مضى ربع قرن بالضبط على القرار الذي اتخذه وزراء النفط للدول الخليجية الست الأعضاء في منظمة الأوبك في أكتوبر1973في الكويت, والذي أعلنت فيه هذه الدول لأول مرة أن أسعار النفط ستحددها بصورة منفردة منذ ذلك الحين الدول المصدرة وليست الشركات صاحبة الامتيازات النفطية. حدث هذا في16أكتوبر . وفي اليوم التالي مباشرة قررت الدول النفطية العربية للمرة الأولى أيضا فرض حظر انتقائي على الصادرات النفطية شمل الولايات المتحدة والدول الأوروبية, التي كانت تساعد إسرائيل في الحرب التي كانت تدور رحاها خلال تلك الفترة في سيناء ومرتفعات الجولان. وعقب ذلك بشهرين, أي في 23 ديسمبر, أعلنت الدول الأعضاء بأوبك زيادة في الأسعار المعلنة بلغت نسبتها 111.4%, وكانت الثانية, إذ حدثت الزيادة الأولى خلال اجتماع الكويت. وكانت نتيجة ذلك أن تواصل الارتفاع في سعر الخام العربي الخفيف, والذي كان ارتفع من 2.3 دولارا للبرميل في العام 1972 إلى 3.07 دولارات العام ,1973 ليقفز السعر إلى 10.77 دولارات العام ,1974 أي أن السعر ارتفع خمسة أضعاف خلال عامين فقط. وخلال الفترة ذاتها, فإن حركة التأميم للشركات صاحبة الامتيازات النفطية, وهي الحركة التي بدأتها ليبيا والجزائر والعراق خلال الفترة بين 1970 و,1972 امتدت وانتشرت ليتسع نطاقها وتتزايد سرعتها في دول الخليج العربية, التي بدأت بالحصول على حصص تتراوح ما بين 25% و60% في الشركات العاملة في هذه الدول, ثم شرعت في مفاوضات حول نقل ملكية هذه الشركات بالكامل إلى دول الخليج. وكان طبيعيا في ظل توالي هذه التطورات أن تنظر الدول الصناعية إلى الأمر ليس فقط على أنه نقطة تحول في العلاقة بين منتجي النفط ومستهلكيه, لكن أيضا بصفته تهديدا مباشرا وخطيرا لها. أما اليوم, فإن الصورة في عالم صناعة النفط تبدو مختلفة تماما عما كان يتخيله المرء منذ 25 عاما, أي في أعقاب ما اصطلح على تسميته الصدمة النفطية. ففي ما يتعلق بموضوع الحظر, فلم تعد هذه أداة في يد الدول المنتجة للنفط ـ عربية كانت أم غير عربية ـ تستخدمها ضد الدول المستهلكة, إذ انقلبت الأوضاع فهناك دول مصدرة عدة تخضع هي نفسها لنوعيات مختلفة من الحظر والعقوبات, إما من جانب الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة. ففضلا عن العقوبات المفروضة ضد ليبيا وإيران والعراق منذ سنوات عدة, جاء قرار الولايات المتحدة بفرض عقوبات ضد السودان في 1996 و1997 ليمثل سببا رئيسا في تأخير تحول السودان إلى دولة مصدرة للنفط. ومؤخرا, أصبحت مصر ودول عربية أخرى تحتفظ بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة معرضة لعقوبات يمكن فرضها من جانب الكونجرس الأمريكي بعد إقرار قانون الحريات الدينية أو قانون ولف ـ سبكتر, والذي تم تمريره بأغلبية 300 صوت (341 عضوا أيدوا القانون في مقابل إعتراض 40 عضوا فقط) في مجلس النواب مؤخرا. لكن القانون واجه معارضة عنيفة داخل مجلس الشيوخ, كما أن الرئيس بيل كلينتون كان قد هدد بممارسة حق الفيتو الممنوح له ضد هذا التشريع, الذي يمكن أن يعوق سياسة واشنطن تجاه دول مهمة مثل المملكة العربية السعودية ومصر وباكستان والصين. ومع هذا, فقد مرر مجلس الشيوخ القانون بعد إدخال تعديلات عدة, وأعلن الرئيس كلينتون من جانبه أنه سيصادق على القانون لنشره. أما بالنسبة إلى أسعار النفط, فإن التطورات التي شهدتها الأسعار خلال السنوات القليلة الماضية لم تكن أقل غرابة, فبعد بلوغ سعر البرميل 32.5 دولارا في العام 1981 بعد الصدمتين النفطيتين في العام ,1973 والعام 1979 ـ ,1980 فإن سعر نفوط الأوبك تدهور إلى مستوى 12.7 دولارا للبرميل خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري. وبالقيمة الاسمية يعد هذا المستوى هو الأدنى للنفط منذ الانهيار الذي شهدته السوق النفطية في العام 1986. أما بالقيمة الفعلية وعلى