قال الدكتور ناصر سيف المنصوري الباحث الاقتصادي بالدولة ان النمو العمراني الهائل بمنطقة الخليج العربي والامارات خاصة يمر بمرحلة طفرة غير عادية لمواكبة الزيادة السكانية والتطور الاقتصادي الذي تشهده المنطقة , وهذا كله لم يصل الى مرحلة الاستقرار بعد, مما يدل على استمرارية النمو العمراني والحاجة إلى البناء والتعمير لمواجهة الطلب المتزايد على الخدمات والمرافق العامة من طرق ومساكن ومستشفيات وحدائق وماء وكهرباء وغيره, ولا يخفى على من يقطن هذه المنطقة أو حتى الزائرين لها ما يتم من التخطيط له وتنفيذه من مشاريع ضخمة تتعلق بالبنية الاساسية والتي هي ضرورة لأية مدينة أو منطقة حديثة تشهد حالة من التطور الدائم والمستمر, وللقيام بتنفيذ ما يتم تخطيطه من مشاريع ولكي يتم بلورتها إلى واقع ملموس لابد من وجود مؤسسات الانشاء والتعمير الخاصة ذات القدرة العالية والتي تستطيع ان تنفذ المشاريع الحكومية الضخمة المطلوبة لضمان استمرارية عجلة التطور العمراني في المنطقة. ومن الطبيعي ان يكون من الاهداف الرئيسية بالنسبة للحكومة ان تخلق قاعدة عريضة ومتينة من القطاع الخاص المختص في مجالات الانشاء والتعمير ممثلا في العديد من شركات المقاولات المواطنة والتي تلعب دورا بارزا في انجاز مشاريع الحكومة المتعلقة بالتطوير العمراني. وعليه فقد أصبح من الضروري دراسة العلاقة بين المشاريع الحكومية ووجود المقاولة الوطنية وكيفية تأثير الثانية على الاولى ومدى مساهمتها في انجاح وبلورة المشاريع الحكومية الضخمة لتخرج الى حيز الوجود وما يترتب على ذلك من فوائد بالنسبة للحكومة. وقال في دراسة نشرت في العدد الاخير من مجلة (أخبار المقاولين) ان الاحصاءات المتعلقة بعدد شركات المقاولات المسجلة في أبوظبي من سنة 1980 الى1995 كشفت ان هناك زيادة كبيرة جدا في عدد هذه الشركات حيث ان العدد في سنة 1990 بلغ 1327 شركة وما لبث ان زاد هذا الرقم بشكل سريع خلال خمس سنوات حيث وصل ال ى4814 شركة في سنة 1995 وهي نسب تغيير عالية جدا وتدل على وجود سوق ومناخ جيدين حيث ان النشاط الانمائي في امارة أبوظبي مازال يعتبر نشطا ومستمرا ليعكس سياسات الحكومة المستمرة للتطوير ومواصلة الانشاء والتعمير لتقديم خدمات أفضل لمواكبة النمو العمراني وزيادة السكان في الامارة. خفض الكلفة ومن الفوائد المرجوة من وجود العدد المناسب من شركات المقاولات الوطنية هو وجود التنافس الشريف بينهم لتقديم عروض مالية تنافسية لتنفيذ المشاريع الحكومية حيث ان طرح هذه المشاريع في مناقصات يؤدي في أغلب الاحيان الى توفير مبالغ معينة من قيمة المشاريع. وفي حالة عدم وجود الشركات الوطنية بالعدد الكافي وبالقدرات الفنية المطلوبة يؤدي ذلك كله الى وجود نوع من الاحتكار والزيادة العالية في الاسعار لتنفيذ المشاريع الحكومية. اذا من الواضح ان الحكومة تحتاج الى وجود الشركات الوطنية المستقرة والمتميزة لضمان انجاز مشاريعها الضخمة والمهمة. وانه ليس بالغريب ان تدعم الحكومة هذه الشركات الوطنية وان تحاول ان تحميها وتضمن وجودها واستمراريتها في السوق حيث ان قطاع الانشاء والتعمير يحتاج الى