إلى متى يستمر انخفاض الأسعار؟ ثلاثة إجراءات يقترحها الخبراء لمواجهة متغيرات الأسواق العالمية

يـظل السؤال الأكثر قدرة على استقطاب اهتمام الخبراء والمحللين والباحثين المختصين بالدراسات النفطية هو: هل سيستمر انخفاض النفط طويلا بحيث يصبح القاعدة لا الاستثناء في أسواق النفط العالمية ؟ ومن المسلم به أن هذا السؤال هو الأكثر ترددا على ألسنة وزراء النفط في الدول المنتجة للنفط وكبار المسؤولين التنفيذيين في مجالس إدارات كبرى شركات النفط العالمية والمحللين والخبراء والمضاربين في الأسواق العالمية. ويشير تقرير نشرته (الفاينانشيال تايمز) مؤخرا إلى ان التاريخ يضيئ الحقيقة القائلة ان التراجع الراهن هو النقطة الأكثر انخفاضا في حلقة ستعاود الارتفاع, ولكن في ضوء الضغط الكبير الذي يشكله الغموض الذي يلقي بظلاله على الصناعة النفطية نتيجة للأزمة المالية العالمية, فإن الكثيرين يخشون من أن شيئا أكثر عمقا وتجذرا يجري في الوقت الراهن, ويمكن أن يبقي أسعار النفط منخفضة لسنوات مقبلة, مع استثناءات محدودة تتمثل في بعض الارتفاعات العرضية. ومؤخرا انضم مارك مودي ستيوراث رئيس مجلس إدارة شركة رويال داتش شل إلى جانب من يرون أن هناك تحولا هيكليا يجري في أسعار النفط, وقد دأب رئيس مجلس إدارة شركة نفط أوروبية بارزة أخرى على امتداد عدد من السنوات في القول بأن سعراً يتراوح بين 18 إلى 20 دولارا للبرميل ربما يكون سعراً يتعذر الحفاظ عليه. ولا يزال وزراء ومسؤولون من الدول الأعضاء في الأوبك يتحدثون عن أسعار يمكن أن تصمد في وجه المتغيرات قريبة من العشرين دولارا, ولكن بعضهم يقول في مجالسه الخاصة انه سيكون أكثر من سعيد إذا ما وصل سعر برميل النفط إلى 15 دولارا. مؤشرات وتتعدد المؤشرات الأخرى الدالة على ان عالم النفط يتأهب لفترة ممتدة تسود خلالها أسعار النفط المنخفضة. وتتأهب (كراين) وهي المؤسسة الصناعية البريطانية التي أنشئت للتوصل إلى تطوير أساليب لتخفيض التكاليف المرتفعة نسبيا لمنتجي بحر الشمال ــ لدفعة كبيرة أخرى في اتجاه تخفيض تكاليف الانتاج. وهذه المرة تريد المجموعة خفض اجمالي التكلفة لكل برميل في مجال التنقيب والتطوير في حقول بحر الشمال (بما في ذلك التكاليف الفعلية لعملية الفصل) من 12 دولارا إلى عشرة دولارات بحلول عام 2000 وإلى ثمانية دولارات بحلول عام 2002 وذلك مقارنة بمعدل شامل للتكلفة كان قائما حتى عام 1992 وهو 15 دولارا. ويذهب مسؤولو هذه المنطقة إلى القول بأن مثل هذه الوفورات المفاجئة في التكاليف هي أمور ممكنة ليس من خلال عمليات تقدم التقنية أو من خلال هوامش الربحية الخاصة بالمقاولين والمزودين, على الرغم من ان هذين الجانبين ربما يلعبان دورا في هذا الشأن, وانما من خلال اصلاح سلسلة التزويد وتشجيع استغلال قدر أعظم من الخدمات المشتركة على امتداد القطاع. وفي الوقت نفسه, ومع بذل الجهود لخفض التكلفة العالية تقليديا في بعض الدول المنتجة غير الأعضاء في أوبك تستمر التقنية في تغيير هيكل اقتصادات حقول النفط الجديدة. وفي فنزويلا تقول شركة توتال الفرنسية وشركاؤها ان مشروعهم المعروف باسم (سنيكور) والمقدر بحوالي أربعة مليارات