خلاف الرأي, كما قيل, لا ينبغي أن يفسد للود قضية, الا ان اتساع الفجوة الاقتصادية بات يفسد في عالمنا المعاصر كل قضية ويدمر حتى الروابط بين الأشقاء . وتلك الحميمية التي جمعت بين الأخوين ماليزيا وسنغافورة والتي ما لبثت أن تصدعت أركانها يوم فصم عرى الوحدة بينهما عام 1965 بعد زيجة لم تدم سوى سنتين, تشهد اليوم مزيدا من التهاوي تحت مطارق التباعد الاقتصادي. فعندما طاف الوفد الرياضي السنغافوري مضمار الملاعب الماليزية, ابان حفل افتتاح دورة الألعاب الرياضية لدول الكومنولث في ماليزيا تعالت صيحات الاستهجان من جمهور أشقائهم الماليزيين, وقوبلوا بعاصفة استياء أشد عندما خرجوا من الملاعب فلم كل هذا الجفاء؟ وفيما أخذت الأزمة المالية بتلابيب منطقة جنوب شرقي آسيا وتفاقمت آثارها صمد اقتصاد سنغافورة الصلب البنية والذي تتعهد سياسته إدارة ذات خبرة وحنكة وواصل نموه في حين انزلقت جارتها ومنافستها ماليزيا إلى مستنقع الركود بخطا متسارعة. وأصيب الماليزيون بالصدمة وصبوا جام غضبهم على المركز المالي السنغافوري البالغ القوة وحملوه تبعة اختطاف الاهتمام بتداول العملة والأسهم الماليزية وصرف الاقبال إلى سنغافورة وسوقها المالي. إلا ان سنغافورة, هذه المدينة الدولة, رغم انها أكبر موانئ آسيا على الاطلاق ورابع أكبر ميناء في العالم, لا يقطنها سوى ثلاثة ملايين نسمة وطالما اعتمدت على جيرانها باعتبارهم أحد أهم مقومات نموها ولا غنى لها عنهم. وحين تتطلع سنغافورة جنوبا تصاب بالهلع فجيرانها هناك يكابدون ويلات اقتصادية وسياسية تؤججها فوضى اجتماعية عارمة لذا تيمم بصرها باتجاه ماليزيا وتتزايد ما تعلقه عليها من آمال للحفاظ على زخم نموها. إلا ان لجوء كوالالمبور إلى تبني اجراءات وقيود رقابية شاملة وصارمة على العملة تضيق على العملات الأجنبية في ماليزيا واضعة بذلك حدا لتداول العملة الماليزية والأسهم في سنغافورة أوقع هذه المدينة الدولة تحت رحمة ضغوط متزايدة من كل الجهات, ومن هنا فإن انعكاسات هذه الظروف الساحقة تبدو وخيمة العواقب على الاقتصاد السنغافوري حتى الآن. والمعضلات التي تواجه سنغافورة حاليا لا تنتهي عند هذا فهي تعاني من فقدان الوظائف وبدأ تفشي البطالة يلقي بظلاله الكئيبة بعدما سجلت الشركات خسائر قبل فرض القيود الرقابية الجديدة. كما انه على المستوى الفردي, فإن أهالي سنغافورة يكافحون لسداد ما عليهم من أقساط القروض. وحتى كبريات الشركات شهدناها وهي تعرض تخفيضات ضخمة لتنشيط الطلب الراكد. دور ماليزيا ويعرض مانو بهاسكاران, المدير الإداري في مؤسسة اس جي للأوراق المالية في سنغافورة صورة للدور الماليزي في واقعه الراهن وتاريخه الذي نشأ عليه فيقول: (إن مبرر وجود سنغافورة أن تقدم خدماتها باعتبارها مركزا اقليميا يتدفق من خلالها رأس مال الاستثمار ليستقر فيها أو في جيرانها, وهي إلى ذلك محضن خصب للعمالة والسلع والخدمات ولشبكات الاتصالات. وهي منتجع سياحي وفردوس لتكنولوجيا المعلومات, وجوانب كثيرة أخرى. والخطر الذي يتهددها على المدى الطويل يتمثل في اقدام ماليزيا على حرمان جارتها سنغافورة من الشطر الأعظم من تدفق رؤوس الأموال, في أعقاب الانهيار الاقتصادي في اندونيسيا. مما يؤدي إلى جفاف ينابيع قسم آخر ضخم من دفق رؤوس الأموال, ساعتها سوف تعاني سنغافورة من كابوس حقيقي) . وبديهي ان تدهور الأوضاع بهذا الاتجاه سوف يضعضع نمو الاقتصاد في سنغافورة ويتنبأ بها سكاران بنمو يبلغ 1.1% هذا العام, وهو تدن حاد عن مستوى 7.8% العام الماضي, ويتوقع كذلك أن يتفاقم التباطؤ العام المقبل بحيث لا يتعدى النمو 0.5%. وتبدي تان سينا موي, رئيسة قسم بحوث سنغافورة لدى مؤسسة ميريل لينش, ملاحظتها ان ماليزيا هي ثاني أكبر شريك تجاري لسنغافورة وتقدر موي حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في سنغافورة بحوالي 12 مليار دولار سنغافوري (سبعة مليارات دولار أمريكي) أي ما يعادل 10% من اجمالي ناتجها المحلي تقريبا. ويسود الاعتقاد على نطاق واسع بأن الماليزيين يشكلون أكبر مصدر من مصادر السياحة والزائرين لسنغافورة. وعلاوة على ذلك, فإن ميناء سنغافورة العملاق والذي يفوق حجمه بكثير موانئ ماليزيا يتولى مناولة معظم صادرات وواردات ماليزيا. ويؤكد المحللون ان حوالي 10% من اجمالي أصول بنوك سنغافورة تتخذ من ماليزيا مقرا لها, كما ان الشطر الأعظم من عملياتها مكشوف على السوق الماليزي. تبخر النمو وتقول موي بهذا الصدد: (لو أصاب الركود اقتصاد ماليزيا أو أقعده التباطؤ, فإن فرص النمو بالنسبة لبنوك سنغافورة سوف تتبخر وسوف يتزعزع اقتصادها بصورة مريعة) . وتضيف: (ولو تحققت أسوأ التوقعات فما الذي يتبقى لسنغافورة من مكاسب ومغانم, وخاصة بالنسبة لبنوكها والمنطقة تعيش كابوس الأزمة) . ورغم كل هذه الضغوط رفضت سنغافورة تبني نهج التدخل الذي اعتمدته ماليزيا في مسعاها لانعاش بورصة الأسهم لديها والتي تعاني من الهبوط المتزايد وعملتها المتدهورة. وتكاد تكون جهود سنغافورة في تخفيف معاناة أهلها مقتصرة على حفز الانفاق على مشاريع البنية التحتية ومساعيها لجعل القطاع العقاري ومشاريع الموانئ أكثر جاذبية. كما بذلت سنغافورة جهودا مضنية على جبهة أخرى فسعت إلى تحرير قطاعها المالي وتجاوز نواحي القصور والعجز فيه, مما ضاعف من الضغوط على هذا القطاع ووسع الفجوة ما بين المتنافسين الاقليميين على المدى الطويل. وفيما تنبري الأوساط المالية الدولية للاشادة بالدولة ــ المدينة والثناء على مثل هذه الجهود والانجازات, فإن أهالي سنغافورة يتذمرون في مجالسهم الخاصة ويشكون من غياب التدخل المباشر للتخفيف من معاناتهم. ويذكر السنغافوريون, وهم شعب لا يستسيغ طبعه لوم الحكومة أو نقدها, ان علامات السخط ظهرت على نطاق كبير خلال ندرة الأعلام التي خفقت على أسطح منازل أهل سنغافورة يوم العيد الوطني لبلدهم. وصادف ذاك اليوم محاولة رئيس وزراء سنغافورة جوه تشوك تونج أن يشرح لشعبه صراحة وضع بلاده وأن ليس في يد حكومتها سوى النذر اليسير من الخيارات لتتبناه حيث قال: (إن مشاكلنا تنبع من الخارج لذا فليس في وسعنا حل تلك المعضلات بأن نغير السياسات المحلية) . الطلب الخارجي ويصل حجم الطلب الخارجي حوالي 70% من الطلب الاجمالي على السلع والخدمات السنغافورية. ويتوقع رئيس الوزراء تونج ان يبلغ النمو حوالي ما بين 0.5 إلى 1.5% هذا العام مشيرا إلى التباطؤ الشديد الذي شهده اقتصاد بلاده هذا العام, حيث هبط إلى 1.6% في الربع الثاني وذلك عن مستواه الذي وصل إلى 6.1% في الربع الأول. وبينما تأثرت قدرات سنغافورة التنافسية حافظت عملتها على قوتها بصورة فاقت قدرة عملات جيرانها, مما جعل الأجور والنفقات والسلع في سنغافورة أكثر كلفة. وشدد تونج على ان الحكومة بذلت كل ما في وسعها وابتدعت صفقة تنشيط للاقتصاد من شأنها أن تدفع بالميزانية إلى العجز, لتشجع بذلك الشركات على خفض النفقات ورفع مستوى الانتاجية للارتقاء بمكانة سنغافورة المالية وتعزيز مركزها وتحسين صورة مستقبل نموها. مهمة ضخمة وقال كيت أودوبوجو, المحلل الاقتصادي الاقليمي لدى مؤسسة باركليز كابيتال معلقا على أحدث توجهات ساسة اقتصاد سنغافورة حاليا: (لدي قناعة راسخة بأن القوم لا يسعون وراء اتخاذ خطوات تتسم بسذاجة التلاميذ وتقنع بتسكين الأوجاع على المدى القصير, فحكومة سنغافورة تتمتع بالحنكة وهي تنهض بمهمة ضخمة هذه الأيام وتتولاها بحرص شديد, ألا وهي إدارة التوقعات وتصحيح الرؤية من منظور دقيق. وفي أجواء مثل هذه السائدة في اقتصادها الذي يعتمد إلى أبعد الحدود على جاراتها اللواتي تتعاظم نزعتهن العدوانية, فإن الحكمة تقتضي ألا تحيد سنغافورة عن سبيل تلك المهمة التي ارتضتها لنفسها لانها على ما يبدو خيارها الوحيد المتسم بالعقلانية. ترجمة : كمال البيطار