أثارت لجنة تنمية الموارد البشرية في القطاع المصرفي جدلا واسعا حينما قامت في منتصف السنة الماضية مايو 1997 برفع توصية إلى مجلس الوزراء, يتم بموجبها الزام جميع المصارف العاملة بالدولة بتوطين 4%من عدد العاملين لدى كل مصرف سنويا , لتبلغ نسبة التوطين خلال عشر سنوات إلى 40% كحد أدنى, وقد بادر مجلس الوزراء بتبني التوصية وحولها إلى قرار واضح المعالم. وقوبلت هذه الخطوة الايجابية, من قبل رؤساء مجالس الإدارات وإدارات البنوك بالعديد من ردود الأفعال وقتها, ورحب عدد كبير من البنوك الوطنية والأجنبية بالفكرة الرائدة, وسارعت نحو تطبيقها, في حين لم يتردد البعض في التحايل على تنفيذ القرار نفسه عبر العديد من القنوات والوسائل والأساليب. ولكن هذا الوضع نفسه يفتح المجال على العديد من الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة: فإلى أين وصلت مسيرة التوطين في قطاع المصارف الذي وصف عن جدارة بأنه القاطرة القوية التي تقود الاقتصاد الوطني؟ وما هي الاجراءات العملية التي اتخذتها المصارف لوضع النسبة المنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء موضع التنفيذ؟ وإلى أي شرائح العاملين في المصارف تنتمي الفئات التي تم توطين قطاعات عملها بالفعل؟ وفي مواجهة تراخي بعض البنوك في التنفيذ ما هو الاتجاه الذي ستمضي فيه لجنة الموارد البشرية؟ والأمر لا يقتصر عند هذا وإنما يتطرق إلى مجالات أخرى للنقاش فإلى أي حد وصل التعاون بين اللجنة والمؤسسات المعنية بالقطاع كجمعية مصارف الامارات وكلية التقنية والمعاهد وغيرها؟ وما هو دور وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة المالية والصناعة. وتمضي مسيرة الأسئلة لتخاطب الجيل الجديد من المصرفيين فما مدى استفادتهم ببرامج التدريب المتاحة لهم وكيف يواجهون صعوبات العمل في قطاع حافل بالتحديات كقطاع المصارف؟ وفي المقام الأول ماذا يقول المسؤولون عن طبيعة المسيرة في اتجاه توطين القطاع المصرفي؟ في البداية أشاد حميد القطامي مدير عام معهد الامارات للدراسات المصرفية والمالية باستجابة البنوك العاملة بالدولة, المحلية الوطنية والأجنبية على حد سواء, وأعطى أمثلة يحتذى بها, للاستراتيجية التي انتهجتها بعض المصارف بالدولة, في رفع نسبة توطين الوظائف الإدارية والفنية بما يتماشى مع توصية لجنة تنمية الموارد البشرية, والعمل على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة على المدى البعيد حيث تخطت نسبة التوطين في العديد من المصارف 20%, وهذا مؤشر جيد لبداية يتوقع لها (القطامي) النجاح, والارتفاع في المستقبل, إذا ما تابعت البنوك السير على نهج سياسة التوطين بالتعاون مع معهد الدراسات للدراسات المصرفية الذي لا يألو جهدا من جانبه في اعداد برامج متكاملة من الندوات والدورات التدريبية للمواطنين, التي تغطي كافة التخصصات المصرفية, الحاسب الآلي واللغة الانجليزية المصرفية. تعاون وأشار حميد القطامي إلى التعاون المتواصل والمثمر الذي يربط أعضاء اللجنة وجمعية مصارف الامارات ومرورا بكليات التقنية والمعاهد والبنوك العاملة في الدولة ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة المالية والصناعة. وصرح القطامي ان عدد المصارف في دولة الامارات في ارتفاع