آفاق اقتصادية:الى أين تتجه أسواق الكمبيوتر الآسيوية؟بقلم- د. محمد ابراهيم الرميثي

من مفارقات الأمور ان نجد أسواق الكمبيوتر في جنوب شرق آسيا تحقق رواجا في خضم الكساد الذي يجتاح أسواق تلك المنطقة في العالم وتعصف بها الازمات الاقتصادية في الوقت ذاته . فلماذا يحدث ذلك لأسواق الحواسيب؟ تشير الاحصائيات الى ان أسواق أجهزة الكمبيوتر الآسيوية تستحوذ على ما نسبته 70% من حجم الانتاج العالمي الذي يقدر خلال العامين الماضيين بحوالي 70 مليون جهاز تبلغ قيمتها حوالي 100 مليار دولار أمريكي. وتستوعب السوق الأمريكية حوالي 60% من حجم السوق العالمي لأجهزة الحاسوب, لذلك نجد ان الشركات الآسيوية قد جذبتها السوق الأمريكية فأنشأت مصانع للكمبيوتر في الولايات المتحدة الامريكية. ومن تلك الشركات التي تمكنت من غزو السوق الامريكية بهذه الصورة شركة (آيسر) وشركة (دي.تي.كيه) وهي شركات تايوانية وتمتلك مصانع في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الحقيقة ان أسواق الكمبيوتر تختلف في طبيعتها عن الأسواق الأخرى, وتختلف أجهزة الكمبيوتر (الهارد وير) عن أسواق البرامج (السوفت وير), ولذلك نجد بعض شركات الكمبيوتر تراهن على الأجهزة وتبيعها بسعر قد يصل الى سعر التكلفة لتحقق أرباحها من مبيعات البرامج والخدمات الأخرى المتصلة بالحواسيب.. فلماذا تختلف أسواق الكمبيوتر عن غيرها من الأسواق؟.. لأسباب عديدة نذكر منها: * صناعة الكمبيوتر صناعة حديثة نسبيا وسريعة التغير والتطور والنمو, والتجديد بالتالي مستمر فيها, فالمستهلكون دائما في شغف الى كل ما هو جديد في عالم الكمبيوتر. * المنافسة شديدة جدا على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي. * تراهن الشركات العملاقة على اعطاء امتيازات لشركات ناشئة في دول حديثة العهد بالتصنيع وذلك من أجل ضمان موطىء قدم في تلك الأسواق وضمان الاستمرارية. * الكمبيوتر لم يعد سلعة معمرة بالمفهوم الاقتصادي, لكنه بات أقرب الى السلع الاستهلاكية الفانية منها الى السلعة المعمرة, وبالتالي أصبح عمره الافتراضي قصيرا, وذلك بسبب ما يسمى بالاهلاك الفني له نظرا لسرعة تطور الاجهزة ونموها. ومن هذا المنطلق فإنه بالنسبة للمستهلك الفرد لم يعد الفرد العادي يبحث عن الجودة العالية بقدر ما أصبح همه البحث عن السعر الأقل, حيث يجد ضالته في المنتجات الآسيوية. أما بالنسبة للشركات بوجه عام والشركات المتوسطة والكبيرة الحجم على وجه الخصوص فيمنعها كبرياؤها وسمعتها من شراء الاجهزة المنخفضة الثمن فتلجأ الى شراء الاجهزة ذات الاسم التجاري المعروف. وقد نلاحظ هذه الظاهرة واضحة في أسواق الامارات, حيث يسأل أصحاب المحلات العملاء عن الغرض من شراء جهاز الحاسوب, هل هو لمكتب أم لاستعمال خاص؟.. فاذا كان لمكتب تصبح الجودة من المعايير الرئيسية وذلك بسبب كثرة الاستخدام وسمعة الشركة وسهولة الصيانة والضمان, وبسبب وجود المتخصصين الذين يعرفون ما اذا كان الجهاز ذا جودة عالية أم متوسطة أم انه رديء. أما الكمبيوتر الشخصي فاستخدامه ضعيف ولا يوجد من سيفحص جودته, وقد لا يحتاج الى صيانة قبل نزول أجهزة حاسوب جديدة الى الأسواق. ومن هذا المنطلق نجد ان المستهلكين لأجهزة الحاسوب الأفراد يقبلون بشكل كبير على الاجهزة الآسيوية لأنها رخيصة (منخفضة الثمن) وتؤدي كافة الوظائف المطلوبة فتشبع حاجة المستهلك بشكل جيد. ولقد تمكنت الشركات الآسيوية بعدما أدركت هذه الحقائق من تلبية حاجات المستهلكين واغراق الأسواق بأجهزة حاسوب شخصية منافسة من حيث الأسعار ولكنها تفتقر الى الجودة التي لم تعد ذات أهمية كبيرة للمستهلك كما ذكرنا. فلم تول الشركات أهمية للمواصفات العالمية والمقاييس المعتمدة, وأصبحت الأجهزة مجمعة من أكثر من مصنع, أي ان المستهلك يجد اللوحة الرئيسية من مصدر والقرص الصلب من مصدر آخر والذاكرة من مصدر ثالث والشاشة من مصدر رابع... وهلمجرا.. ليس هذا فحسب, بل ان المواصفات والمقاييس المعتمدة للاشعاعات الصادرة عن الكمبيوتر ومستوى الضجيج والاشعاع المغناطيسي لم تعد ذات أهمية كبيرة للمستهلك الصغير فيما لو أدى غياب الجودة الى التوفير في السعر. ويبدو لنا ان هذه هي العوامل التي تكمن وراء رواج سوق الكمبيوتر واستمرار رواجه, في حين نجد ان الأسواق الأخرى تعاني من الأزمات المالية.

تعليقات

تعليقات