يجمع الخبراء الدوليون على تأكيدات ادنى ايماءة الى تخفيف السعودية للالتزام الصارم بالسياسة التي اتبعتها طويلا والمتمثلة في حجب المشاركة في عمليات استخراج النفط والغاز في اطار صناعتها النفطية عن الاجانب من شأنها ان تدفع بمسؤولي شركات النفط الغربية الى حالة من التوقع المليء بالعصبية والتوتر . وقد كان هذا على وجه الدقة ما حدث خلال زيارة الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد السعودية لواشنطن مؤخرا, حيث فتح المجال امام المسؤولين التنفيذيين في ثماني شركات نفط امريكية بارزة للتقدم بأفكارهم حول تطوير قطاع النفط في المملكة. ولم تكن هناك اشارة مباشرة للاحتياطيات النفطية, ولكن الحقيقة المتمثلة في الايماءة السعودية ذاتها كانت كافية لاثارة موجة من التكهن بأن السعودية ربما تبحث ادخال تغيير في سياستها قد يؤدي ذات يوم الى وصول الاجانب الى الاشتغال على ربع الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط الموجود في السعودية. ومثل هذه النتيجة تشكل, حسب رؤية الكثير من المراقبين والمحللين, المادة التي يتشكل منها نسيج احلام رجال النفط البارزين في العالم. ولكن السؤال هنا: هل يطاردون سرابا في الصحراء بتطلعهم الى مثل هذا التغيير في سياسة السعودية ام ان هناك مجالا بالفعل لحدوث مثل هذا التغير؟ ردود الفعل لقد أدت الايماءة السعودية ـ على الفور تقريبا ـ الى نطاق واسع من ردود الفعل والتفسيرات. وفي هذا الصدد يقول جو ستانيسلاد من معهد ابحاث الطاقة التابع لجامعة كامبردج: (ان السعوديين على جانب كبير من الابداع في التصرف بحساسية وبراعة) . وهو يعتقد ان الرياض تقوم بعملية جس نبض عالمية لسبر غور الرأي العام العالمي والسعودي الداخلي ايضا فيما يتعلق بامكانية تعميق الاشتراك من جانب الاجانب في اكثر قطاعات الاقتصاد السعودي حساسية. وعلى الرغم من اتسام الرسالة السعودية بالغموض, فان شركات النفط الاوروبية حريصة على ان تتلقى هذه الرسالة بشكل مباشر. وفي هذا الصدد قال فرانكو برنابي رئيس شركة ايني الايطالية التي تم تخصيصها بصورة جزئية: أيا كان ما يقوم به السعوديون فانه يترك أثرا كبيرا على صناعة النفط العالمية, والشركات الاوروبية تأمل في ان توجه دعوة مماثلة اليها. وتختلف آراء المراقبين والمحللين حول ما يتعلق بدوافع هذه الايماءة السعودية. ويتوقع البعض ان تكون مقدمة لتغيير كبير في موقف الرياض, ويشير الى احتياج السعودية الى رؤوس اموال هائلة لتطوير قاعدتها في مجالي الطاقة والصناعة في وقت عادت الاسعار الحقيقية للنفط الى حيث كانت في عام 1973 قبل الصدمة النفطية الاولى. ويقول دبلوماسيون في الرياض في هذا الشأن ان الرياض تستعد لعجز في الميزانية هذا العام يصل الى حوالي 13 مليار دولار, اي ما يعادل 10% من اجمالي الناتج المحلي. شركاء اجانب وفي غضون ذلك فان دين الحكومة السعودية الداخلي الناجم عن الاقتراض من البنوك التجارية ومن صناديق المعاشات قد زاد ليصل الى 100% من اجمالي الناتج المحلي. ويقول الاقتصادي السعودي احسان بوحليقة في هذا الشأن: لكي نتوسع حتى على الصعيد المحلي فاننا بحاجة الى شركاء اجانب. وهذا اقتراح في اطار نشاط الاعمال يشكل جزءا من الخطة الاستراتيجية السعودية بعيدة المدى لتطوير قطاع الانتاج النفطي. ولكن هل تحتاج السعودية بالفعل للاستثمار الاجنبي للحفاظ على وضعها باعتبارها اكبر منتج ومصدر للنفط في العالم؟ في نهاية المطاف تعد شركة ارامكو السعودية, خلافا للكثير من الشركات النفطية الاخرى المملوكة للدول في مقدمة الشركات الاكثر كفاءة من الناحية التقنية على مستوى العالم. وهي تعرف بالفعل مواقع معظم احتياطيات النفط والغاز السعودية ويمكنها ان تقوم بانتاجها بتكاليف مناظرة لتكلفة انتاج شركات النفط الخارجية او تقل عنها. التقنية الجديدة اما فيما يتعلق بالوصول الى التقنية الجديدة, فانها تطور بصورة متزايدة لا على يد شركات النفط الكبرى التقليدية التي قام معظمها بخفض اتفاقه على انشطة الابحاث والتطوير وانما على يد شركات الخدمات النفطية التي ترتبط شركة ارامكو السعودية بصلات وثيقة وممتدة معها. وعلى الرغم من ان الحكومة السعودية قد استخدمت جدارة ارامكو بالاقراض لاقتراض 4.6 مليارات دولار من الاسواق الدولية لمساعدة وزارة المالية في امتصاص تأثير العجز في الميزانية, فان الشركة لن تواجه صعوبة في اقتراض ارصدة اضافية لتنفيذ المشروعات الجديدة, وخاصة اذا كانت مشروعات موجهة باتجاه قطاع التصدير. وتحذر بعض الشركات التي حضرت اجتماع واشنطن الاخير من الاغراق في التفاؤل وقد قال احد المسؤولين التنفيذيين النفطيين في هذا الصدد: (اننا لا نعتقد ان الامر يعني اشارة الى تعديل كبير في سياسة السعودية) . وقد قال مسؤولون سعوديون مؤخرا انهم يسعون الى (اقتراحات خلاقة) من جانب شركات النفط الاجنبية, وهم يقولون انهم سينظرون بعين التعاطف مع الاستثمار في مجال الطاقة الذي من شأنه ان يؤدي الى جلب قدرات وطاقات الى المملكة لا تتمتع بها شركة ارامكو السعودية بالفعل. طريق الرفض وعلى الرغم من ان بعض الشركات يتوقع ان تدمج عنصرا يتعلق بقطاع الانتاج النفطي ضمن جملة افكارها ومقترحاتها, الا انها تبدو وكأنها تشق طريقها الى الرفض. وتعتقد شركات اخرى انه قد يكون هناك مجال للمشاركة في المشروعات الاندماجية التي توجه نحو تطوير البنية التحتية لقطاع الغاز الطبيعي بالمملكة. ويقول المحللون ان هذه المشروعات يمكن ان تشمل بعض المساهمة في قطاع الانتاج. ويبرز الغاز بشكل بارز في عملية التصنيع السعودية كوقود لتوليد الطاقة يتزايد الطلب عليه بقوة وكمادة ضرورية لتوسيع نطاق صناعة البتروكيماويات السعودية.