دولار والذي يستهدف انتاج النفط الثقيل من حزام أورنيكو ورفع مستواه ليصبح خاما خفيفا مركبا يظل في المسار المرسوم له على الرغم من الأسعار الراهنة في أسواق النفط العالمية والتي تمضي على مستوى كان من شأنه أن يقضي على مثل هذا النوع من المشروعات قبل سنوات قلائل. اعادة الهيكلة ويأتي الحديث الذي لا يتوقف في صناعة النفط عن المزيد من اعادة هيكلة المؤسسات النفطية واجراء عمليات الاندماج بينها كاستجابة للأسعار المنخفضة في أسواق النفط العالمية. وتذهب شركتا بريتش بتروليوم واموكو بأن عملية الاندماج بينهما ليست مرتبطة بشكل مباشر بالأسعار العالمية المنخفضة ولكن ليس هناك الا شكا محدودا في أن سير جون برادن المرشح لمنصب المدير التنفيذي للمجموعة المندمجة يستمد عزاء حقيقيا من انه سيحقق وفرا قدره مليار دولار في صورة وفورات في التكلفة. ويعتقد المصرفيون المتخصصون في الاستثمارات في القطاع مثل رود بيكوك من جي. سي مورجان انه من الحتمي ان شركات نفطية أخرى سوف تندمج. وبعض الشركات التي تتمتع بمعدل نمو قوى بصفة خاصة ربما تواصل اجتذاب دعم حملة أسهمها للعمل متفردة, ولكن الاتجاه الأقوى يظل إلى الاندامج الذي يكفل المزيد من الوفورات في التكلفة ويحقق قدرا أكبر من الكفاءة. قواعد أساسية ويقول المصرفيون ان الشركات التي تبحث القيام بعمليات اندماج أو وافقت بالفعل على صفقات ريع أو شراء للشركة بكاملها ينبغي أن تتبع بعض القواعد الأساسية ومنها ما يلي: ينبغي ألا تكون هناك عمليات خروج إلى مجالات جديدة لأنشطة الأعمال, فالمستثمرون لا يرغبون في أن يروا الإدارة تخرج إلى مجالات عمل ليست القيمة مؤكدة فيها. ينبغي أن تكون هناك شفافية في الإدارة, وكما يعيبر ببكوك (ان السوق ينقصه موضوع مساعدي الرؤساء التنفيذيين) . ينبغي أن تكون المجموعة الناتجة عن الاندماج قادرة على أن تبرز بوضوح الدفعة الأولى من عمليات التوفير في التكلفة كما هو الحال في اندماج بريتش بتروليوم واموكو, ومثل هذا الوضوح في الهدف يمكن أن يسفر عن زيادة في سعر سهم المجموعة وزيادة رأسمالها, الأمر الذي من شأنه أن يحول دون بروز أي بديل ورقي آخر. ويقول مسؤولو أوبك ان مثل هذه الخطوات المفاجئة يمكن تجنبها إذا ما تعاونت شركات النفط الغربية في ضمان استقرار أسواق النفط العالمية, ولكن بغض النظر عن بعض العواقب والتبعات القانونية, فإنه ليس هناك حماس يذكر من جانب الشركات الغربية لاستكشاف ما يمكن أن يعنيه مثل هذا التعاقد. ويؤيد روبرت مابرو مدير معهد أكسفورد للطاقة وجهة النظر القائلة ان الصناعة النفطية تتمتع بالمقدرة الجماعية على القيام بالكثير للمساعدة في زيادة أسعار النفط في الأسواق العالمية. ولكنه يظل من البعيد كل البعد عن الوضوح ما إذا كان الكثيرون في صناعة النفط يؤمنون بذلك. فتراكم الغموض الاقتصادي على المستوى العالمي وغياب أي معلومات يمكن الاعتماد عليها حول مدى ضخامة المخزون النفطي العالمي ومدى طول المدة اللازمة لتقليصه من خلال عمليات خفض انتاج أوبك قد تركا الكثيرين في عالم النفط في وضعية ذهنية دفاعية على نمو حاسم الأمر الذي لا يدعو لكثير من التفاؤل في المستقبل.

تعليقات

تعليقات