آفاق اقتصادية: الأبعاد الاقتصادية لأزمات العراق:بقلم-د. محمد ابراهيم الرميثي

بعيدا عن الأبعاد السياسية والعسكرية وما يرتبط باستراتيجياتها من أهداف, وبعيدا عن العواطف والمشاعر الانسانية التي ليس لها وجود في قاموس السياسة الخارجية والسياسة الدولية الحديثة سوى كعامل مؤثر للرأي العام من أجل تحقيق غايات وأهداف أخرى ليست ذات صلة بالأبعاد الانسانية على الاطلاق, بعيدا عن كل ما ذكرناه تكاد الأبعاد الاقتصادية تلعب الدور الأكبر في صنع أغلب القرارات السياسية الداخلية والخارجية والدولية سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. ففي عالم لايعرف سوى رأس المال, وسمى نظامه بالنظام الرأسمالي أو نظام السوق الذي لايحركه سوى دافع المصلحة الاقتصادية, وحتى الانسان ذاته سماه رأس المال البشري ليجرده من الأبعاد الانسانية ويجعله قرين رأس المال, في عالم كهذا لاعجب أن نقول ان الاقتصاد هو عصب الحياة وهو المحرك الأول للقرارات السياسية بشكل عام, وقد تقف المصلحة الاقتصادية وراء القرار السياسي مباشرة وواضحة للعامة والخاصة, وقد تكون خفية غير مباشرة لكن خاصة الناس من المتعلمين والمثقفين والمحللين قادرون على ادراكها وتمييزها. وفي حالة العراق كبلد عربي اسلامي ارتبط اسمه بالحضارة العربية والاسلامية على مر العصور وليس كنظام سياسي, فالعراق كنظام سياسي كشف نفسه لكل البشرية واصبح معروفا لجميع الناس منذ بداية نشأته الأولى وهو ثابت على فكره وتوجهاته التي يؤمن بها ولا ينثني عنها على الرغم من كل المستجدات والمتغيرات الدولية والاقليمية التي يشهدها العالم من حوله, وعلى الرغم من كل المحاولات الدولية والاقليمية لتغيير ذلك الفكر, ويقول الحق سبحانه وتعالي واصفا مثل هؤلاء القوم, (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام . وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد . وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم, ولبئس المهاد) في حالة بلد كالعراق هذا البلد غني بمورد اقتصادي استراتيجي وهو النفط, ويتميز بموقع استراتيجي ايضا كونه يقع كحلقة وصل بين عدة دول, ليس هذا فحسب فالعراق يملك من الموارد البشرية المتعلمة والمؤهلة والخبرات العلمية المؤهلة ما يجعله منافسا قويا للكثير من دول العالم. لاشك ان الأهمية الاستراتيجية لموقع العراق وموارده الاقتصادية والبشرية والخوف الأمريكي المستمر من اختلال موازين القوى الاقليمية ضد اسرائيل وضد المصالح الامريكية في المنطقة جعل الولايات المتحدة الامريكية وبمساندة القوى الأجنبية كثيرة تركز على إضعاف قوة العراق ليس العسكرية فحسب ولكن الاقتصادية والبشرية كذلك, غير اننا لا نستطيع ان نغلب عواطفنا على الواقع ونتخذ من المؤامرات الأجنبية حجة نبرر بها أخطاءنا, ونتساءل هنا أسئلة منطقية, من الذي أوجد المبررات المنطقية للتوغل الأجنبي في المنطقة؟ ومن الذي حافظ على استمرار ذلك الوجود الأجنبي في المنطقة؟ ومن الذي أعطى الفرصة للوجود الأجنبي في المنطقة؟ بل ومن الذي أعطى الفرصة لاسرائيل لتبرير تسلحها النووي؟ لايختلف اثنان على ان الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة العظمى في العالم وهي القطب الوحيد الذي لاينازعه قطب, فمن الطبيعي جدا ان تقبل هذه الدولة على حماية مصالحها القومية في أي بقعة من العالم, وهو المعيار الأساسي في السياسة الخارجية الأمريكية, أما عن الكيفية التي يتم بها حماية تلك المصالح فذلك هو شأنها هي كقوة عظمى ولا تريد أن يمليه عليها أحد, حتى ولو كان القانون الدولي, إن الحل الأنسب للخروج من المواجهة معها هو عدم اعطائها تلك الفرصة للمواجهة. فكيف بمن يعطيها فرصة المواجهة العسكرية والحصار. نحن كأمة عربية اسلامية لاشك اننا نتعاطف مع شعب العراق المسلم الذي دمرته الحروب وفتك به الحصار الاقتصادي. حيث اصبح الشعب يعاني معاناة مرة من سوء التغذية وسوء الخدمات الصحية والطبية وسوء المرافق بشكل عام. غير اننا نستدرك ذلك بالقول ان النظام السياسي في العراق هو الذي اعطى الفرصة للقوى الاجنبية لعمل ذلك. فنحن نلوم انفسنا بالدرجة الاولى قبل ان نلوم الغير. ونحاسب انفسنا اولا قبل ان نحاسب الغير. ففي حين نجد ان الشعب العراقي في الداخل يتضور جوعا ويفتك به الحصار والمجاعة نجد ان العراق يطفو على بحيرة من النفط وبه من الخيرات والموارد الاقتصادية التي لو تم استغلالها جيدا لا نكون مبالغين اذا قلنا بأن تلك الموارد الاقتصادية قادرة على ان تطعم العالم العربي كله وتجعله يعيش في مستوى معقول من الرفاهية. في الوقت ذاته نجد ان العراق يهتم بصناعة اسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا, ويسخر الموارد الاقتصادية والمالية المتاحة لديه لهذا الغرض, وهذا ما اثبتته تقارير البعثات الدولية. فما هو هدف العراق من صناعة تلك الاسلحة, في الوقت الذي ينبغي ان تكون الاولوية للغذاء والخدمات الاقتصادية والاجتماعية؟ ولمن سوف توجه تلك الاسلحة الواقعة بيد نظام سياسي كهذا الذي نشاهده؟ في الحقيقة ان الحل الامثل لما يحدث في العراق يكمن في يد الشعب العراقي ذاته, فهو الوحيد القادر على انقاذ بلاده من تلك الأزمات والسير فيها في مصاف الدول المستقرة الآمنة.

تعليقات

تعليقات