اكد الدكتور جاسم المناعي المدير العام رئيس مجلس ادارة صندوق النقد العربي انه لم يعد من الممكن تجاهل الاخطار المالية والاقتصادية التي تتعرض لها اسواق المال العالمية في الوقت الحاضر في عالم اصبحت فيه اقتصاديات الدول مترابطة بشكل متزايد . وقال الدكتور جاسم المناعي في ورقة عمل قدمها للمؤتمر السنوي الرابع والعشرين للجمعية العربية للمتداولين في الاسواق المالية التي اختتمت بأبوظبي خلال الاسبوع الحالي وحصلت (البيان) على نسخة منها قال انه نظرا لانكشاف اقتصاديات الدول العربية على الاقتصاد العالمي بحكم طبيعة القاعدة الاقتصادية لكثير من دولنا العربية ونتيجة لمباشرة دولنا سياسات الانفتاح ومحاولة الاستفادة بشكل متزايد من التعامل مع الاقتصاديات العالمية. فان مثل هذه الاوضاع تجعل عالمنا العربي على درجة كبيرة من الحساسية تجاه الاحداث الاقتصادية والمالية العالمية. واضاف ان الاضطرابات المالية والاقتصادية التي يشهدها كثير من دول العالم في هذه المرحلة, بدءا بالازمة الآسيوية خلال صيف العام الماضي ومرورا بتدهور بورصات العالم والازمة المالية والسياسية التي تعرضت لها روسيا خلال الاسبوعين الماضيين, الى جانب المخاوف المتزايدة بخصوص الاوضاع في اليابان والصين ودول امريكا اللاتينية, تشكل عوامل وظروفا تثير القلق حول مصير تردي مثل هذه الاوضاع على الاقتصاد العالمي بوجه عام وعلى اقتصادياتنا العربية بوجه خاص. تداعيات الازمة الآسيوية وقال انه لاشك ان تداعيات الازمة الآسيوية تبدو اليوم اكثر تعقيدا مما كان متوقعا حيث كثير من دول هذه المنطقة ما زال يعاني من آثار تلك الازمة بل ان الاوضاع المالية والاقتصادية في بعض هذه الدول تتدهور باضطراد. وذكر انه حسبما تشير اليه الاحداث في جنوب شرق آسيا فإن الاوضاع الاقتصادية الصعبة لا تقتصر كما يبدو على دول جنوب شرق آسيا المعنية بالازمة واليابان بل ان دولا اخرى في هذه المنطقة مثل هونج كونج والصين تعاني بدورها حاليا من مشاكل مالية واقتصادية حادة. فالمضاربات على دولار هونج كونج ما زالت ضارية بالرغم مما تكبدته الصين حتى الان دفاعا عن عملة هونج كونج. وحتي الصين نفسها لم تنج من هذه الاوضاع حيث يسودها ركود اقتصادي حاد من شأنه ان يفاقم من مشاكل البطالة المتفشية وقد يضطر الصين الى تخفيض عملتها لتحفيز صادراتها التي فقدت كثيرا من تنافسيتها على اثر انخفاض عملات جيرانها في جنوب شرق آسيا. الازمة الروسية واشار الى ان ما زاد من تفاقم الازمة والقلق على صعيد الاوضاع المالية العالمية ما جرى في روسيا عندما تدهور سوقها المالي وعملتها الى مستويات مخيفة بالاضافة الى عدم الاستقرار السياسي الذي تعاني منه والخوف من التراجع في التزاماتها تجاه سياسات الاصلاح الاقتصادي. وبالرغم من ضعف ارتباط اقتصاديات العالم بالاقتصاد الروسي وخاصة في مجال التبادل التجاري الا ان اهمية ما حدث في روسيا له انعكاسات ودلالات كبيرة بالنسبة للمستثمرين ومواقفهم تجاه الاسواق الناشئة بالاضافة الى انعكاس ذلك على بنوك عالمية كثيرة وخاصة في المانيا التي لديها انكشافات ليست بالقليلة على روسيا. واشار الى قيام روسيا على اثر هذه الاحداث والتي مازالت تشهد تطورات متسارعة باتخاذ تدابير قد يكون لها