آفاق اقتصادية: حول المنطقة الحرة بمطار دبي الدولي:بقلم-د. محمد إبراهيم الرميثي

في الحقيقة تشكل الأرقام التي تم الاعلان عنها حول المنطقة الحرة بمطار دبي الدولي مؤشرات اقتصادية هامة جدا ويمكن الاستناد إليها في فهم الاتجاه العام للنمو الاقتصادي ليس في دبي وحدها ولكن في الدولة ككل. تشير تلك الاحصائيات إلى ان الكلفة الاجمالية لانشاء المرحلة الأولى من المنطقة الحرة تصل إلى 185 مليون درهم ومن المتوقع أن يتم استرداد تلك التكاليف المذكورة خلال فترة 5ــ7 سنوات. ويعتبر ذلك الرقم (التكلفة) رقما كبيرا بالمقاييس الاقليمية. فلولا التفاؤل الذي تعتمد عليه دبي في اقامة مشاريعها لما تمت اقامة المشاريع العملاقة ذات الاستثمارات البعيدة المدى. ولولا الحكمة البالغة وبعد النظر وسعة الأفق والأمل في المستقبل البعيد المبني على الدراسات العلمية الجادة ودراسات الجدوى الاقتصادية الشاملة من أرقى بيوت الخبرة العالمية وأشهرها لما أسست المشاريع وأنفق عليها رؤوس الأموال الضخمة التي نشاهدها. لا شك ان رأس المال يعتبر أحد العناصر الرئيسية في بناء أي مشروع ونجاحه. ورأس المال يعني الانفاق. فلا يمكن أن تقوم تنمية اقتصادية حقيقية بدون انفاق. بيد أن الاتفاق لا يعني اطلاقا الاسراف والتبذير, بل ان الانفاق المقصود هنا هو الانفاق المدروس والمنظم بدقة محاسبية واقتصادية. وتشير الاحصائيات كذلك إلى ان المنطقة الحرة بمطار دبي الدولي قد شهدت اقبالا قياسيا من قبل الشركات الدولية المتخصصة للعمل فيها حيث وصل اجمالي حجم الطلبات إلى حوالي 350 طلبا ولقد تمت الموافقة الرسمية على 45 شركة فقط من اجمالي حجم الطلبات ضمن استراتيجية انتقائية مدروسة تتفق مع السياسات الاقتصادية العامة للدولة وأهدافها. ولقد تم حجز 80% من اجمالي المكاتب في المنطقة, وحرصت المنطقة على الابقاء على 20% منها كاحتياط لسياسات اقتصادية مستقبلية. إن هذه المؤشرات تدل بلا شك على تنامي الطلب العالمي على خدمات الأعمال التي تقدمها دبي. فما الذي جعل العالم يحترم ذلك المستوى من الخدمات ويقبل عليه ليس في المنطقة الحرة فقط وإنما في الحقيقة نلاحظ ذلك في كافة القطاعات الاقتصادية والجهات الحكومية كذلك. إن أهم عامل وراء ذلك يكمن في إيمان كل من الحكومة والشعب بأن التطور الإداري والتشريعي والأمني والقضائي هو السر الذي يكمن وراء تطور الأمم والشعوب, وإن ذلك التطور لابد وأن يقترن بالاستفادة القصوى من أحدث التكنولوجيا. حيث استطاعت دبي أن تترجم ذلك الإيمان وبعد النظر من نظرية إلى واقع تلمسه كافة شعوب الأرض. فلا يكاد يوجد مخلوق على وجه الأرض يملك أدنى قدر من الثقافة والمعرفة الا ويعرف شيئا عن دبي. إن ذلك لم يتحقق من حلم أو من فراغ وانما بالجهد الشاق والصبر والجلد والأمل الدائم والتفاؤل. والحقيقة ان كافة المشاريع الاقتصادية لا يكتب لها النجاح إلا إذا اقترنت بالتفاؤل. والمثل عندنا يقول (ازرع النية ولو بأرض خليج), أي تفاءل أيها المزارع ولو كانت الأرض جرداء. وما أود أن أقوله هنا انه طالما ان الطلب العالمي على الخدمات التي تقدمها دبي في تطور مستمر فإن كافة الامارات الأخرى بامكانها الاستفادة من تلك الميزة الاقتصادية النسبية, وخلق مشاريع اقتصادية مكملة لتلك المشاريع المقامة في امارات أخرى وليس منافسة لها. أي بمعنى آخر إذا كان الطلب على الخدمات أو السلع التي يقدمها مشروعا ما أكبر من العرض فهنا من الممكن جدا انشاء مشاريع جديدة في امارات أخرى لتغطية الطلب المتنامي. أما إذا كان العرض أكبر من الطلب فلا داعي لانشاء مشاريع جديدة منافسة إلا إذا كان انتاجها يتميز بمزايا نسبية وبشرط أن تثبت الدراسات بأنه يتعذر علينا تنمية المشاريع القائمة وتحسين جودة انتاجها. والا فالوضع الطبيعي والمنطقي يحتم علينا أن نميل إلى انشاء المشاريع المتكاملة بين الامارات وليس المتنافسة حول نفس المنتج (من سلع وخدمات), إلا إذا وجدت أسواق تستوعب ذلك المنتج كما ذكرنا, فلا بأس حينها بالمنافسة. وإن من أهم المزايا التي تميز المنطقة الحرة الجديدة هي قيام مركز أبحاث متخصص بصناعة المناطق الحرة, والذي يعتبر من أحد أكبر المراكز المتخصصة في صناعة المناطق الحرة في العالم والفريد من نوعه في الشرق الأوسط. وينطلق انشائه من الإيمان العميق بأهمية البحث العلمي الجاد والمتخصص وانه هو سر تطور المؤسسات ونموها واستمرارها. حيث نلاحظ بالفعل ان كافة الهيئات والمؤسسات ومنظمات الأعمال الناجحة تولي أهمية كبرى للبحث العلمي وتنشئ أقساما متخصصة لذلك. في حين نرى ان الكثير الكثير من المؤسسات والهيئات وكذلك منظمات الأعمال في العالم العربي ما زالت تعتبر الاحصاء والبحث العلمي لديها من الأقسام الهامشية التي لا تكاد تولي أهمية تذكر. فمتى نستيقظ من غفوتنا تلك لنرى العالم من حولنا كيف يفكر وكيف يعمل. والمثل العربي يقول: (الذي له عين ورأس يعمل مثلما تعمل الناس). فلماذا نهمل نحن أهم أركان الحضارات الإنسانية على مر الأزمنة والعصور, وهو عنصر البحث العلمي.

تعليقات

تعليقات