جميع هذه الشركات بأحجامها وأنواعها المختلفة ولكل شركة دور معين قد تلعبه. سلبيات من المهم جدا بالنسبة لأي حكومة ان تقلص حجم المشاكل التي تعاني منها شركات المقاولات وان يتخلص هذا القطاع الخاص من سلبياته التي دائما ما تكون عائقا في طريق وجود الشركات الوطنية القوية والتي عندها المقدرة على التنفيذ للمشاريع الحكومية بمستوى جيد وخلال الفترات الزمنية المحددة لانجاز مثل هذه المشاريع. ان السلبيات الرئيسية التي يعاني منها هذا القطاع سواء كان في امارة ابوظبي او العديد من المناطق الاخرى تؤثر بشكل عكسي في تنفيذ المشاريع الحكومية او الخاصة ومن أهم هذه السلبيات: عدم وجود الايدي العاملة المدربة المستقرة او الاهتمام بتطوير هذه الايدي العاملة لتكون على مستوى عال يخدم الشركة في تنفيذ مايتم تلزيمها من مشاريع ضخمة يعتبر من السلبيات الرئيسية عند شركات المقاولات. وتقوم العديد من الشركات العالمية في توظيف بعض رؤوس اموالها لوضع برامج تدريب للعاملين بالشركة حيث ان ذلك أثبت وجود مردود ايجابي يخدم الشركة بشكل كبير في تحسين مستوى التنفيذ وسرعة الانجاز وسمعة الشركة في عالم المقاولات. كثرة الشركات الصغيرة التي لا يتعدى رأس مالها المليون وما لها من جوانب سلبية تؤثر على مستوى المنافسة في السوق وعدم مقدرتها على تنفيذ المشاريع الحكومية الكبيرة او المتوسطة وعدم التزامها بالبرنامج الزمني المحدد لعدم وجود القوى العاملة والمعدات التي تساعدها على تنفيذ ما يتم تلزيمها من مشاريع. ويلاحظ ان مثل هذه الشركات دائما ما تعاني من تقلبات السوق ومن الركود الاقتصادي وما يترتب عليه من قلة المشاريع المطروحة وتعثر النمو العمراني حيث تجبر هذه الشركات على إقفال أبوابها والافلاس. والشراهة الزائدة عند معظم شركات المقاولات ومحاولة الحصول على اكبر عدد ممكن من المشاريع يؤدي في العديد من الحالات الى تحميل الشركات مشاريع فوق طاقتها ومقدرتها مما يسبب ارتباك في البرنامج الزمني لهذه المشاريع مما يؤدي الى الكثير من الغرامات التي يتم تطبيقها على الشركة وكذلك الخسارة التي تتكبدها الجهة المستفيدة (المستثمرة) صاحبة المشروع في حالة عدم استلامها في الموعد المحدد واستغلاله حسب الوقت المخطط له مسبقا. وأيضا من السلبيات الرئيسية في قطاع المقاولات في امارة ابوظبي عدم وجود شركات مختصة في مجال معين من مجالات الانشاء بحيث تكون شركة كبيرة ومختصة في مجال واحد كالكهرباء او اعمال الميكانيكا وهذا دائما يكون واضحا في بعض الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الامريكية حيث يوجد بها العديد من كبرى الشركات ذات الاختصاص الواحد والتي تتصف بالعالمية في هذا المجال. وأخيرا, ربما آن الأوان لبعض شركات المقاولات الوطنية ان تتخلص من هذه السلبيات وان تتجه الى العالمية والمنافسة على المستوى العالمي لان هذا من شأنه ان يطور مستوى الشركات الوطنية بحيث تتبع احدث الاساليب العلمية وما يتوفر من تقنية حديثة في عالم البناء لرفع مقدرتها على التنفيذ مما يعود بالفائدة والنفع على الاسلوب المتبع في تنفيذ المشاريع الحكومية في المنطقة.