يشكو منتجو الأسمنت من أن الواردات الرخيصة القادمة أساسا من كوريا الجنوبية يتم اغراق السوق بها بأسعار غير اقتصادية. ومن المحتم ان هذا سيقلص الاستثمارات التي كانت قد تماسكت حتى وقت قريب, ويقول بيترسون استشاري المواد الكيماوية (ان التراجع هائل في هذا النوع من المشروعات) فالشركات تكسب أموالاً طائلة لكنها تنفقها, وقد كانت الأرباح جيدة على امتداد 1997 والمشروعات التي تم الانطلاق بها في ذلك الوقت تمضي قدما على الرغم من أن الشركات لم تعد متحمسة لها ولا راغبة فيها, ولكن المشروعات الجديدة سيتم تأجيلها أو ستلغى كلية, وهذا من شأنه أن يهدد بالخطر الانتعاش الاقتصادي في آسيا وأمريكا اللاتينية ويلحق الضرر بمنتجي المعدات والآلات الذين يتركزون بثقل كبير في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان التي يتمثل عملها الرئيسي في التوسع الاقتصادي. وعمليات تشبع الأسواق ليست كلها بالطبع سيئة فالأسعار المتراجعة من شأنها تقوية القدرة الشرائية لدى المشترين وكبح جماح التضخم وتؤدي الى معدلات فائدة أقل, وقد كانت هذه الظواهر من بين القوى التي أبقت على تقدم الاقتصادات الامريكية والأوروبية, ولكن ليس هناك قانون اقتصادي يفرض أن كل ما يمكن انتاجه سيتم شراؤه فعند نقطة بعينها ستتجاوز الخسائر الأرباح, وتشير أسواق المال الأمريكية العائدة الى الانتعاش الى ان المستثمرين ينحون الأخطار جانبا, وهذه امكانية قابلة للتحقق غير أنها قد تكون أيضاً وهما وخيم العواقب. خدمة الواشنطن بوست

تعليقات

تعليقات