مع اقتراب القمة التاسعة عشرة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي ستعقد في أبوظبي في ديسمبر المقبل تكثف دول المجلس اجتماعاتها, وتبلور اللجان المختلفة توصياتها لتضعها أمام قادة المجلس لاقرار ما نضج منها وتأجيل ما يحتاج لمزيد من المناقشات حتى يتم التوصل إلى توافق عام بشأنه . وبغض النظر عن وجبة التحليلات الموسمية التي ترافق كل قمة خليجية والتي تشهد اما المبالغة في حجم التوقعات, واما المبالغة في التقليل من قيمة ما تم انجازه, فإنه من المدهش ان ما توصلت إليه اجتماعات دول المجلس في الآونة الأخيرة لم يحظ على أهميته باهتمام ولو محدود! وإذا وضعنا في الاعتبار نهج التكامل التدريجي بين دول المجلس والذي يرتكز على ما يمكن تسميته بقاعدة التعاون الاختياري الذي يضع ظروف كل الدول الأعضاء في الاعتبار وتهيئة المجال لها جميعا للسير على طريق التكامل والتنسيق والتعاون الاقتصادي مع بعضها البعض في النهاية للسير نحو الأهداف المحددة, فإن ما تم الاتفاق عليه بين دول المجلس مؤخرا يشكل في حالة اقراره وتنفيذه نقلة مهمة على طريق التكامل الخليجي استعجلها الكثيرون من ناحية وتشكل ضرورة حيوية في ظل مجموعة الظروف الاقتصادية الاقليمية والدولية الراهنة والمقبلة كذلك. الخطوة الأولى التي تم اقرارها خلال اجتماع لجنة التخطيط والتنمية بدول المجلس هي وثيقة استراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول المجلس وهي الاستراتيجية التي تحدد الخطوط العريضة والأهداف المحورية وقضايا التكامل التي تم تحديدها لتغطي الفترة من عام 2000 حتى عام 2025. وأهمية هذه الوثيقة لا تقتصر فقط على ما تضمنته من آليات وبرامج مرحلية ولكنها تتجاوز ذلك لتشكل في الحقيقة نوعا من التخطيط المستقبلي للتكامل بين دول المجلس وعلى نحو يخضع برامج وخطوات التنمية بها لرؤية واحدة تتحدد فيها توحيد الفترات الزمنية لخطط التنمية والتنسيق وتبادل المعلومات بما يحقق تكامل المشروعات ذات الطابع الاستراتيجي والعمل على التخلص من مشكلة المشروعات المتناظرة والمتشابهة من ناحية وتجميع جهود الدول الأعضاء في اتجاهات ومسارات أكثر فاعلية وايجابية لصالحها جميعا. ومن ثم تدخل دول مجلس التعاون القرن المقبل برؤية موحدة على الأقل في خطوطها العريضة. أما الخطوة الثانية التي اتخذت كذلك في الاتجاه الصحيح فإنها تتمثل فيما تمخضت عنه اجتماعات لجنة الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون والتي بحثت ما يتصل بتوحيد التعرفة الجمركية لدول المجلس حيال العالم الخارجي وهي خطوة حيوية على طريق اقامة اتحاد جمركي يضم دول المجلس ويمثل خطوة ضرورية على طريق هدف السوق الخليجية المشتركة من ناحية مع دعم المجتمع الاقتصادي الخليجي ــ لدول المجلس ــ وجعله أكثر تماسكا وأكثر قدرة كذلك على التعامل مع التجمع الاقتصادية الدولية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي, والاسيان, إلى جانب الولايات المتحدة ومن ورائها النافتا وغير ذلك من التجمعات الاقتصادية الدولية. وتجدر الاشارة إلى ان دول مجلس التعاون اتفقت على ما يتصل بتوحيد اجراءات الجمارك وفقا للنظم التي تأخذ بها منظمة التجارة العالمية وهو أمر ضروري كذلك للدخول إلى عضوية هذه المنظمة. وفي الوقت الذي أقر فيه وزراء الصناعة بدول المجلس خلال اجتماعات لجنة التعاون الصناعي لدول المجلس الاستراتيجية الصناعية والتي ستقوم الأمانة العامة لمجلس التعاون باعداد التصور النهائي لها تمهيدا لعرضها على قادة المجلس في قمة أبوظبي ومن أبرز ما تتضمنه ازالة كافة معوقات التبادل التجاري للمنتجات الصناعية الخليجية والتوصل إلى رؤية واضحة للصناعات الخليجية, فإن اكتمال اتفاقية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس يمثل بدوره خطوة ايجابية أخرى على طريق التكامل الخليجي. وإذا كان من المؤكد ان هذه الخطوات ليست هي كل الخطوات التي جرى ويجري اعدادها استعدادا للقمة التاسعة عشرة, فإنه يمكن القول, ودون مبالغة, ان دول مجلس التعاون تسير على الطريق الصحيح ولكنها في النهاية تسير على طريقتها هي ووفق خياراتها هي كذلك دون قفز أو استعجال أو التغاضي عن تفاصيل قد تبدو صغيرة ولكنها حيوية في نهاية المطاف خاصة وانه ثبت دوما وفي منطقتنا العربية على وجه الخصوص ان التكامل بين الدول العربية يحتاج بالضرورة لان يأخذ وقته الكافي حتى ينتج ويستقر وتتكون لديه القدرة على مواجهة عواصف وعاتيات السياسة العربية. د. عبدالحميد موافي