ردود فعل عكسية كفرض قيود على التحويلات الاجنبية ودولرة الاقتصاد الروسي الامر الذي من شأنه زيادة تخوف المستثمرين الاجانب وزعزعة ما تبقى من ثقة في العملة المحلية. ومما يقلق حقا على اثر تدهور الاوضاع الاقتصادية في روسيا هو مصير المبالغ الهائلة التي تم توفيرها من قبل المؤسسات الدولية املا في خروج روسيا من مشاكلها السابقة والتي لم توظف كما يبدو بشكل سليم ولم تأت بالنتائج المرغوبة. هذا فضلا عن الحاجة الى مزيد من هذه الاموال التي قد لا يكون مصيرها افضل من سابقتها. قد يكون هذا ما حدث كذلك مع بعض دول جنوب شرق آسيا التي بالرغم من الاموال الكبيرة التي وفرتها لها المؤسسات الدولية لم تظهر حتى الان التحسن المطلوب بل ان بعض هذه الدول تبدو اسوأ مما كانت عليه منذ بدء الازمة. الضغوط الاقتصادية وقال ان الصورة لاتبدو اكثر اشراقا في مناطق اخرى من العالم حيث تعاني بعض دول امريكا اللاتينية مجددا من حدة الضغوط والصعوبات المالية والاقتصادية التي تهدد استقرار البنية الاقتصادية والاستثمارية في هذه الدول. وقد كان للانخفاض الكبير في اسعار المواد الاولية التي تشكل تقريبا نصف صادرات هذه الدول واستمرار عجوزات حساباتها الجارية بالاضافة الى تزايد اعباء مديونياتها اثرا كبيرا على تفاقم اوضاعها الاقتصادية واشتداد الضغوط على عملاتها واسواقها المالية. في حال دول مثل البرازيل وفنزويلا تصل المديونية الخارجية الى اكثر من ثلاثة اضعاف حجم صادرات هذه الدول الامر الذي يرشحها لان تكون الخطوة المقبلة في مسلسل الازمة المالية التي تسحق عددا متزايد من الدول النامية. أسواق الدول الصناعية وذكر انه وحتى مرحلة متأخرة لم تكن مثل هذه الاحداث تؤثر بشكل كبير على اسواق المال في الدول الغربية الا ان الايام القليلة الماضية قد اثبتت ان الدول الصناعية لا تبدو بمنأى عن تأثير الازمات التي تمر بها الاسواق المالية في الدول النامية. وقد بدا واضحا على اثر الانخفاض الحاد الذي تعرضت له بورصات معظم الدول الصناعية ان اقتصاديات دول العالم اصبحت مترابطة بشكل يزيد المخاوف من سرعة وسهولة استشراء عدوى الازمات المالية من دولة الى اخرى. واشار الى انه لا عجب مثلا في ان تهتز بورصة نيويورك عندما تضطرب الاوضاع في دول امريكا اللاتينية حيث انكشافات البنوك والصناعات الامريكية تصل الى نسب لا يستهان بها. وتقدر انكشافات البنوك الامريكية على دول امريكا اللاتينية نصف انكشافاتها العالمية. كذلك تمثل اسواق هذه الدول احد المصادر الرئيسية للصادرات الامريكية حيث تستوعب المكسيك وحدها اكثر من 11% من الصادرات الامريكية للعالم. هذا ينسحب على كثير من اقتصاديات الدول الاوروبية التي تعتمد على اسواق امريكا اللاتينية بشكل هام. فانكشافات البنوك الاسبانية مثلا على مقترضين من دول امريكا اللاتينية تصل الى ثلثي انكشافاتهم العالمية. هذا ينطبق على البنوك الالمانية في علاقتها بروسيا واوروبا الشرقية حيث تعاني هذه البنوك اليوم من الهزات المالية التي تتعرض لها هذه الدول. وهكذا نرى كيف تتكامل حلقات الازمة المالية في العالم من تردي الاوضاع في جنوب شرق آسيا مرورا باليابان وروسيا ودول شرق اوروبا وامريكا اللاتينية وانتهاء بانعكاس ذلك في شكل اضطرابات في