السؤال الذي يتردد منذ عدة اشهر ولايجد اجابة واضحة عليه هو مامدى تأثر الاسواق المالية واقتصاديات المنطقة العربية بالازمة المالية في آسيا والاسواق الناشئة في العالم ؟ والاتجاه العام يرى ان التأثير محدود للغاية لسبب بسيط جدا وهو ان منطقة الشرق الاوسط هي بين أقل مناطق العالم انفتاحا واندماجاً في الاقتصاد العالمي, وبالتالي فانها اقل عرضة للتأثر بالصدمات والازمات التي تحدث في الاسواق العالمية. وهناك اكثر من دليل على ذلك فمتوسط العائد على الاستثمار في اسهم المنطقة خلال العام الماضي الذي شهد في نصفه الثاني بداية الازمة الآسيوية حقق عائدا بالدولار الامريكي يصل الى 3.8% حسب احصاءات دولية بينما محفظة استثمارية مماثلة في آسيا وامريكا اللاتينية وشرق اوروبا سجلت خسارة تبلغ 20% كما ان عملات الشرق الاوسط مازالت تحافظ على قيمتها تجاه الدولار الامريكي حتى الآن بينما تبدو العوامل الاقتصادية الداخلية في اقتصاديات المنطقة قوية. واضافة الى ذلك فإن تأثير رؤوس الاموال الاجنبية في حركة اقتصاديات الشرق الاوسط ضعيفة لاتتجاوز نسبة 3% من الناتج المحلي الاجمالي لدول المنطقة. وتحتفظ المنطقة باحتياطيات نقد اجنبي قوية مقارنة بالحجم الصغير لاقتصادياتها مقارنة بالمناطق الاخرى في العالم اذ يقدر في عام 1998 الحالي بما يتراوح بين 70 و80 مليار دولار في حين ان اقتصاديات شرق آسيا التي تتجاوز اقتصادياتها الدول العربية بعدة مرات احتياطياتها الان تتجاوز الـ 100 مليار دولار فقط بقليل. كل ذلك صحيح تماما ويبعد المنطقة عن الازمة العالمية باستثناء عامل مهم يشعر الجميع بتأثيره وهو النفط, فالبترول سلعة ترتبط تماما بالسوق العالمية وهو مصدر دخل رئيسي لكثير من الدول العربية. وبدون شك فان انخفاض اسعار النفط بنسبة وصلت الى مابين 30 و40% مما كانت عليه في العام الماضي خفض بشكل ملموس العائدات الحكومية العربية, وهو ما سيكون له تأثيره على حركة السوق المحلية, وان كان المؤكد انه سيكون أقل من حجم تأثير ازمة اسعار النفط التي حدثت في الثمانينات لان القطاع الخاص العربي اصبح اقوى واكثر تأثيرا وتراجع دور الانفاق الحكومي في الاقتصاد الوطني. وايضا هناك عوامل نفسيه مازال تأثيرها غير واضع حتى الان, فأزمة ثقة المستثمرين الدوليين في الاسواق الناشئة وصلت الى بعض اسواق الاسهم العربية المفتوحة امام الاستثمار الاجنبي, وقد تكون أثرت على البورصات العربية التي شهدت انخفاضا في اسعارها هذا العام. ولابد ان يؤخذ ايضا في الاعتبار ان بعض المحافظ الاستثمارية العربية الخاصة او الحكومية لابد ان تكون تعرضت الى خسائر في الاسواق الدولية بسبب الظروف التي تمر بها, وهذه المحافظ اما ان تتوجه الى سوقها المحلية للبيع تعويضا لخسارتها في الخارج أو للاستثمار في سوقها المحلية لتحقيق ارباح بعيدا عن اضطرابات الخارج اذا كانت هناك فرص متاحة. ومازال يتعين الانتظار لمعرفة التأثير الذي سيحدث نتيجة التقلبات التي بدأت منذ اسابيع في حركة العملات الدولية خاصة والانخفاض السريع للدولار الامريكي تجاه الين الياباني, والذي سيحدث ضغطا مع العملات الاوروبية ويجبر سلطاتها النقدية على خفض اسعار الفائدة الاوروبية بعد خفض اسعار الفائدة الامريكية مرتين خلال ثلاثة اسابيع وتوقعات خفضها بمعدل 1% اضافي الى 4% من الان حتى النصف الاول من العام المقبل. عموما وكما يبدو فان تأثيرات مايحدث في الخارج موجودة وواردة ولكن يقلل من حجمها حقيقة ان الاقتصاديات العربية ليست مفتوحة على العالم. وقد يقوي ذلك حجة انصار (اغلاق الاسواق) لكن لا يجب ان ينسى أحد ان الاسواق الآسيوية استفادت كثيرا في السنوات الماضية من انفتاحها على الاقتصاد العالمي وتدفقات رؤوس الاموال الاجنبية اليها. والدرس الاساسي الذي تقدمه تجربة الازمة في آسيا للمنطقة العربية التي تسير بحذر على طريق فتح اسواقها, هو الحجم الكبير لرؤوس الاموال الاجنبية في اقتصاد صغير قد يكون مدمرا في لحظات الهروب والفزع مالم يكن هناك نظام مالي واقتصادي داخلي كفء يتمتع بالشفافية. فترتيب البيت من الداخل يجب ان يسبق الانفتاح امام رؤوس الاموال الدولية.