أكدت دراسة علمية حديثة ان احتلال دبي مركز الصدارة في مناولة البضائع شكل حافزاً اساسياً للتطور الصناعي ليس فقط في المنطقة الحرة لجبل علي ولكن ايضاً في المناطق الصناعية في دبي . وذكرت دراسة للبنك البريطاني صدرت في نشرته الاقتصادية الفصلية امس ان دول التعاون وخاصة الامارات استفادت من موانيها المتميزة لجذب الصناعات التي تحتاج الى مناولة المواد بصورة سريعة وفعالة. وقالت الدراسة التي نشرت تحت عنوان (الصناعة في دول مجلس التعاون) ان الصناعة بدول التعاون قد أصبحت الطريق الرئيسي نحو تنويع الموارد الاقتصادية لهذا كان تحرك الحكومات في دول المجلس على صعيدين رئيسيين: الأول تطوير الصناعات الكبيرة التي تملكها الدولة, والثاني تشجيع الصناعات الخاصة من خلال مختلف آليات السياسة الاقتصادية. القيمة المضافة وقد نجحت هذه السياسات في ايجاد قطاع صناعي يساهم بصورة فعالة في الناتج المحلي الاجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي, فزادت القيمة المضافة الناتجة عن الصناعة من 12 مليار دولار في عام 1982 الى حوالي 20 مليار دولار في السنة في الوقت الحاضر, وذلك وفقاً لتقديراتنا. وقد كانت المملكة العربية السعودية أكثر الدول نشاطاً من بين أعضاء المجلس في تنويع قطاعها الصناعي, فالشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) تحتل مركز الصدارة بالنسبة للصناعات التي تملكها الدولة, بينما يلعب الصندوق السعودي للتنمية الصناعية والمناطق الصناعية التي ترعاها الدولة دوراً هاما في تطوير الصناعات الخاصة وفي عام 1993/1994 كان يوجد بالمملكة العربية السعودية 2234 مؤسسة صناعية يبلغ مجموع رأسمالها المصرح به 40 مليار دولار امريكي ويعمل بها 196000 شخص. وقد قدمت المناطق الصناعية, الموجودة في ثمان مدن رئيسية بالمملكة, مواقع لعدد من هذه المصانع بلغ 1020 مصنعاً. وتعتبر القطاعات الصناعية التي تملكها الدولة والتي يملكها القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي مستقلة الى حد كبير فالصناعات التي تملكها الدولة تتميز بكبر حجمها وكثافة رأسمالها وتوجهها نحو التصدير, وغالباً ما تعتمد على النفط والغاز ومشتقاتهما. فعلى سبيل المثال تعتبر سابك اكبر المصانع في دول مجلس التعاون الخليجي, ويعتمد حوالي 70 في المائة من منتجاتها و80 في المائة من صادراتها على البتروكيماويات والمواد البلاستيكية القائمة على الغاز. وعلى العكس من ذلك, تتميز الصناعات الخاصة بتنوعها وصغر حجمها وكثافة عمالتها وتوجهها نحو الاسواق المحلية. في دول مجلس التعاون الخليجي, يأخذ التشجيع الحكومي للصناعات الخاصة بصفة عامة شكل القروض الميسرة وتوفير الارض بسعر رخيص أو مجاناً وغير ذلك من الحوافز المالية بما في ذلك الحماية الجمركية. فرسوم الاستيراد على السلع المصنعة تتراوح ما بين 4 الى 12 في المائة في أغلب الحالات, وتصل الى 20 في المائة في الحالات التي يوجد فيها منتج محلي منافس. حماية الصناعة المحلية ان وفرة الحوافز والإجراءات الحمائية المقدمة للصناعة بحاجة الآن الى مراجعة نظراً لرغبة حكومات دول المجلس في تقليص الدعم ولأن كافة دول المجلس اما انها اعضاء في منظمة التجارة العالمية او انها تعتزم الانضمام اليها في وقت قريب. والسؤال الذي يثار الآن هو الى متى ستظل رغبة حكومات دول مجلس التعاون الخليجي, او قدرتها على حماية الصناعة قائمة؟ ويستتبع هذا السؤال سؤال آخر هو: هل تستطيع الصناعة في دول مجلس التعاون الخليجي الصمود في وجه المنافسة العالمية؟ وربما نجد جزءاً من الاجابة على هذا السؤال في القاء نظرة فاحصة على الصادرات المصنعة في دول مجلس التعاون الخليجي. فإذا كان المنتجون يستطيعون التصدير بنجاح فلا بد ان منتجاتهم تتمتع بقدر معقول من المنافسة من حيث السعر والجودة, وبإمكانهم الصمود في الأسواق الأكثر منافسة التي ستواجههم عندما ينتهي دعم الدولة لهم. ويبلغ اجمالي الصادرات غير النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي حوالي 8 مليارات دولار في السنة. ويمكن اعتبار هذا الرقم مقياساً تقريبياً لصادرات دول المجلس من المنتجات المصنعة. ويشمل هذا الرقم حوالي 3 مليارات دولار من البتروكيماويات والمنتجات الكيماوية الأخرى وحوالي ملياري دولار من المعادن وغيرها من الصناعات الأساسية. ومن هذا يتضح ان صادرات دول مجلس التعاون الخليجي من المنتجات المصنعة ما زالت تهيمن عليها المؤسسات الصناعية الكبرى المملوكة للدولة. ولا يعتبر معظم المصنعين من القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي حتى الآن من المشاركين ذوي الفعالية في الاسواق العالمية. الاتجاهات الدولية بإمكاننا الحصول على منظور أشمل عن اتجاهات التصنيع في العالم بصفة عامة. فالتصنيع يتجه بخطى سريعة الى التواجد في الأماكن التي تنخفض فيها التكلفة الى ادنى حد وذلك بسبب الإتجاه نحو التحرر العالمي للتجارة والاستثمار, ومنذ السبعينات قام اليابانيون بنقل منشآتهم الى جنوب شرق آسيا, وقام أصحاب الصناعات في هونج كونج بنقل العديد من مصانعهم الى الصين, وهذا الاتجاه يميل الى التزايد وقد تصبح البلدان الأقل تكلفة مثل تايلاند واندونيسيا هي مراكز التصنيع الجديدة في الحقبة المقبلة. في هذا السياق, لا بد لرجال الصناعة في دول مجلس التعاون الخليجي من وقفة يقوموا فيها بإجراء تقييم واقعي للجوانب التي قد تكمن فيها مزاياهم التنافسية. ولا شك ان الصناعات التي تقوم على المواد الهيدروكربونية سوف تستمر في لعب دور هام في القطاع الصناعي في دول مجلس التعاون الخليجي. فدول المجلس تمتلك فيما بينها 15 في المائة من الاحتياطيات المؤكدة للغاز الطبيعي في العالم, ولكنها تنتج 7 في المائة فقط من الكمية المطروحة في السوق العالمي من هذا الغاز, ووفقاً لمعدل الانتاج في الوقت الحاضر, سوف تستمر احتياطيات الغاز في دول المجلس حوالي 100 سنة, مقارنة بحوالي 50 سنة لبقية دول العالم. لذلك يبدو من المحتمل ان تقوم قطر والامارات العربية المتحدة وسلطنة عمان بتطوير صناعات بتروكيماوية تعتمد على الغاز أسوة بما فعلته المملكة العربية السعودية. الاسواق المحلية اما الصناعات التي تتجه في معظمها الى الاسواق المحلية, مثل تصنيع المواد الغذائية وتعليب المشروبات وكذلك مواد البناء, فقد تحتفظ بوضعها التنافسي بفضل قربها من عملائها وتجاوبها مع الطلب المحلي بالاضافة الى ميزة اخرى وهي انخفاض تكلفة نقلها. هذه الانواع كانت من اوائل الصناعات التي تطورت في دول مجلس التعاون الخليجي, وتعتبر منتجاتها معروفة جيداً في الاسواق المحلية. وقد كانت هناك بعض المحاولات لتطوير انتاج السيارات او الماكينات الصناعية في دول مجلس التعاون الخليجي, ولكن هذا النوع من المشاريع ربما يظل قاصراً على المنتجات المتخصصة او الاسواق التي تشكل جزءاً من كيان أكبر فدول مجلس التعاون الخليجي, التي يبلغ عدد سكانها حوالي 27 مليون نسمة, تعتبر سوقا صغيرة نسبياً بالمنظور العالمي, والدول الأخرى التي تماثلها في عدد السكان وقامت بتطوير صناعات ناجحة في مجال السيارات والماكينات, وقامت في نطاق اتحادات جمركية أكبر, على سبيل المثال كندا داخل اتحاد منظمة النافتا, وهولندا داخل الاتحاد الاوروبي. ولقد كان هناك بعض التقدم في تطوير تصنيع بعض السلع الاستهلاكية المعمرة في دول مجلس التعاون الخليجي. فهناك على سبيل المثال, منتجون ناجحون لأجهزة التكييف في المملكة العربية السعودية وفي المنطقة الحرة لجبل علي في الإمارات, وهناك من السلع الاستهلاكية الأخرى القائمة على الوسائل التكنولوجية, مثل الثلاجات والادوات المنزلية الكهربائية ما يعتبر مرشحاً للانتاج في دول مجلس التعاون الخليجي. ولكن على وجه العموم, حتى الصناعات الراسخة في دول المجلس قد تجد صعوبة في الحفاظ على بقائها مع قيام حكوماتها بسحب الحوافز المقدمة لها وتزايد قوة المنافسة التي تواجهها عالمياً. كذلك لا يستطيع المصنعون في دول مجلس التعاون الخليجي المنافسة اساساً على الاسعار. ففي الصناعات الهيدروكربونية فقط هناك مزايا في تكلفة المواد ومن المحتمل ان تختفي المزايا في تكلفة