الاسواق المالية للدول المتقدمة وتفشي الذعر والهلع من استمرار تدهور هذه الاوضاع ووصولها الى ما تبقى من دول العالم وما يمكن ان يترتب على ذلك من ركود وكساد عالميين لا يسلم منه احد. انعكاسات الازمة على الدول العربية واكد ان الامر الذي يهمنا كدول عربية هو محاولة التعرف على انعكاسات مثل هذه التطورات على اقتصاديات عالمنا العربي وما هي الاجراءات الملائمة التي من شأنها حماية او على الاقل التخفيف من الاثار السلبية لهذه التطورات على دولنا العربية مشيرا الى انه من الواضح ان الازمات المالية التي تم التطرق لها قد طالت الاقتصاديات العربية منذ بدايتها بانخفاض اسعار النفط بشكل حاد منذ بداية هذا العام يتمثل الانعكاس الاول الذي ما زالت تداعياته اخذة في التراكم. حيث ان تدهور اسعار النفط بالشكل الذي عرفناه خلال الاشهر الماضية من هذا العام سيؤدي الى تقلص ملحوظ في الايرادات وبالتبعية في حال غياب الاجراءات التصحيحية تزايد في عجوزات الميزانيات وبالتالي الحاجة مجددا الى الاقتراض هذا بالاضافة الى تأثير ذلك على معدلات النمو الاقتصادي لكثير من دولنا العربية. وذكر ان من الانعكاسات الهامة الاخرى هو انخفاض ايرادات استثمار دولنا العربية في الخارج على اثر الانخفاض الحاد في البورصات العالمية وتدهور الاوضاع الاقتصادية في كثير من بلدان العالم التي تحتضن عدة مشاريع او استثمارات عربية. واكد انه لاشك كذلك بأن تكون البنوك العربية الان من ضمن المؤسسات التي تتعرض لخسائر بسبب انكشافاتها العالمية سواء في دول جنوب شرق آسيا, وفي دول امريكا اللاتينية وفي روسيا او في بورصات امريكا والدول الاوروبية. وقال ان الجانب الاخر من انعكاسات الازمة المالية العالمية يتمثل في تأثير مثل هذه الازمة على ثقة المستثمرين في الاسواق الناشئة. ومثل هذا الانعكاس لاشك ينسحب بشكل مباشر او غير مباشر على اسواق المال في الدول العربية حيث باتت ثقة المستثمرين في ضوء هذه الازمات هشة ومترددة تجاه الاستثمار او الارتباط بالاسواق الناشئة. هذه المواقف لا تقتصر في الواقع على الاستثمار في اسهم الدول النامية ولكنها تنسحب بشكل رئيسي على ادوات الدين التي قد تعاني مزيدا من التردد وعدم الاقبال نتيجة لهذه التطورات الاخيرة. ومما يؤسف له ان مثل هذه المواقف السلبية تأتي في وقت والدول العربية في حاجة الى لجوء الاسواق المالية للاقتراض. واشار الى ان زعزعة ثقة المستثمرين تجاه الاسواق الناشئة اخذ ينعكس ليس فقط في شكل التردد في اقراض هذه الاسواق ولكن ايضا في زيادة تكاليف مثل هذا الاقتراض في حالة توفره. وما ينطبق في الواقع على الاقتراض اصبح ينطبق اليوم كذلك على قدرة الدول العربية على استقطاب مزيد من الاستثمار المباشر في ضوء تدهور ثقة المستثمرين في الاسواق الناشئة. واكد ان انعكاسات هذه الازمات تظهر في شكل ضغوط اكبر على موارد المؤسسات المالية الدولية التي سوف تجد صعوبة في تلبية الاحتياجات المالية المطلوبة الامر الذي قد يكون على حساب دول اخرى كدولنا العربية. هذا بالاضافة الى احتمال تزايد تكاليف هذه التسهيلات كما تم مؤخرا بالنسبة لتسهيلات البنك الدولي فيما يتعلق بفئة معينة في البلدان تشمل كما يبدو الدول العربية. أبوظبي ـ عبد الفتاح منتصر