يتواصل الانتعاش في أسعار النفط الخام حيث استعادت أسعار خام برنت, التي كانت قد انخفضت إلى 55.11 دولارا امريكياً للبرميل في البورصة الدولية للنفط في 11 أغسطس, استعادت عافيتها لتصل مرة أخرى إلى 35.14 دولارا للبرميل بحلول الاسبوع الأخير من سبتمبر وذلك بالنسبة لتعاقدات شهر نوفمبر . ويعني ذلك زيادة قدرها 8.2 دولار في فترة لم تتجاوز شهرا ونصف الشهر. وفي بورصة نيويورك للسلع (نيمكس), ارتفع سعر الخام الخفيف الحلو بمقدار 9.2 دولار للبرميل الواحد ليصل إلى 64.15 دولارا للبرميل خلال الفترة نفسها. وعلى الرغم من أن أسعار النفط لاتزال منخفضة للغاية من منظور المنتجين, إلا أن الزيادة التي تحققت تعتبر ذات مغزى كبير. وهناك أربعة أسباب رئيسة وراء الانتعاش الذي حدث في أسعار النفط الخام يمكن تحديدها كما يلي: - أولا, عامل المناخ: فقد تميز شهر سبتمبر في معظم فتراته بظروف مناخية أدت إلى ارتفاع الأسعار. فقد كانت هناك عواصف شديدة في منطقة الكاريبي, حيث أصاب هذه المنطقة إعصار جورج, وكذلك في منطقة خليج المكسيك, التي عانت من سلسلة من العواصف الاستوائية. ومثل هذه الظروف المناخية لها تأثير مباشر على الكميات المعروضة من النفط الخام وأيضا على المنتجات البترولية المكررة, حيث تؤدي هذه الظروف إلى إغلاق بعض مرافق الإنتاج ومصافي التكرير, وهو الشيء الذي يقلل بدوره من المعروض من المنتجات البترولية ويزيد من الأسعار. وعلى سبيل المثال, اضطرت شركة النفط الأمريكية (أميرادا هيس) إلى إغلاق مصفاة البترول Croix ST التي تمتلكها في جزر فيرجين, وهذه المصفاة تلعب دورا رئيسا في إمداد الولايات المتحدة الأمريكية باحتياجاتها البترولية نظرا لطاقتها الإنتاجية الكبيرة التي تصل إلى 545 ألف برميل يوميا. وعلاوة على ذلك, فإن العديد من شركات البترول اضطرت إلى إخلاء موظفيها الذين يعملون في الأرصفة البحرية والموانىء حرصا على سلامتهم. وفي 18 سبتمبر, أعلنت شركة (شيفرون) أنها خفضت إنتاجها النفطي في خليج المكسيك بنسبة 50% وأن إنتاجها من الغاز الطبيعي في المنطقة ذاتها تم تقليصه بمقدار الثلث. وقد أجمع عدد كبير من المحللين والمراقبين في هذا المجال على أن ارتفاع أسعار البترول في شهر سبتمبر يرجع إلى الطقس. - ثانيا, المخزون النفطي: إذا واصلنا النظر بتمعن في الوضع في القارة الأمريكية, سنجد أن الأسواق هناك شهدت نقصا شديدا في مخزون النفط الخام في الولايات المتحدة, وهو النقص الذي حدث بسبب المناخ في المقام الأول. فقد انخفضت الكميات المخزونة بمقدار 3.9 ملايين برميل لتصل إلى 4.316 مليون برميل فقط في 18 سبتمبر, في نهاية أسبوع حدث فيه تقليص لكميات النفط الخام التي تستوردها الولايات المتحدة إلى 5.7 ملايين برميل لليوم الواحد. وفي خليج المكسيك بصفة خاصة, انخفضت الواردات النفطية إلى 2.4 ملايين برميل يوميا خلال الفترة من 11 إلى 18 سبتمبر, وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض قدره 2.6 ملايين برميل يوميا من مخزون النفط الخام ليصل إلى 4.160 مليون برميل. - ثالثا, مجهودات الأوبك: وفي محاولة منها لتدارك الوضع بعد الانهيار الذي حدث للأسعار, أخذت بعض الدول الأعضاء في منظمة الأوبك, خاصة الكويت, في تكثيف مجهوداتها من أجل رفع الأسعار. وقد عاد وزير النفط الكويتي ليؤكد أنه يفضل ارتفاع أسعار النفط إلى 17 دولارا للبرميل, وأنه سيقف بجانب أي إجراءات تؤدي إلى خفض الإنتاج مرة أخرى إذا لم يصل سعر البرميل إلى الرقم المذكور قبل نهاية شهر نوفمبر. وصرح نظيره القطري أنه يعتقد أنه من مصلحة المنتج والمستهلك معا أن يتم رفع سعر خام البرنت ليصل إلى ما بين 18 و20 دولارا للبرميل. من جانبها أوضحت الجزائر أنها تستهدف وصول سعر البرميل إلى ما بين 17 و19 دولارا للبرميل. وفي الوقت الذي نرى الجزائر وقطر غير مصرين مثل الكويت على دعم