الطاقة مع انتهاء الدعم. وربما تزداد تكلفة العمالة مع تطبيق حكومات دول المجلس لسياستها الثابتة بشأن إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة. وفي هذا السياق تجدر الملاحظة ان المصنعين الآسيويين يعملون بالفعل على اعادة تقييم مزاياهم التنافسية من جديد. النموذج الماليزي تعتبر ماليزيا نموذجاً للدول الآسيوية الصناعية التي تماثل الى حد كبير دول مجلس التعاون الخليجي من الناحية السكانية, حيث يبلغ عدد سكانها حوالي 21 مليون نسمة. غير ان القطاع الصناعي في ماليزيا يساهم بنسبة 34 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي للدولة, مقارنة بنسبة 8 في المائة في دول مجلس التعاون. وتفكر ماليزيا الآن, التي تلعب دوراً رئيسياً بالفعل في انتاج الصناعات المتوسطة من الناحية التكنولوجية مثل الاجهزة المنزلية والاجهزة الالكترونية الاستهلاكية, في ارتياد مجال تكنولوجيا المعلومات واجهزة الاتصال الخاصة بالبيانات كأحد مجالاتها الصناعية الجديدة. وتدخل هذه الصناعات ضمن القواعد الرئيسية لمشروع (ملتيميديا سوبر كوريدور) وهو مشروع إنشاء منطقة لإنتاج اجهزة علمية وتكنولوجية على مساحة 1000 كيلومتر مربع تمتد من كوالا لمبور الى مطار سيبانج الدولي الجديد. ولا شك ان دول مجلس التعاون الخليجي, بما تضمه من عناصر شابة من السكان وتزايد الباحثين عن العمل من المواطنين كل عام, بحاجة الى مثل هذه المبادرة الاقتصادية الجريئة. وقد انفقت دول مجلس التعاون الخليجي الكثير على الاستثمار في البنية الاساسية للنقل والاتصالات وأصبحت طرقها وموانيها ومطاراتها ووسائل الاتصال السلكية واللاسلكية فيها بصفة عامة أكثر تقدماً من جيرانها, وهذا يمثل احدى المزايا الهامة, كما قامت بعض دول المجلس, وبالأخص دولة الامارات, بالاستفادة من موانيها المتميزة لجذب الصناعات التي تحتاج الى مناولة المواد بصورة سريعة وفعالة. وتعتبر دبي الآن إحدى أكبر عشر موانىء في العالم في مجال مناولة الحاويات وقد شكل احتلال دبي مركز الصدارة في مناولة البضائع حافزاً اساسياً للتطور الصناعي ليس فقط في المنطقة الحرة لجبل علي ولكن ايضاً في المناطق الصناعية في دبي وكذلك منطقة دبي للأعمال المتكاملة التي تم انشاؤها مؤخراً. ويمكن لدول المجلس الاخرى, خاصة المملكة العربية السعودية, ان تحذو نفس النهج من خلال تطوير مطاراتها. المطارات ربما كانت فكرة اختيار مطارات دول مجلس التعاون الخليجي كمراكز للصناعات التحويلية في المنطقة مستقبلاً فكرة محقة. وكما ادت الموانىء البحرية في المنطقة الى تحفيز التجارة, كذلك يمكن للمطارات ان تؤدي الى تحفيز الصناعة وسوف يؤدي هذا المفهوم الى اجتذاب الصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل المنتجات المتعلقة بالطائرات وكذلك الصناعات ذات القيمة المضافة العالية التي تحتاج الى السرعة في التوريد والتسليم وغيرها من الصناعات المرتبطة بالمعلومات. وقد تم تجربة هذه الفكرة بالفعل في دبي, حيث اجتذبت المنطقة الحرة الجديدة لمطار دبي وكذلك مجمع الصناعات التكنولوجية شركات مثل بيل وبوينج وديجيتال اكويبمنت. وتعتبر المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص في مركز جيد يسمح لها بتطوير صناعات جديدة حول مطاراتها الدولية والمحلية, حيث تعد مطاراتها الدولية الثلاث ــ في الرياض وجدة والظهران ــ من بين اكبر المطارات في العالم من حيث مساحة الارض وحجم المرافق. كما تتمتع المطارات المحلية بالمملكة بالامكانيات التي تؤهلها للتطور لتصبح مراكز صناعية اقليمية كمطار ابها مثلا الذي يخدم المنطقة الجنوبية الغربية. ولا شك ان الجهود المنسقة للاستفادة من الامكانيات غير المستخدمة بشكل كامل في دول مجلس التعاون الخليجي قد لا تشكل فقط حافزاً للتطور الصناعي في المنطقة, ولكنها قد تقدم ايضاً مصدراً جديداً لتوفير المهارات وفرص العمل بالنسبة للشباب من المواطنين الذين سيشكلون بصورة متزايدة, القوة العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي في العقود المقبلة.