الاجتماع الذي بدأ أمس (الاثنين) لوزراء خارجية دول مجلس التعاون ونظرائهم في الاتحاد الأوروبي هو بالتأكيد من الاجتماعات الهامة سواء على المستوى الخليجي أو على المستوى الأوروبي ليس فقط لأنه يتم قبل عدة أسابيع من القمة الخليجية المقبلة, ولكن أيضا لأنه يأتي في ظل أجواء جديدة تفرض نفسها على المنطقة سياسيا واقتصاديا. ومن المفارقات الواضحة انه في الوقت الذي ترفع فيه الدول الغربية شعارات العولمة وفتح الحدود والتجارة الحرة لتحقق مصالحها في الولوج إلى أسواق جديدة تطارد فيها بصناعاتها صناعات ومنتجات الدول التي لا تزال في بداية الطريق, فإن هذه الدول الغربية تلجأ إلى صيغ معقدة, ولكنها واضحة من أجل فرض حماية على منتجاتها واغلاق أسواقها بشكل مباشر أو غير مباشر أمام منتجات دول أخرى خاصة من الدول العربية والخليجية, وفي هذا المجال يتحول المجتمع الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي إلى قوة اقتصادية قادرة على الضغط والمساومة وربما فرض الشروط. وإذا كانت ضريبة الكربون هي الخطوة الأولى بدعوى حماية البيئة والعمل للحد من استهلاك البترول, فإن ضريبة الاغراق التي فرضتها دول الاتحاد الأوروبي بالنسبة لبعض دول المنطقة وخاصة بالنسبة لصادرات الألمنيوم, وقبلها اجراءات (الكوتا) بالنسبة لصادرات البتروكيماويات الخليجية أصبح من الضروري التوقف أمامها, والنظر إليها من جانب دول مجلس التعاون بأسلوب مغاير. صحيح ان دول الاتحاد الأوروبي ستعرض وجهة نظرها, كما عرضتها من قبل في اطار منسق ومنطقي يخدم مصالحها, ولكن الصحيح كذلك ان دول المجلس ليست مضطرة بالتأكيد إلى القبول بوجهات نظر الآخرين فضلا عن أنها مطالبة بالتعبير عن وجهات نظرها بشكل أكثر قوة وتماسكا خاصة وأن علاقاتها الاقتصادية والسياسية بدول الاتحاد الأوروبي هي علاقات على جانب كبير من الأهمية سياسيا واقتصاديا وعسكريا سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي ولسنا في حاجة في هذا المجال إلى الحديث عن طبيعة هذه العلاقات أو أوزانها أو أحجامها المالية التي تقدر ببلايين الدولارات سنويا. لقد ألقت دول الاتحاد الأوروبي بالكرة في ملعب دول مجلس التعاون عندما طالبتها بأن تتوصل أولا إلى تعرفة جمركية موحدة بينها ــ بين دول المجلس ـ قبل الدخول في تدابير منطقة تجارة حركة مع دول الاتحاد الأوروبي, ولاتزال دول المجلس حتى الآن تسعى لتحقيق ذلك وهو ما لم يتحقق كما أعلن قبل عام 2001. ثم جاء فرض ضريبة 6% على صادرات الألمنيوم الخليجي إلى الاتحاد الأوروبي كخطوة للحد من تلك الصادرات خاصة من جانب شركة دبي للألمنيوم ــ دوبال ـ غير ان هذا الأمر ستزداد أهميته إذا وضعنا في الاعتبار انه إلى جانب مصنع ألبا في البحرين, وشركة دوبال في دبي, فإن مصهرا ضخما للألمنيوم يجري الاعداد لانشائه في صحار بسلطنة عمان, وبطاقة انتاجية تصل إلى نحو 480 ألف طن سنويا سيتجه منها جزء كبير إلى التصدير بالطبع وسيكتمل هذا المشروع في عام 2000 تقريبا. وفي ضوء ذلك فإن مناقشة وزراء خارجية دول المجلس مع نظرائهم في دول الاتحاد الأوروبي لضريبة الألمنيوم المفروضة, وكذلك لحصص التصدير إلى دول الاتحاد الأوروبي تعني أمرا على جانب كبير من الأهمية ليس بالنسبة لشركة دوبال وحدها ولكن بالنسبة لمستقبل صادرات الألمنيوم وكذلك البتروكيماويات الخليجية لدول الاتحاد الأوروبي حتى لا يستمر الاتحاد الأوروبي في معاملته المزدوجة مع دول المنطقة والتي يرحب فيها بما يحقق مصالحه ويوارب أبوابه أو يغلقها أمام ما لا يحقق تلك المصالح بشكل كبير خاصة وانه من المعروف ان مصدرين عالميين كثيرين يوجهون انتاجهم من الألمنيوم والبتروكيماويات والمنسوجات إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا كانت دول مجلس التعاون قد نجحت من قبل من خلال أسلوب الاستيراد الموحد لبعض السلع وحصلت على شروط أفضل, فإنها مطالبة بالتعامل مع دول الاتحاد الأوروبي عبر موقف موحد ومتماسك حتى لا تطبق دول الاتحاد الأوروبي معها ما نجحت في تطبيقه على المستوى العربي من خلال ايجاد أربع قنوات للتعامل والحوار مع الدول العربية كل منها منفصلة عن الأخرى, ولكن السؤال هو هل ستتمكن دول المجلس من تكتيل موقفها وتجاوز منافسات الأجل القصير والتعامل مع التجمعات الاقتصادية والأطراف الدولية كتجمع متماسك؟ على أية حال فإن نتائج الاجتماعات ستكون مهمة فيما يتصل بذلك وغيره بالطبع. عبد الحميد موافي