اتسعت دائرة عدم الاستقرار في الأسواق المالية الدولية الى درجة أصبح فيها من الصعب التنبؤ بما سيحدث بعد, ولم يعد هناك ملاذ آمن بعد ان باع المستثمرون الدوليون السندات بكثافة شديدة وهبط الدولار بشكل كبير امام الين الياباني . وأظهرت اتجاهات الاسواق في الأيام الماضية ان المستثمرين يبتعدون عن أي مجال مالي يحمل اي مخاطر ويلجأون الى أكثر الاشياء امانا وهو النقد السائل. وهبطت اسعار السندات العالمية بشدة بعد ان قلصت صناديق التحوط المالية الضخمة مراكزها في سوق السندات التي كانت قد ارتفعت بشكل مستمر عندما لجأ اليها المستثمرون بعد هبوط الاسهم اثر ازمة الأسواق الناشئة في العالم. وترافق تدهور السندات الدولية مع الهبوط الدرامي للدولار تجاه الين الياباني من 130 ينا لكل دولار في بداية الاسبوع الى 116 ينا في نهايته, وضاعف هذا قلق المستقرين من أزمة سيولة, وسلامة النظام المصرفي العالمي, وحاول المستثمرون تسييل اصولهم طويلة الأجل بدون نجاح كبير, بسبب الافتقاد الى السيولة في السوق, وقفزت الفائدة على سند الخزانة الأمريكي طويل الأجل مدة 30 عاما من 4.70% في بداية الاسبوع الى 5.129% في نهايته, والمعروف ان فائدة السندات ترتفع عندما تنخفض اسعارها, وقال محللون ان هناك اتجاها في السوق للتخلص من السندات طويلة الاجل الى أسهم قصيرة الأجل تقدم عائدا مماثلا للنقد, وشهدت السندات الأوروبية, تراجعا هي الأخرى فقد خسر سند الخزانة الحكومي البريطاني 2.69 نقطة يوم الجمعة, كما تعرضت السندات الايطالية التي تعد اكبر سوق سندات أوروبية الى ضربة مزدوجة بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية والاقتراع بعدم الثقة في حكومة رومانو برودي. وقد حدث التحول في سوق السندات خلال 48 ساعة فقط, فقبل ايام كان الاستثمار في السندات الحكومية المتأثرة يعد حماية ضد الاتجاه الهبوطي في الاقتصاد العالمي والاضطراب في اسواق الاسهم, ولكن ابتداء من يوم الاربعاء الماضي بدأ المستثمرون بيع السندات في ظل مخاوف من أزمة مالية عالمية, وعلامات على ان البنوك تقلص خطوط الاقراض المفتوحة, ومن شأن تقليص خطوط الائتمان المصرفي ان تجد الشركات صعوبة متزايدة في تمويل مشروعاتها بينما هناك الكثيرون من الذين استثمروا في السندات مولوا ذلك بالاقتراض, وهم يحتاجون الى تمويل المصارف من اجل ابقاء مراكزهم في السوق حية, ومنع الاقراض عنهم يعني حرمانهم من الاوكسجين. ويقول محللون يرصدون التطورات المتسارعة في الاسواق المالية خلال الاشهر الاخيرة ان الطرق التقليدية في تقييم حركة السوق لم تعد تصلح, والكثير مما يحدث غير مفهوم وهو نتيجة للفزع والقلق, فخلال فترة قصيرة حدثت تحولات كبيرة من النقيض الى النقيض, فالدولار كان قويا وأصبح ضعيفا, والأسهم العالمية كانت في مستوى قياسي في يوليو الماضي وأصبحت في هبوط مستمر, والاسواق الناشئة التي كان ينظر اليها على انها فرصة نمو طويلة الاجل في ركود, والسندات التي كانت ملاذا آمنا وقت أزمة الأسهم تدهورت. وبعض المحللين يحاولون تفسير ما يحدث بالقول ان قيمة اي شيء سواء كان السيولة أو الأسهم أو السند أو العملة هي الثمن الذي يستطيع شخص ان