هجرة العقول العربية لاتزال قضية محورية في عالم يتسابق على سرقة العقول خاصة تلك التي لها طبيعة متخصصة حيث أصبح الابتكار العلمي أهم أسلحة النمو الاقتصادي في وقت أصبحت فيه الحدود لاتمنع غزوا اقتصاديا أو فكريا. وهجرة العقول العربية مشكلة تستنزف طاقات أمة وتسبب خسائر لها مادية هائلة , واذا كانت صناعة الكمبيوتر ومشتقاتها هي لغة العصر الحالي والمقبل ايضا فإن معظم الشركات العالمية تتسابق على خطف خبراء عرب تخصصوا في هذا القطاع لتضمن الحصص الكبرى في سوق عربية كبيرة وواعدة خاصة في مجال البرمجيات العربية, ويذهب معظم هؤلاء الخبراء العرب ليبيعوا خبرتهم, بعضهم تحت اغراءات والآخرون كانوا يسعون الى الفرصة. الهجرة لماذا؟ وبمناسبة انعقاد دورة جيتكس 98 في مركز دبي التجاري العالمي ووجود مشاركات عربية واسعة كان لابد من مناقشة ظاهرة هجرة العقول العربية لماذا؟ وإلى متى؟ ثم سبل الحد من هذه الظاهرة. بعض من سألناهم لم يجد غرابة في هذه الهجرة خاصة وان هؤلاء العلماء المهاجرين كانوا يحملون الأحلام حينما كانوا في أوطانهم ولكنهم اصطدموا بواقع يحول بينهم وبين الابداع أو الاستمرار في ظروف لا تعطي ملامح تقدير للعلماء, بالاضافة الى تخلف البنية التحتية المهيئة لاستقبال ابحاثهم وأعمالهم وهو ما أصابهم بالاحباط. ولخص خبراء ومديرو شركات عربية اسباب هجرة العقول أو الأدمغة العربية في عدة نقاط: ــ الاغراء التكنولوجي الذي توفره الشركات العالمية لهؤلاء المهاجرين حيث توجد أحدث معامل وبيئات البحث العلمي في حقول عالم الكمبيوتر بالاضافة الى الامكانيات المادية الهائلة التي تنفق على الابحاث بخلاف الوضع في اوطانهم. ــ الرواتب المجزية التي تدفعها الشركات الاجنبية بحجم استفادتها من هذه الخبرات دون قيد أو شرط أو تمييز. ــ التقدير والاحترام لمؤهلات وقدرات الخبير العربي بخلاف الوضع في الوطن العربي حيث يعامل ككم مهمل. مواجهة مشكلات الهجرة ولكن كيف يمكن مواجهة مشكلة الهجرة التي سببت الكثير من المعوقات وظهر ذلك جليا عند مواجهة مشكلة (علة القرن) , يقول علي كمالي مدير شركة (داماتكس) : ان هجرة الكوادر التي خططت وساهمت في تشغيل انظمة الكمبيوتر المعمول بها في دولة الامارات ودول الخليج الى الدول الغربية كانت اما بحثا عن مجال عمل افضل او رواتب مغرية, وهو ما عقد نسبيا تعاملنا في مواجهة مشكلة عام 2000 (علة القرن) ولو كانت هذه الكوادر موجودة لانخفضت تكاليف المعالجة. ولذلك فإن المطلوب هو تدريب المزيد من الكوادر وتوفير الجو الملائم لها لسد النقص الحاصل نتيجة هذه الهجرة وللانتقال من القرن العشرين الى القرن الحادي والعشرين ونحن اكثر استعدادا لتقبل التطور في مجال تقنية المعلومات الذي يعد من اهم القطاعات نظرا للتطور الهائل. عشرة آلاف غادروا مصر اما مجدي خيرالله هو من خبراء الكمبيوتر في مصر فقد أكد ان مصر وحدها غادرها حوالي عشرة آلاف مبرمج لأجهزة الكمبيوتر الى الدول الاوروبية والعربية منهم حوالي ثلاثة آلاف الى الدول الاوروبية, ويوجد نقص في عدد المبرمجين في مصر حيث يصل الاجمالي الى ما يتراوح بين 32 ــ 35 الف مبرمج كمبيوتر, وقد انتشرت خلال السنوات الخمس الاخيرة الجهات التي تقوم بتخريج وتدريب هؤلاء المبرمجين والمفروض ان يكون العدد المثالي بالسوق المصرية 40 الف مبرمج. وأكد ان هجرة العقول العربية ليست كلها ضرر بل فيها منافع فهؤلاء يحتكون بالخبراء العالميين ويطلعون على احدث البحوث, كما ان عمل هؤلاء بالخارج اذا ما عرفنا متوسط الرواتب التي يتقاضونها بالخارج تصل الى 600 ألف دولار في السنة يمكن ان تمثل ثروة لأي بلد, مشيرا الى ان تدريب المزيد من المبرمجين يمكن ان يسد النقص. وقال ان 75% من العمالة في الشركات العالمية المنتجة للبرامج العربية هم من الكوادر العربية العاملة في مجال البرمجة وليس خفيا ان اسرائيل بدأت تدخل في مجال الاستعانة بالخبراء العرب وخاصة الفلسطينيين في ايجاد برامج عربية لدخول السوق العربية ولو بطرق ملتوية. اما حامد المغلاوي من (فيوتشر سوفت) فذكر ان هجرة الأدمغة العربية مستمرة وقدر عدد الخبراء العرب المهاجرون في مجال البرمجة وحده بما يتراوح بين 1500 ــ 2000 خبير وان العدد مرشح للزيادة, اذا لم يتم تدارك مثل هذا الوضع, فسوف تكون العواقب غير طيبة خاصة وان تقنية المعلومات هي مجال الصراع المستقبلي ولن يتم ذلك الا بتوفير الاغراءات لبقاء هؤلاء في بلدانهم, والاغراءات المادية ليست هي المطلب ولكن توفير الجو العلمي المناسب ليتمكنوا من الخلق والابتكار, وان يتم الانفاق على قطاعات الابحاث دون توقف. وقال ان (مايكروسوفت) مثلا بها اكثر من ألف مبرمج وخبير عربي و(أوراكل) ايضا بها اعداد لا بأس بها من الخبراء, ومن الاسماء العربية اللامعة احمد ناصر وهو فلسطيني والذي وصل فيها الى مدير مشروع, وحسام فتحي فلسطيني يعمل في (لوتس) , ويوجد في (أوراكل) خبراء من مصر يعملون في مجال تطوير البرامج العربية منهم محمد نصير, اسامة القاضي, شريف قرشي, وهؤلاء اسماء لامعة, ولو توفرت الفرصة لهؤلاء للعودة الى اوطانهم لوصلت الصناعة العربية في مجال الكمبيوتر (اللدائن) والبرامج الى مستويات جديدة ومبتكرة في هذا القطاع. غزو الاسواق العربية وأكد المغلاوي ان هجرة العقول ساهمت في تأزم وضع المبرمجين العرب وان هذه الهجرة تؤثر سلبا على الصناعة العربية وطبعا اهتمام الشركات العالمية بالسوق العربية وراء ذلك لأن لغة الكمبيوتر لغة خاصة ولتتمكن الشركات من غزو الاسواق لابد من مراعاة لغة المخاطبة, وامكانيات وخصائص البيئة العربية والتراث العربي وهذا يستدعيها الى الاستعانة بالخبراء العرب. وأشار الى ان عودة هؤلاء الى اوطانهم ستدفع بالشركات العربية الى الدخول لمصاف العالمية في فترة محدودة. مشروع قومي وذكر جاد منصور الى ان المنافسة على استقطاب الخبراء العرب سوف تبقى ولعوامل متعددة سيغادر هؤلاء أوطانهم وهذا استنزاف للموارد البشرية والمالية العربية, وهجرة هؤلاء العلماء خسارة بكل المقاييس ولكن الواقع العربي يجب ان يتعامل مع هذه الظاهرة بفاعلية وايجابية لذلك يجب ان يتم توفير الجو العلمي, والاحترام لمكانتهم العلمية بالاضافة الى الحوافز المادية. ودعا الى مشروع قومي عربي كبير يضم هؤلاء الخبراء وان يلقى الدعم من كل الدول العربية لأن خبراء الكمبيوتر اصبحوا يمثلون عقل اية دولة والتقدم الاقتصادي لن يكون الا بالعلم وليكن مشروع (وادي سيناء للكمبيوتر) بداية في مشروع عربي كبير, ولكن حتى ترى هذه المشروعات يبقى السؤال: (الهجرة إلى متى) ؟ متابعة: عبدالفتاح فايد عادل السنهوري سلام الشوا طارق فتحي مصطفى عويضة تصوير: محمد هشام