مطرد, والأمر نفسه ينطبق على فروعها المنتشرة في مختلف امارات الدولة نظرا لانتعاش الدور الذي يلعبه القطاع الخاص بصفة عامة, والقطاع المصرفي والمالي بشكل خاص في دفع مسيرة التقدم إلى الأمام. وقد وصلت أعداد المصارف حاليا إلى (46) مصرفا بينها (19) مصرفا وطنيا و(27) مصرفا أجنبيا, ويزيد عدد فروعها على (300) فرع ولم يكن عدد المواطنين العاملين بها يتجاوز نسبة 10% من المجموع العام لعدد الموظفين, طبقا لآخر احصائيات العام الماضي 1997. 12% وبفضل سياسة مجلس الوزراء الرشيدة التي تؤكد في كل يوم على ضرورة توفير كافة الميكانيزمات التي تعمل على تشجيع الكادر الشبابي الوطني للانخراط في الميادين المصرفية, فقد تجاوزت نسبة التوطين في القطاع المصرفي 12% من مجموع العاملين الذي بلغ 13 ألفا و257 موظفا حسب آخر احصائيات أجريت في شهر ديسمبر. بنك المعلومات قال القطامي: إن بنك المعلومات يضطلع بالكثير من المهام الملقاة على عاتقه, والتي تشكل أهمية كبيرة, تتمثل في توفير جميع ما يلزم من بيانات, واعداد الخريجين والخريجات المواطنين, وتخصصاتهم المختلفة وفرص العمل المتاحة لهم, ومن هنا يمكننا القول ان بنك المعلومات ييسر من أداء الرسالة المناطة بنا كمسؤولين وعاملين مصرفيين وخصوصا في مجال تأهيل واعداد المواطنين لخوض غمار المجال المالي والمصرفي. ارتفاع النسبة وأكد القطامي ان بنك المعلومات يحمل معه في آخر دراساته واحصائياته العديد من بوادر الخير المبشرة, على التقدم والنجاح في تطبيق الخطة المستقبلية وتوصية اللجنة, ففي دراسة لآخر ستة أشهر تم خلالها رصد حركة التوطين في جميع المصارف العاملة بالدولة, توصل إلى احصائيات طيبة, حيث ارتفعت نسبة التوطين بصفة عامة, وتجاوزت النسبة في كل من بنك الامارات الدولي (بريتيش بنك أوف ميدل ايست) التي بلغت تحديدا طبقا لأحدث التطورات على صعيد تنمية الموارد البشرية فيه إلى 20.99%. وبالرغم من توصيات اللجنة ومجلس الوزراء بالدولة, على النية الصادقة لرؤساء مجالس الإدارات وإدارات البنوك في قضية رفع مستوى التوطين فيها, إلا انه لا يزال هناك من يماطل ويتجاهل تلك القرارات, حيث لم تكد تزد نسبة المواطنين العاملين في بعضها على 1%. قرارات عقابية وأعلن المصرف المركزي من جانبه عن ضرورة فرض قرارات عقابية على البنوك المخالفة لتوصية اللجنة ورفع نسبة التوطين إلى 10% كحد أدنى. وتشتمل العقوبات على منع تعيين أجانب في البنك وحظر منح تأشيرات للعاملين الأجانب الراغبين في العمل في البنوك الوطنية وعدم اعتماد موازنة البنك على الملتزم في نهاية السنة المالية وفرض غرامات مالية كبيرة على تلك البنوك. ونوه حميد القطامي انه لم يتم حتى اليوم فعليا فرض عقوبات على أي مصرف من المصارف العاملة بالدولة من أي نوع كانت, ولكن سيبدأ العمل بها على أرض الواقع مع بداية مطلع عام 1999. وذلك حتى يتسنى لكافة البنوك والمصارف اعادة ترتيب شؤونها, ومساهمتها الفاعلة والحقيقية في تطبيق القرار, بما يتناسب وحاجتها من جهة ومتطلبات السوق المالي المحلي والعالمي من جهة أخرى. غير ان تجاوب غالبية البنوك بعث ارتياحا لدى القائمين على مشروع تنمية الموارد البشرية وجميع المسؤولين في المجال المصرفي. التأمين وعن التوطين في قطاع التأمين, يقول القطامي