أساس قيمة الدولار في العام ,1973 فإن متوسط سعر سلة نفوط الأوبك خلال الأشهر التسعة الماضية العام الجاري لا يتعدى 3.81 دولارات, أي ثلث قيمتها في العام ,1974 حين كان السعر 9.87 دولارات للبرميل, و 22.2% من السعر المرتفع الذي بلغ 17.16 العام 1982. وبالانتقال إلى العوائد النفطية لدول الأوبك, فإنها لن تتجاوز ـ كما هو متوقع ـ 111 مليار دولار هذا العام, وهو مبلغ عند حسابه على أساس قيمة الدولار في العام 1973 يقل إلى 53 مليار دولار فقط, أي نصف حجم العوائد التي حصلتها دول الأوبك العام ,1974 وثلث حجم العوائد القياسية المتحققة في العام 1981. وقد كان أثر هذا الانخفاض الحاد في أسعار النفط وعوائده المالية على اقتصادات أعضاء المنظمة مؤثرا ومؤلما بصفة خاصة, بسبب تضاعف سكان الدول الأعضاء إلى 497 مليون نسمة خلال الخمس والعشرين سنة الماضية, ولأن الفوائض المالية التي راكمتها في موازين حساباتها الجارية حتى بداية الثمانينات بدأت في الدخول في سلسلة من العجوزات المزمنة. وعليه فإن المشكلة الشهيرة المتمثلة في (إعادة تدوير عوائد النفط) والتي برزت في أعقاب صدمة العام ,1973 قد أفسحت المجال أمام مشكلات تتعلق بشح رؤوس الأموال في الدول المصدرة والتراجع الحاد في مستوى الاستثمار في زيادة طاقاتها لإنتاج النفط والغاز, وهي زيادة ملحة للغاية. ويتعلق التحول العكسي الرئيس الثالث بمشاركة المؤسسات الأجنبية في قطاع أنشطة التنقيب والإنتاج في الدول المصدرة, فبعد أن تم استبعادها وطردها من الباب الأمامي خلال عمليات التأميم في أوائل السبعينات, تم توجيه الدعوات لشركات النفط الدولية للعودة لتلك الدول والدخول من الباب الخلفي, عبر المشاركات واتفاقيات تقاسم الإنتاج وعقود الخدمات. وعلى الرغم مما يثيره هذا الأمر من دهشة للوهلة الأولى, فإن فتح قطاع أنشطة التنقيب والإنتاج أمام رؤوس الأموال الأجنبية بدأ في البلدان التي قادت مسيرة التأميم وهي الجزائر وليبيا والعراق وإيران, وهي من الدول التي تصنف ضمن مجموعة (الصقور) داخل المنظمة. وفي دول الخليج, نحت قطر المنحى نفسه. ومن جهة أخرى, فإن (حمائم) أوبك السابقة, خاصة المملكة العربية السعودية والكويت, هي التي ظلت تبدي مقاومة شديدة للسماح بعودة رؤوس الأموال الأجنبية إلى مجال الأنشطة المذكورة في قطاعي النفط والغاز. لكن يبدو أن المقاومة تتراجع. فأثناء زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية, دعا ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز, سبعا من الشركات النفطية العملاقة في أمريكا إلى التقدم بمقترحات من أجل القيام بمشروعات استثمارية في المملكة. وهكذا, فإن مشاركة الشركات الأجنبية بشكل أو بآخر في قطاع النفط والغاز في المملكة العربية السعودية, يعتبر شيئا لا يمكن استبعاده بعد الآن. والسبب الرئيس وراء هذا التطور يرجع إلى أنه كلما زاد شعور أية دولة مصدرة للنفط بالتأثير المدمر لانخفاض أسعار البترول, تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن العمل مع شركاء أجانب, خاصة وأن إعادة فتح قطاع التنقيب والإنتاج يحدث في نطاق الاتفاقات الجديدة التي تكرس مبدأ تعزيز هيمنة الدولة على كل مواردها الطبيعية. وفي الأعوام المقبلة سيؤدي الانخفاض الحالي لأسعار الطاقة, إلى نتيجتين أساسيتين: الأولى هي زيادة التنافس بين الدول المنتجة للنفط من أجل جذب رؤوس الأموال الأجنبية, والثانية هي تحويل عمليات البحث والإنتاج من الدول ذات الإمكانات المحدودة والتكلفة الضخمة إلى الدول التي تتمتع باحتياطيات نفطية أكبر وتحتاج إلى تكاليف أقل لاكتشاف النفط بها, أي بالتحديد دول الشرق الأوسط. وهذان التطوران سيكونان في صالح مشاركة الشركات الأجنبية في زيادة وتوسيع نطاق نشاطها في مجالات التنقيب والإنتاج في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر.