يطرح اصدار العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)في أول يناير المقبل تحديات كثيرة ليست فقط لأوروبا ولكن للعالم كله إذ يصفه كثيرون بأنه واحد من أهم الأحداث الاقتصادية في القرن العشرين . ويحلو للفلاسفة والمفكرين الأوروبيين القول ان القارة الأوروبية التي شهدت حربين عالميتين مدمرتين حصدت عشرات الملايين من الأرواح ودمرت مدنا بأكملها وجدت ان أفضل وسيلة لتفادي حروب مستقبلية هي وحدتها واقامة سوق واحدة بحيث تكون عوامل المصلحة أقوى من عوامل الاختلاف. وقد يكون هذا هو ما دفع هيلموت كول المستشار الألماني السابق الذي تحققت الوحدة الألمانية على يديه إلى القول قبل حوالي عامين عندما كان الجدل شديدا حول تأخير موعد اصدار (اليورو) أن البديل هو خطر الحرب. ورغم الصعوبات وكل الجدل الذي حدث في الاعوام الأخيرة فإن الاتحاد الأوروبي خلال شهرين وبضعة أيام سيكون أمام قيام منطقة (اليورو) التي ستضم 11 دولة من بين 15 دولة عضو في الاتحاد ستكون في المرحلة الأولى للوحدة النقدية المتمثلة في استخدامها عملة موحدة. وستكون هناك مرحلة انتقالية تستمر حتى عام 2002 تستخدم فيها العملات المحلية واليورو في وقت واحد قبل أن تلغى تماما العملات المحلية وتصبح العملة الوحيدة المتاحة للتداول هي (اليورو). وهذا يعني الكثير عمليا فالمسافر بين الدول الـ11 لا يحتاج إلى تغيير العملة معه وبالتالي سيوفر عمولات التحويل. وهو ما ينطبق على عمليات التجارة داخل منطقة (اليورو) ويوفر مصاريف هائلة كان يدفعها المصدرون والمستوردون في عمليات التحويل بين العملات في عملياتهم التجارية. وسيحتاج هذا في البداية إلى استثمارات كبيرة من قبل المصارف والشركات والمؤسسات لتحديث أنظمتها لتستطيع التعامل مع اليورو, ولكنه استثمار لمرة واحدة ومن أجل المستقبل. في الوقت ذاته فإن العملة الموحدة ستعني سياسة نقدية موحدة يرسمها بنك مركزي واحد هو البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت الذي سيحدد أسعار الفائدة في منطقة اليورو. ومعنى هذا ان دول منطقة اليورو لن تستطيع استخدام أسعار الفائدة في تحريك اقتصادياتها المحلية حتى لو كانت ظروفها مختلفة عن بقية دول (اليورو) وعليها أن تلجأ إلى أدوات اقتصادية أخرى لمعالجة مشاكل اقتصادها المحلي, وهذا وضع جديد غير مسبوق سيحتاج إلى اثبات امكانية نجاحه. واضافة إلى ذلك فإن (اليورو) حدث عالمي بكل معنى الكلمة, فالقادم الجديد على الساحة الاقتصادية الدولية سيكون عملة دولية من اليوم الأول لولادته يحمل معه قوة اقتصادات 11 دولة أوروبية صناعية تشكل في حد ذاتها سوقا واقتصادا ضخما كما انه سيرث السمعة التي اكتسبها المارك الألماني بسبب السياسات المحافظة المتشددة للبنك المركزي الألماني (البوندسبنك) . وهناك من يراهن على ان اليورو يمكن أن يحل محل الدولار كعملة تجارة دولية, ولكن الواقع يقول ان ذلك حتى لو حدث فلن يتم قبل وقت طويل في ضوء ان الدولار احتاج حوالي مائة عام ليصبح عملة تجارة دولية. ولا يعرف أحد حتى الآن ماذا سيكون رد فعل الاسواق والمضاربين فيها عندما يخرج اليورو إلى النور ولكن المؤكد ان البعض سيحاول اختباره بالمضاربة ضده أو عليه أمام الدولار أو الين الياباني أو الجنيه الاسترليني الذي سيظل خارج منطقة اليورو حتى عام 2002 على الأقل. وإذا حدثت مضاربات كبيرة فإن ذلك سيحدث تقلبات واضطرابات في أسواق المال الدولية, ولذلك فإن كثيرين سيراقبون بعناية الطريقة التي سيتصرف بها اليورو في البداية بعد ولادته قبل أن يتمكنوا من الحكم عليه.