ان لجنة التخطيط والمتابعة للتأهيل والتوطين في القطاع المصرفي تعمل ضمن الخطة التي تهدف رفع نسبة المواطنين المنخرطين في التأمين حيث ارتفع عدد المشاركين في برامج المعهد التدريبية بصورة ملحوظة وملموسة, من خلال زيادة أعداد العاملين الراغبين بالعمل في قطاع التأمين من مواطني دولة الامارات, وتنوعت وتعددت تلك البرامج لتفي بالاحتياجات العملية. وفي سعي المعهد للارتقاء بمستوى أداء العاملين واعداد وتأهيل المواطنين للعمل في القطاع المصرفي قام المعهد باستقبال طلابه وطالباته في الفترة المسائية, إلى جانب الفترة الصباحية. ويساهم 1289 متدربا ومتدربة, من بينهم 542 مواطنا ومواطنة في حضور البرامج التدريبية البالغ عددها 80 برنامجا تدريبيا. خطوات حثيثة من جهته قال مصطفى المطوع ــ مدير شؤون تدريب المواطنين في بنك المشرق, إن البنك اتخذ خطوات حثيثة في سبيل العمل بتوصية اللجنة, وصقل القدرات والمهارات التي يتمتع بها كثير من المواطنين, واعدادهم على مواجهة التحديات والعمل في القطاع المصرفي, الذي شهد في الفترة الأخيرة ازدهارا منقطع النظير, متماشيا مع التطور الذي شمل القطاع الخاص بصورة عامة. فبات من الضروري توعية الشباب بأهمية ولوج المجال المصرفي, الذي يتمتع بالحيوية والازدهار. وأكد المطوع ان قرار رئيس بنك المشرق عبدالعزيز الغرير, كان صائبا بخصوص تأسيس وانشاء قسم يعنى عناية بالغة بالمواطنين من موظفي وعاملي البنك, ويساهم في تدريبهم, ومتابعة احتياجاتهم, ورصد جوانب التميز والمهارة في آدائهم بصفة مستمرة. وعلى الرغم من مرور فترة زمنية قصيرة على انشاء قسم شؤون تدريب المواطنين وهي سنة تقريبا, الا ان المطوع يؤكد على الانجازات الملموسة, والاعداد المتزايدة في تعيين المواطنين, تدل على أهمية الدور الذي يضطلع به هذا القسم. وعن البرامج العديدة التي ينظمها مركز تدريب الموظفين العاملين بالبنك, يقول المطوع: ان المركز مجهز بكامل المواصفات التقنية والتكنولوجيا الحديثة, وبإدارة خبراء مصرفيين ومدربين متخصصين في المجال المصرفي, لضمان الجودة في التدريب على البرامج المختلفة, الهادفة إلى تخريج دفعات جديدة من المصرفيين المتمكنين, والقادرين على مواجهة التحديات المتزايدة, ومواكبة المستجدات المتتابعة في الساحة المصرفية في المنطقة. وأضاف ان العمليات المصرفة تتطلب اتقان اللغة الانجليزية, واكتساب مهارات مهنية. مفهوم العمل وأشار مصطفى المطوع الى ان مفهوم العمل في القطاع الخاص بصورة عامة والقطاع المصرفي بصورة أخص, لم يتبلور بعد, لذلك بات لزاما على كافة المصارف والبنوك التي تسعى لان ترفع نسبة التوطين فيها, أن تركز أولا على نشر الوعي المصرفي لدى القاعدة الشبابية العريضة. بمعنى أن تعمل على تشجيع الكوادر الوطنية على التوجه للميادين المصرفية بطريقة غير مباشرة. وقد قام بنك المشرق بتوجيهات مديره عبدالعزيز الغرير بتنظيم دورة تدريبية صيفية, تستهدف طلبة المدارس من فئة 14 سنة وأكثر لتوعيتهم بكافة مجالات العمل في القطاع الخاص بالدولة. وبالفعل, حرص هذا البرنامج على أن يستفيد المتدربين فيه من كل دقيقة, فتعرفوا على طبيعة سير العمل في كل من البنك نفسه, ومطار دبي الدولي, وتلفزيون دبي كذلك, وغيرها من ميادين العمل مما يساعد على إحداث توعية في عقول أولئك الشباب منذ المراحل الدراسية. المصرفيون الشباب في اطار الحديث عن التوطين بالقطاع المصرفي تحدث الخبراء والمصرفيون والمختصون لكن ماذا يقول المواطنون الشباب الذين بدأوا عملهم بالقطاع المصرفي؟ قالت فاطمة النعيمي موظفة ببنك المشرق, انه بعد تخرجها من كلية التقنية العليا, وحصولها على دبلوم في إدارة الأعمال, شرعت في تقديم أوراقها وطلب تعيينها بالمكتب الرئيسي للبنك وبعد أقل من اسبوع تم الاتصال بها من أجل اجراء المقابلة الشخصية, ومن ثم حصلت على الوظيفة. وأكدت فاطمة انها كانت تطمح للعمل في أي من ميادين القطاع الخاص, لما يتمتع به هذا القطاع بالحركة والتجديد والديناميكية في العمل. وتبدي أسفها للمفهوم الشائع في البلاد بخصوص (عزوف الشباب) عن العمل في القطاعات الخاصة, لان من ينظر اليوم إلى قطاع المصارف سيلاحظ الفرق الشاسع والتطور المبهر الذي شهده ميدان المصارف, من اقبال صادق من جانب الكوادر الوطنية, التي تخرجت من التخصصات المالية والإدارية بجامعة الامارات وكليات التقنية العليا, ومختلف المعاهد بالدولة. وأكدت فاطمة ان كل ما تحتاجه الكوادر الوطنية هو التشجيع المتواصل, واتاحة فرصة التعيين والتوظيف أمامها حتى تثبت قدرتها بنفسها بدلا من اتهامها بالعزوف والتهرب من العمل المالي والمصرفي. وعن مدى تأثير ساعات العمل الطويلة, أو نظام فترتي العمل يوميا, تقول فاطمة انها مجرد مسألة (تعود) , متى اعتادها المرء, وتقبل واقع انه يعمل من أجل وطنه ورفعته, سيصبح الأمر جزءا لا يتجزأ من حياته, بل سيشعر بالضيق والملل إذا اضطر إلى التخلف عن إحدى فترتي دوامه. وإلى جانب انني في مجال العمل أحس بجو أسري يربط ما بيني وبين باقي زملائي وزميلاتي في العمل نظرا لطول فترة احتكاكي بهم, فلا أكترث كثيرا لأمر الوقت, لان إدارته أفضل بأي حال من الأحوال من اضاعته واهداره في ما لا يجدي. العمل الحكومي ويقول جمال عبدالله موظف ببنك المشرق: توجهت للعمل في البنك, بعدما تركت وظيفتي في القطاع الحكومي, فأدركت أن لدي الكثير الأعطيه, مع احترامي للوظائف الحكومية حيث ان عملك في القطاع الخاص, يعد بمثابة المحك الحقيقي لاستعدادك ومدى رغبتك في المشاركة في دفع مسيرة التطور في بلادك. فبعد أن التحقت بدورات خاصة لاتقان اللغة الانجليزية ومن بعدها دورات في صقل المهارات الإدارية والمصرفية التي تلقيتها عن طريق مركز التدريب ببنك المشرق أحسست بتعاظم المسؤولية الملقاة على كاهلي, مما زاد ثقتي بنفسي, ودفعني للتعلم وحب المعرفة, اضافة إلى المتابعة الدائمة لأحوال السوق المحلية والعالمية المتقلبة وذلك عبر الشرائح المتباينة من الناس الذين يشكلون مصادر للانفتاح على العالم الخارجي. ودعا جمال جميع الشباب المواطنين, ممن يجدون في أنفهسم الرغبة الصادقة لخدمة وطنهم في القطاع المصرفي, ألا يترددوا في العمل به فبالعلم والإرادة يمكن تذليل الصعاب. أما صديقة عباس مصرفية ــ فتنظر إلى العمل في القطاع المصرفي على انه مدخل جيد لخوض مجال الأعمال في القطاع الخاص وبداية مشاريع استثمارية صغيرة. وأشارت انه من خلال العمل في المصارف يتولد لدى الشخص صاحب الأعمال والمشاريع الخاصة, فالسبل مذللة أمام شباب الامارات للنجاح في هذا الميدان. تحقيق : لولوة ثاني