جولة ثالثة من خفض الإنتاج, نجد أن هناك دولة غير عضو في منظمة الأوبك وهي عمان, توضح أنها مستعدة لدخول مباحثات في هذا الشأن. - رابعا,انضباط أكبر لدى أعضاء الأوبك: بخطى بطيئة ولكنها ثابتة وتمتاز بالثقة, تتحرك كل الدول الأعضاء في منظمة الأوبك, باستثناء العراق, نحو تحقيق هدف واحد وهو إنقاص الإنتاج النفطي في العالم بنسبة 5.2 مليون برميل يوميا, وهو الهدف الذي تقرر أثناء المؤتمر الذي عقد في شهر يونيو, وكان من المقرر أن يتم تنفيذه بداية من أول شهر يوليو ولمدة 12 شهرا. وقد قدرت معظم المصادر المستقلة أن معدل الالتزام داخل المنظمة تراوح بين 80 ـ 85%. وإذا أخذنا إنتاج العراق في الحسبان, فإنه يتبين أن الإنتاج الكلي للدول الأعضاء في المنظمة قدر بنحو 3.27 مليون برميل في أغسطس, وقد قامت بغداد بزيادة إنتاجها بمقدار 110 آلاف ليصل إلى 200 ألف برميل يوميا. وطبقا لإحصاءات المنظمة الدولية للطاقة, فإن الإحدى عشرة دولة الأعضاء في المنظمة قد قامت بخفض إنتاجها بنسبة 43.1 مليون برميل يوميا في الفترة ما بين شهري فبراير وأغسطس. وباعتبار أن العراق رفع إنتاجه بمعدل 710 آلاف برميل أثناء هذه الفترة, فإنه يتضح أن الدول العشر الأخرى الأعضاء في المنظمة قامت بخفض تراكمي للإنتاج بمقدار 14.2 مليون برميل لليوم الواحد. لكن في الوقت نفسه تعترض مجهودات منظمة الأوبك في هذا الشأن عدد من المعوقات, ويبرز بين هذه المعوقات أن دولتي المكسيك وفنزويلا معترضتان على أي خفض آخر في إنتاجهما النفطي. وقد بدا وزير النفط والتعدين الفنزويلي إيروين أريتا, راغبا بقوة في الاستفادة من الانتعاش الذي حدث في الأسعار, وقال في هذا الصدد إنه من الأفضل أن (ننتظر ونرى) ما سيحدث. أما وزير البترول المكسيكي لويس تيليز, فقد أوضح أن دولته قامت بتخفيض إنتاجها بمقدار 200 ألف برميل طبقا للاتفاقات التي تم التوصل إليها في هذا الشأن في الرياض في شهر مارس ثم في أمستردام في شهر يونيو. مضيفا في هذا الشأن: أنني لا أعتقد أنه في وسعنا القيام بأي شيء آخر. وفي رد غير مباشر لما قاله الوزير المكسيكي, صرح وزير البترول العماني قائلا: لن تكون هناك إمكانية لتحسين الأسعار من دون خفض الإنتاج, فدول الخليج يجب أن تأخذ خطوات من شأنها حماية مصالحها بلا أي تأخير, فلندع نيجيريا وفنزويلا والنرويج تفعل ما تشاء, إن الأمر يرجع إلى دول مجلس التعاون الخليجي لتأخذ القرار المناسب في هذا الشأن. والعقبة الأخرى التي تلوح في الأفق هي الطلب على المنتجات النفطية, فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية حجم الطلب من المنتجات النفطية في العالم العام 1998 بنحو 5.74 مليون برميل في اليوم, وهو ما يعتبر أقل بمقدار 200 ألف برميل يوميا عن حجم الطلب في أغسطس الماضي, وقد كان المطلوب من المنتجات النفطية في العالم كله لا يتعدى نحو 8.73 مليون برميل يوميا العام 1997 ونحو 8.71 مليونا العام 1996. وفي الوقت الذي زاد الطلب بنسبة 7.1 مليون برميل يوميا العام 1996 وبنسبة مليوني برميل يوميا العام ,1997 فإن الزيادة المتوقعة هذا العام لا تتعدى 700 ألف برميل. والطلب في منطقة مجموعة الباسيفيك الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية, والتي تتضمن اليابان, يتوقع له أن ينخفض بنسبة 400 ألف برميل ليصل إلى 6.8 ملايين برميل يوميا, بينما يتوقع ألا يكون هناك تغيير في حجم الطلب في مجموعة دول الاتحاد السوفييتي السابق, حيث سيظل حجم الطلب 4.4 ملايين برميل في اليوم. والشيء نفسه متوقع له الحدوث في بقية دول آسيا (من دون حساب الصين واليابان) حيث يتوقع أن يكون متوسط حجم الطلب 8.6 ملايين برميل في اليوم هذا العام, كما كانت الحال في العام ,1997 بعد أن ارتفع الطلب بنسبة 400 ألف برميل يوميا العامين 1996 و1997. - رئيس مركز الدراسات البترولية العربية ــ باريس