أفاق اقتصادية: لماذا التوطين؟بقلم- د. محمد ابراهيم الرميثي

يعتبر توطين الوظائف استراتيجية ثابتة, وليس خيارا في كافة دول العالم وليس فقط في الامارات . ومن الطبيعي جدا ان نرى ان هناك قوى وضغوطات داخلية وخارجية منها ماهو مباشر ومنها ماهو غير مباشر تعمل جاهدة على عرقلة استراتيجية توطين الوظائف واعاقة نموها وتطورها وخصوصا عندما تشعر تلك القوى بأن تلك الاستراتيجية تهدد مصالحها على المديين القريب والبعيد. وفي الحقيقة ان ما يحدث في سوق العمل في دولة الامارات بين القوة العاملة الوطنية وبين القوة العاملة الاجنبية يحتاج بالفعل الى تدخل مباشر من الدولة لحسم الامر لصالح القوة العاملة الوطنية. فالدولة تنفق المليارات سنويا من أجل تعليم أبنائها وبناتها وتربيتهم وتأهيلهم لكي يكونوا قوة عاملة مسلحة بسلاح العلم والمعرفة مؤهلة وقادرة على العطاء والبناء, ولا يعقل ابدا ان تبقى عقولنا أسيرة الخبرة. فقيد الخبرة الذي مازال يتردد على كل لسان لم يعد قيدا حقيقيا كما كنا نظن ونعتقد, وهو على الرغم من أهميته يستطيع العنصر الوطني بصبره وجلده وقوة عزيمته ان يحققه في زمن قياسي, ويغلق بالتالي الأفواه التي تنادي به. لقد دأبت الدولة منذ نشأتها وكثفت جهودها في السنوات الاخيرة نحو تحقيق استراتيجية التوطين وذلك ايمانا منها بأن التوطين استراتيجية ثابتة لابد من وضع الآليات اللازمة لتنفيذها ووضع الجهاز الاداري والرقابي للاشراف على تنفيذها. وهاهي تتوج جهودها المباركة بانشاء هيئة المعاشات والتأمينات الاجتماعية كإحدى المقومات التي تدعم عملية التوطين. ولقد طالعتنا الصحف, مؤخرا, بأرقام عن التوطين في قطاعي المصارف والتأمين تدل دلالة قاطعة على ان هذين القطاعين على وجه التحديد لم يأخذا موضوع التوطين مأخذ الجد, ولم يهتما بالتوطين بالصورة التي تهدف اليها الدولة في خططها وبرامجها. وهذا بالطبع لا يعمم على كافة المصارف فبعضها قد بدأ بالفعل باتباع استراتيجيات وبرامج مرضية وبصورة جيدة وتتماشى مع السياسة العامة للدولة في توطين الوظائف, الا ان هذا البعض يعتبر من الأقليات ولذلك نجد ان الارقام بالمتوسط متدنية جدا. نحن نرى ان سياسة التوطين سياسة ثابتة لابديل لها ولا مرد عنها مهما كانت العقبات ومهما كانت العراقيل ومهما كانت السلبيات ومهما كانت التكاليف, وذلك لأن العنصر البشري الوطني هو محور التنمية الاقتصادية وهو أساسها. فلا مستقبل لهذه الامة ولا مستقبل لهذه الدولة اذا لم تهتم بالموارد البشرية وتوجد لها فرص العمل المناسبة وتستوعبها في مختلف قطاعات الدولة ومؤسساتها وفي الوظائف الحيوية. الا اننا يجب ان نشير وننبه الى بعض السلبيات التي قد تنتج عن عمليات التوطين ونحن نتطرق الى ذلك من خلال الملاحظات الشخصية ولا نقصد بها افرادا بعينهم الا أننا نوردها من باب التنبيه الى تحاشيها والتذكير لمن يغفل عنها: من هذه السلبيات نلاحظ احيانا ان بعض المواطنين ينظر الى التوطين على انه نوع من السلطة المطلقة التي لا يحدها قانون ولا تردها ضوابط, فيمارس عمله بطريقة سلطوية لا يقرها عرف ولا قانون. واذا اعترض انسان على تلك الممارسات, كانت الاجابة انا مواطن, وهذا في الحقيقة خطأ كبير وجرم عظيم في حق التوطين ذاته. فالمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بروح الانتماء الى هذا الوطن ويحرص كل الحرص على مصالحه وبالتالي فهو أولى من غيره بالحرص على احترام القوانين والاعراف والاسس والضوابط التي تحكم سير العمل أيا كانت طبيعة ذلك العمل. فكونه مواطنا لا يعطيه الحق اطلاقا بأن يتصرف بصورة مطلقة, بل أنه يجب ان يكون احرص من غيره على الالتزام بالاحكام والقواعد التي تحكم سير العمل ومصالحه. تلعب المحسوبيات والمعارف دورها في بعض عمليات التعيين وكذلك في الترقيات وهذه الظاهرة ظاهرة سلبية خطيرة جدا ولا تخدم المصلحة العامة على الاطلاق فلابد من التصدي لها. مسألة التقاعد المبكر, ان ظاهرة اعطاء التقاعد في سن مبكرة للشباب ظاهرة سلبية ولا تخدم الصالح العام, فهذا الشاب الذي استغرق بناؤه وتكوينه مدة طويلة, وكلف الدولة الكثير لاكتساب الخبرات والمهارات كان الاولى ان يستفاد من خبرته كلما زادت خبرته وليس تحويله الى التقاعد في سن مبكرة. وفي الختام ندعو الى تجنيد كافة مؤسسات المجتمع من اجل العمل على نجاح سياسة التوطين المتبعة والضغط على القطاعات الاقتصادية واجبارها على اتباع برامج توطين محددة.

تعليقات

تعليقات