يدفعه. والمشتبه الرئيسي فيما حدث في الايام الأخيرة بين الدولار والين هي صناديق التحوط التي تقوم بمضاربات كبيرة والتي يبدو انها قلصت مراكزها وذلك بعد الأزمة التي تعرض لها صندوق تحوط لونج تيرم انفستمنت ما تجمنت الامريكي الذي كان مكشوفا في السوق بمراكز قيمتها 120 مليار دولار, ويبدو ان هذه الصناديق كانت في الاشهر الاخيرة تراهن على ان العملة اليابانية ستنخفض فتقترض بالين الذي تبلغ فائدته 1% وتقرض الحكومة الامريكية عبر شراء السندات الحكومية بفائدة 5% وكان يساعدها على ذلك قوة الدولار. ومن غير الواضح ما الذي اخل بهذه اللعبة, ولكن قد يكون ما تعرض له صندوق تحوط لونج تيرم ماتجمنت الذي كان على وشك الانهيار دفع البنوك الى خفض اقراضها الى صناديق التحوط من دفع هذه الصناديق الى تقليص مراكزها, أو قد يكون تراجع الدولار في المستويات القياسية التي كان قد وصل اليها وهي 147 ينا للدولار قد سبب خسائر لهذه الصناديق بما دفعها الى بيع السندات لتقليص الخسائر وشراء الين من جديد, كما ان هناك تحولا جذريا في المواقف فخلال السنوات الماضية لم تكن المسألة تحتاج الى عبقرية لعمل اموال في ظل ارتفاع الاسهم الامريكية والأوروبية بينما كانت السندات تهبط وكانت السيولة متوفرة بكثرة لكن عندما بدأت أزمة الأسواق الناشئة على خفض قيمة العملة التايلانية العام الماضي بدأت المخاطر ورأى المستثمرون انهيار سوق بعد الأخرى وازدياد المخاطر, وحتى الاسهم الأوروبية التي كان ينظر اليها على انها واحة أمان تراجعت بشدة عن ذروتها في يوليو الماضي, فمؤشر داكس الالماني للأسهم أقل بـ 35% الآن عما كان عليه في يوليو, وحتى أسهم قطاع التكنولوجيا في أمريكا الذي ينظر اليه على انه قطاع نام تراجع 30% ومع تراجع الدولار والسندات اصيب المستثمرون بالفزع ولم يعد هناك شيء يبحثون عنه سوى السيولة. وقد يكون من غير المستغرب رؤية عملة اقتصاد ناشئ تتدهور بشكل سريع خلال ايام ولكن ان يحدث ذلك لعملتين عالميتين رئيستين مثل الدولار والين فهو شيء نادر ولم يحدث من قبل منذ ففي نظام اسعار الصرف لاتفاقية بريتون وودز لما بعد الحرب العالمية الثانية في ,1970 وقد حذر آلان جرينسبان رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الامريكي يوم الخميس الماضي من ان الاقتصاد الامريكي يواجه خطر الركود, وان هناك تحولا اساسيا في مواقف المستثمرين, واذا أخذت الارقام التي يقررها مجلس الاحتياط الفيدرالي لخسائر المستثمرين في الاسهم الامريكية منذ يوليو الماضي حتى الآن والتي تبلغ 1500 مليار دولار يمكن ادراك عمق التأثير اذ ان ذلك يمثل 20% من اجمالي الناتج المحلي الامريكي. وبينما تزداد التكهنات حول احتمالات الدعوة الى عقد اجتماع طارئ لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في لندن لبحث الأزمة الاقتصادية العالمية لجأت دول أوروبية الى خفض اسعار الفائدة من أجل محاولة تجنب الركود وامتداد الانفلونزا الآسيوية الاقتصادية اليها, وبعد ان خفض بنك انجلترا الفائدة الرئيسية ربعا في المائة وهو ما رأته السوق على انه خطوة اقل من اللازم وجاءت متأخرة. خفضت البرتغال وايرلندا اسعار الفائدة بينما