التجارة عبر الانترنت.. أو التجارة الالكترونية هي الشغل الشاغل لدول أمريكا وأوروبا الآن في ظل (الجات)التي حولت العالم إلى سوق كبير يستمع إلى آراء ورغبات البائعين والمشترين في آن واحد ويحقق لكل طرف ما يريده . ففي أمريكا الآن 50 ألف شركة تتبع القطاع الخاص تستخدم التجارة الالكترونية أو (الانترنت) في تسهيل تعاملاتها التجارية, أما في المملكة المتحدة فإن 39% من الشركات الصغيرة والمتوسطة تملك خدمة الانترنت 29.2% من مجموع الشركات العاملة في مجال التجارة الالكترونية في أوروبا العام الماضي مليار دولار لكنها ستصل إلى 20 مليارا عام 2000 طبقا لبيانات منظمة التجارة العالمية. وحتى في دول شرق آسيا بلغ حجم التجارة الالكترونية في سنغافورة 800 مليون دولار نهاية العام الماضي, وفي اندونيسيا والفلبين وتايلاند بلغ حجم التجارة الالكترونية 400 مليون دولار, وهناك خطة بدأ تنفيذها بالفعل لتوسيع نطاق التجارة الالكترونية بحيث تكون هي الوسيلة الأولى لترويج صادرات هذه الدول. في المقابل فإن حجم التجارة الالكترونية في البلاد العربية طبقا لبيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري بلغ حتى نهاية أغسطس الماضي 11.5 مليون دولار فقط , وبلغ عدد المستخدمين للانترنت 400 ألف مشترك, 5% منهم فقط يمارسون التجارة عبر هذه الشبكة السحرية!! مقارنة مؤسفة ويحتاج الوضع الحالي للتجارة الالكترونية في مصر إلى جهود كثيرة, فكفاءة البنية الأساسية للاتصالات ضعيفة ونسبة المشتركين في هذه الخدمة لا يتعدى .9% من السكان, وكل الشركات الكبرى سواء التابعة للقطاع العام أو الخاص لم تعرف بعد طريقها إلى هذه الشبكة! وكان طبيعيا ان ينعكس ذلك على حركة التجارة الخارجية لمصر, والمقارنة البسيطة بين صادرات مصر , وصادرات دول أخرى تستخدم الانترنت, تكشف إلى أي مدى يمكن ان تساهم هذه الخدمة في التجارة الخارجية. وكما يقول المهندس رأفت رضوان المدير التنفيذي لمركز معلومات مجلس الوزراء المصري, فإن صادرات مصر تبلغ طبقا لبيانات العام الماضي 5.32 مليارات دولار, هي حصيلة تصدير 171 سلعة, ويبلغ نصيب الفرد من الصادرات 82 دولارا, وتبلغ نسبة الصادرات إلى الناتج المحلي الإجمالي 8% فقط. والحال ينطبق على العديد من الأقطار العربية التي لا يتنوع هيكل صادراتها, بينما يبلغ حجم صادرات سنغافورة مثلا 125.18 مليار دولار من خلال تصدير 229 سلعة, ويبلغ نصيب الفرد من الصادرات 36 ألف دولار, وتبلغ نسبة الصادرات إلى الناتج المحلي 160%. وفي دولة مثل ماليزيا, وهي احدى الدول التي تسعى إلى تنمية تجارتها الالكترونية يبلغ حجم الصادرات 79 مليار دولار من خلال تصدير 225 سلعة, ويبلغ متوسط نصيب الفرد من الصادرات 3600 دولار تمثل الصادرات نسبة 38% من اجمالي الناتج. ويضيف رضوان الذي يعتبر المسؤول عن شبكة الانترنت, ان تنمية هذا النوع من التجارة في مصر من شأنه ان يضاعف حجم الصادرات خلال سنوات قليلة. وأسأل المهندس رضوان: ماهي أهم المواقع المصرية على شبكة الانترنت؟ فيقول: للأسف شركات صغيرة لا تكاد تذكر هي شبكة الزهور المصرية, وسوق بيشاي ـ دميدايست وشبكة النيل, وشركة واحدة تتبع القطاع الخاص, وسوبر ماركت! ويقول رضوان ان هناك متطلبات لبناء التجارة الالكترونية منها اعداد شركات ضامنة يمكن ان تتولاها البنوك الكبرى وتنمية التعامل المالي والفني مع المنظمات الدولية واعداد تشريعات للتعامل مع هذا النوع من النشاط, وقبل كل ذلك اتفاق الحكومات على أنه لا مستقبل للتعاون الاقتصادي بعيدا عن هذا النوع من التجارة. الانترنت.. والسوق العربية د. هشام الشريف رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار يقول ان التجارة الالكترونية هي عماد منطقة التجارة الحرة العربية ومن وجهة نظره فإن هذه الخدمة يمكن ان تختصر السنوات العشر التي تم تحديدها لتنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية. ويقول الشريف ان التجارة الالكترونية لا تتطلب خطوات معقدة حتى يتم تنفيذها, حيث يكفي ان تقوم الشركات والمؤسسات الكبرى بتسجيل منتجاتها على شبكة الانترنت بعد بناء قاعدة معلومات قوية تربط البلاد العربية. فالمستقبل لهذا النوع من التجارة التي باتت تمثل العمود الفقري للتجارة الدولية. ومن وجهة نظر د. هشام الشريف, فإن الكوادر البشرية وقاعدة المعلومات هنا في مصر أصبحت مستعدة لادخال هذه الخدمة, فسمات عالم الأعمال الجديد يختلف كثيرا عن سابقه بعد تفتيت السوق وانفجار المنتج والخدمة ونهاية العزلة وهناك دلائل عملية على انتشار مفهوم التجارة الالكترونية, فكل خمس شركات في أوروبا بينها ثلاث على الأقل متصلة بالانترنت, والبقية تخطط للدخول, ومبيعات لشركة DELL للأنظمة بلغت مليار جنيه في عام 1997, ومبيعات شركة Interent Advertising Bureau من إعلانات الشهور الثلاثة الأولى من العام بلغت 91 مليون دولار. توعية للمستقبل د. شريف القصاص الاستاذ بالجامعة الأمريكية يقول لابد من التوعية بالتجارة الالكترونية في مصر وكل البلاد العربية, لما لها من ميزات لمستقبل التجارة, ولابد من استخدام هذا النوع من التجارة من خلال قانون يسمح باستخدام أساليب حديثة وجديدة, وان تتولى الهيئات الحكومية الاشراف على تطبيق هذا النظام, فبعد سنوات قليلة سوف نفاجأ بأن نسبة كبيرة من التجارة العالمية تتم الكترونيا. عصر المعلومات د. منى قاسم مديرة مركز بحوث بنك مصر تقول: إذا كان العصر الحالي هو عصر الكمبيوتر الشخصي, فإن العصر المقبل هو عصر المعلومات, وسوف يتسع نطاق السوق الالكترونية لتصبح الوسيط المطلق, أو السمسار الشامل مما يؤدي إلى تغيير نمط وشكل التجارة الدولية, فكل السلع المعروضة للبيع في العالم متاحة بالنسبة لكل المشترين في جميع أنحاء العالم بالاضافة إلى قيام النظم الالكترونية بدور مستشار الشراء حيث يمكن ان يطلب المشتري من الكمبيوتر من خلال شبكة الانترنت تحديد أفضل سعر, وأفضل خدمة, وأفضل كفاءة للسلعة من أي مصدر مقبول أو ان يقوم المشتري من خلال الشبكة بعمل المفاوضات للتجارة المطلوبة. وتضيف ان التجارة الالكترونية ستؤدي بلا شك إلى توسيع السوق لتصبح خلال سنوات قليلة هو العالم بأطرافه المترامية وهي الوسيلة المتميزة لدخول أسواق العالم بأقل التكاليف واتاحة أفضل الفرص سواء لغرض البيع أو الشراء أو فرص الاستثمار, بالاضافة إلى ما توفره من وقت. ومن المتوقع ان تزيد الكفاءة في أسواق الصادرات ويمكن حل أحد أهم المشاكل الاستراتيجية التي تواجه كل البلاد النامية ومن بينها البلاد العربية وهي مشكلة فتح الأسواق الخارجية وتنمية الصادرات مع الوضع في الاعتبار ان دخول عصر المعلومات يفرض تحديات كبيرة مقابل الفرص الكبيرة التي تتيحها. وبالنسبة لمصر ترى د. منى ان دخولها عصر التجارة الالكترونية سيساهم بصورة مباشرة في اظهار مزايا عضويتها في منظمة التجارة العالمية (WTO) وغيرها من اتفاقيات المشاركة الدولية التي تكفل سرعة الامتزاج في الاطار العالمي الجديد, فالتجارة الالكترونية هي أحد التطبيقات العملية لعصر المعلومات الذي أصبح الموضوع الأكثر أهمية في الادارة السياسة والاقتصاد. وتؤكد د. منى أن القطاع المصرفي هو الأكثر استعدادا وقابلية للتكيف مع التطورات الحديثة بفعل مرونته وكونه حلقة الوصل والممول الرئيسي لمختلف الأنشطة الاقتصادية وتحركات الاستثمار. وتضيف ان الدور الحالي للبنوك في ظل المتغيرات والمستحدثات العصرية تغير, فهناك عمليات تقلصت وأخرى برزت, فلم نعد الآن نجد تداول الشيكات بين المصارف يدويا أو طوابير الانتظار أمام المصارف حيث حلت آلات ATM هذه النقاط من خلال تداول البطاقات البلاستيكية بأنواعها المختلفة. جوانب وعقبات وفي دراسة عن الجوانب القانونية للتجارة الالكترونية في مصر يقول استاذ القانون التجاري ابراهيم أحمد ابراهيم, والباحث ابراهيم عطية عبد الواحد ان شراء السلع بالطريقة الالكترونية لا يختلف عن طلب السلع ودفع ثمنها بالتليفون أو البريد, وإذا كانت السلع يتم استيرادها فإن الاستيراد يخضع للتعريفات المفروضة والالتزامات الأخرى التي تفرضها اتفاقية منظمة التجارة العالمية. ويرى الباحثان ان الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا الالكترونية سيكون له تأثير هام على مشتريات القطاع الحكومي والاستخدام المتزايد للتكنولوجيا سيغير من اجراءات الشراء الحكومي حيث لاحاجة في هذه الحالة للجان والعطاءات وغيرها من الاساليب الحكومية التي تسبق عمليات الشراء في المصالح الحكومية. ويمكن القول ان الأحكام التي تنظم التجارة الالكترونية لن تختلف عموما عن الأسس التي وضعتها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية, بل انها ستسير في فلكها. أما عن العقبات التي تواجه التجارة الالكترونية في المستقبل القريب فيؤكد الباحثان انها تتلخص في وجود بعض الأسواق الدولية المغلقة وهي أسواق الدول التي لم توقع بعد على اتفاقية الجات, وتحديد قيمة الخدمات المباعة, وكيفية المحافظة على البيانات الشخصية للأفراد, وكيفية حماية المستهلك من الغش والخداع من خلال الاعلانات المضللة عبر الانترنت, وكيفية حماية الدولة بقيمها وعاداتها وتقاليدها من السلع المعروضة على الانترنت والتي قد تصل إلى حد تقديم خدمات مخلة بالآداب العامة على هذه الشبكة, وقصور التشريعات والقوانين المحلية على مواجهة حركة التجارة الالكترونية. الخدمة مرتفعة الثمن وفي ندوة بالقاهرة حول التجارة الالكترونية طالب المشاركون بسرعة تشكيل اللجنة التشريعية بوزارة العدل وتضم ممثلي الجهات والهيئات المعنية وقطاع الأعمال العام والخاص واتحاد الصناعات لمراجعة موقف القوانين السارية واقتراح التعديلات التي تقتضيها طبيعة هذا النوع من النشاط والتنسيق بين الجهات المختصة لوضع وتهيئة مناخ تدريبي لأعضاء النيابة والقضاء على هذه النوعية من القضايا. وطالب الندوة بضرورة التوسع في استخدام بطاقات الائتمان وتسهيل الحصول عليها, وضرورة قيام البنوك المصرية بتسهيل حركة التجارة الالكترونية من خلال قيام هذه البنوك بفتح الاعتمادات المصرفية الكترونيا وامكانية القيام بدور الجهة الضامنة لأداء العمليات التجارية على الانترنت.. وتوجيه المزيد من الاستثمارات لبناء شبكة اتصالات رقمية حديثة.. وتخفيض الاشتراك في شبكة الانترنت.. وتطوير المنافذ الجمركية بوصفها نقاط هامة ومؤثرة في التجارة.. وتشجيع إقامة شركات ضمان التعاملات التجارية بالتنسيق والتعاون مع البنوك الكبرى.. وتحفيز أسواق البرمجيات على تطوير وبناء الأسواق الالكترونية.. وتطوير المقررات الدراسية بكليات التجارة والاقتصاد لتتلاءم مع ما تشهده الساحة العالمية من تطور في مجال التجارة الخارجية. وضرورة التوعية المستمرة لمجتمع الأعمال المصري بأهمية هذا النوع من التجارة ودوره في تنمية أعمالهم, على ان تقوم الأجهزة الحكومية بدور رائد في أداء الأعمال من خلال شبكة الانترنت بصورة تشجع على استخدام هذا الأسلوب في القطاع الخاص وتحويله إلى أحد أساليب العمل المقبولة. وتقترح في هذا المجال وضع خطة للبدء ببعض الخدمات الحكومية التي لا تحتاج لتغيير في القوانين الحالية. القاهرة ــ صبحي بحيري