ازدادت الضغوط على المانيا وفرنسا لخفض الفائدة. على صعيد الحركة الفعلية للاسواق خلال الاسبوع كانت وول ستريت في نيويورك تحت تأثير كلمات آلان جرينسبان الذي اعترف انه لم ير مايحدث الآن في السوق خلال 50 عاما في متابعته لحركة الاقتصاد الامريكي, وقال ان ما يحدث هو حالة قلق واسعة من الخوف وعدم الثقة في المستقبل, والخوف هو أكثر شيء تخشاه الاسواق وهو يحدث عندما يجد الناس انهم لايعرفون قواعد اللعبة, والنتيجة الطبيعية هي هبوط الاسعار, والغريب ان الخوف هذا يأتي بينما العوامل الاساسية في الاقتصاد الامريكي قوية, وهو لم يدخل الركود بعد. وأوضح نموذج مع الهبوط الذي حدث في وول ستريت صفقة اندماج مصرف سيتي كورب مع مجموعة ترافلرز المالية في ابريل الماضي والتي قدرت خلالها قيمة سيتي كورب بـ 82 مليار دولار واعتبرت اكبر صفقة اندماج من نوعها في السوق الامريكية, ولكن يوم الاربعاء الماضي عندما دخلت الصفقة حيز التنفيذ لم تتجاوز قيمة سيتي كورب في السوق 35 مليار دولار. وقد بدأ مؤشر داوجونز المؤلف من 20 سهما صناعيا امريكيا ممتازا الاسبوع بهبوط 58.45 نقطة ليرتفع في اليوم التالي 16.74 نقطة ثم يهبط 1.29 نقطة يوم الاربعاء و9.78 نقاط يوم الخميس ويرتفع 167.61 نقطة يوم الجمعة ليقفل على 7899.52 نقطة. في لندن انهى مؤشر فايننشال تايمز المؤلف من 100 سهم بريطاني ممتاز الاسبوع مرتفعا 73 نقطة ليقفل على 4823.4 نقطة, ولم يكن حماس السوق كبيرا لخفض الفائدة ربع في المائة لانها رأت الخفض صغيرا وجاء متأخرا, وكانت تريد خفض يبلغ نصف في المائة في الفائدة. في فرانكفورت اقفل مؤشر واكس المؤلف من 30 سهما المانيا ممتازا في نهاية الاسبوع على 3973.4 نقطة. وفي باريس اقفل مؤشر كاك المؤلف من 40 سهما فرنسيا ممتازا على 3090.54 نقطة. في طوكيو خسرت الاسهم اليابانية 2.6% من قيمتها خلال الاسبوع ليقفل مؤشر نيكي المؤلف من 225 سهما رئيسيا على 12879.9 نقطة وهو ادنى مستوى له منذ 12عاما وذلك مع المخاوف على الاقتصاد الياباني نتيجة هبوط الدولار. وارتفعت الاسهم في هونج كونج 7.9% خلال الاسبوع وكذلك في سنغافورة 8.5% وفي جاكرتا 16% وفي بانكوك 16.2%. وعلى صعيد الدولار راقب المستثمرون بذهول هبوطه امام الين في حوالي 130 ينا للدولار في بداية الاسبوع الى 112 ينا يوم الخميس قبل ان يرتفع قليلا الى 117.2 ينا لدى اقفال لندن يوم الجمعة ولكنه كان مازال اقل بـ16 ينا مما كان عليه يوم الثلاثاء الماضي. وجاء ذلك وسط شائعات في السوق عن متاعب يتعرض لها اكبر صناديق التحوط في العالم تايجر مانجمنت, وان مجلس الاحتياط الفيدرالي الامريكي سيعقد اجتماعا طارئا الاسبوع المقبل. على صعيد السلع والمعادن هبط سعر النفط بسبب الازمة الاقتصادية العالمية والمخزونات الكبيرة وخسر برميل برنت 1.04 دولار ليقفل على 13.06 دولارا في عقود تسليم نوفمبر بينما بلغ سعر خام دبي في نهاية الاسبوع 12.50 دولارا للبرميل. وخسر الذهب 4.4 دولارات ليصبح سعر الاونصة 298.05 دولارا. وارتفع سعر الالمنيوم في العقود النقدية 16 دولارا الى 1326 دولارا للطن بينما خسر النحاس 10.5 دولارات ليصبح 1589 دولارا للطن. لندن - البيان