تأتي تطورات الصراع السياسي في منطقة وسط آسيا وخاصة الصراع الإيراني الأفغاني انعكاسا لتطورات أخرى ربما تبدو أقل وضوحا للعيان في الأوضاع الاقتصادية في المنطقة, خاصة حول مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي وخطوط نقلهما إلى الأسواق العالمية, وقد وقعت سلسلة من الأحداث الاقتصادية المهمة التي أدت إلى حدوث تغيرات جوهرية في هذا الاتجاه, ففي الوقت الذي طرأ شيء من الانفراج في العلاقات الإيرانية ــ الغربية, وخاصة في أعقاب لقاء الدول السبع الكبرى في برمنجهام في مايو الماضي, وهو اللقاء الذي استطاع فيه الاتحاد الأوروبي الحصول على موافقة من واشنطن لبعض الشركات الأوروبية بالعمل في قطاع النفط الإيراني خروجا على العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران, في الوقت نفسه توصلت روسيا وكازاخستان إلى اتفاق مهم حول تقسيم ثروات بحر قزوين من مصادر الطاقة, وهو الاتفاق الذي عكر صفو العلاقات الإيرانية ــ الروسية, الذي دام أكثر من ست سنوات, حيث جاء هذا الاتفاق مخالفا لما كانت قد اتفقت عليه طهران مع موسكو حول تقسيم هذه الثروات, والذي كانت ترفضه كازاخستان وأذربيجان من منطلق أنه يوسع من نطاق تطلعات إيران وروسيا إلى الحصول على أكبر قدر من ثروات هذا البحر على حساب مصالح أذربيجان وكازاخستان. ويأتي اتفاق روسيا وكازاخستان تنازلا عن موقف موسكو السابق الذي كانت تؤيدها فيه طهران, وهو الأمر الذي اعتبرته طهران شبه تخل من روسيا عن التزاماتها واتفاقاتها معها حول بحر قزوين. الموقف الإيراني وفي أعقاب الاتفاق الروسي الكازاخي صرح وزير النفط والغاز الإيراني علي ماجدي بقوله: (إذا كان البعض من دول بحر قزوين لا يريد التفاوض والتفاهم معنا, ويحاول استبعادنا, فسوف نفعل مثل غيرنا) . وأضاف: ان (ايران مستعدة للتفاوض مع أي طرف حول نفط بحر قزوين) . ويقصد ماجدي من تصريحاته نقل رسالة قوامها ان ايران سوف تنتهج في قطاع النفط والغاز سياسة انفتاحية على الغرب, إذا كان جيرانها وحلفاؤها في المنطقة يسعون للتخلي عنها. وقد سافر وفد إيراني برئاسة نائب وزير النفط مهدي حسين إلى لندن في يوليو الماضي, وضم الوفد أربعين مسؤولا من قطاع النفط الإيراني, وعقد الوفد مؤتمرا كبيرا هناك حضره مندوبو عن ما يقرب من مائة وخمسين شركة نفط عالمية, وطرح في المؤتمر 42 مشروعا استثماريا في قطاع النفط الإيراني, بلغت قيمتها مجتمعة ثمانية مليارات دولار, منها خمسة مليارات لمشروعات نفط برية وثلاثة مليارات لمشروعات بحرية, وصرح نائب وزير النفط الإيراني في حينه بأن هذه المشروعات من شأنها أن يزيد معها انتاج ايران من النفط ليصل إلى سبعة ملايين برميل يوميا بعد ثلاث سنوات. ومن المشروعات التي طرحت في المؤتمر مشروع استغلال حقل جنوب فارس البحري والذي تجري بشأنه مفاوضات بين الشركة الوطنية الإيرانية وشركة رويال دتش مجموعة شل والشركة الروسية (غازبروم) التي تتطلع إلى مشروعات كثيرة في إيران بالمشاركة مع شركات أوروبية غير مبالية بالوضعية الآنية للعلاقات بين موسكو وطهران, كما طرح في المؤتمر مشروع حقل (دوراود) الذي تقدر تكلفته بحوالي ستمائة مليون دولار وتسعى للحصول عليه الشركتان (الفا) الفرنسية و(أجيب) الايطالية. كونسرتيوم عالمي ويتوقع المراقبون قريبا تكوين كونسرتيوم عالمي من ثلاث شركات نفط كبرى, هي (بريتش بتروليوم) و(شل) و(لاسمو) للقيام بعمليات تنقيب عن النفط في بحر قزوين. ويلفت النظر انه في مؤتمر لندن رفضت الشركات العالمية شرط إيران الذي تطلب فيه مشاركة هذه الشركات في الأرباح فقط وليس في الانتاج, ومن المتوقع تنازل الجانب الإيراني عن هذا الشرط في عقوده الاتفاقية مع هذه الشركات. ويأتي الانفتاح الإيراني على الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط والغاز الطبيعي متأخرا بعض الشيء, خاصة بعد منافستيها الأساسيتين في نفط بحر قزوين وهما أذربيجان وكازاخستان, حيث تعمل في أذربيجان الآن 19 شركة نفط عالمية, منها أموكو واكسون واينوكال وبينزأويل من الولايات المتحدة الأمريكية, وشركتا بريتش بتروليوم وأرامكو من بريطانيا, وألفا وتوتال الفرنسيتان, وستان أويل النرويجية, وكوك أويل الروسية. وفي كازاخستان تعمل شركات موبيل الأمريكية, وأجيب الايطالية, وبريتش بتروليوم بريتش غاز البريطانية, وستان أويل النرويجية, وتوتال الفرنسية, وشل الهولندية الأيرلندية. وتلقى إيران التشجيع من بعض الدول الأوروبية, وخاصة فرنسا التي قامت شركاتها ببناء منشآت نفطية في منطقة (نكا) على بحر قزوين, كما بدأت في بناء خط أنابيب جديد بين هذه المنشآت وبين طهران, وتتولى شركات نفطية فرنسية اعادة ترميم وصيانة منشآت (تبريز وطهران) ومشروع نقل النفط من بحر قزوين إلى مصافي طهران ثم إلى الخليج, وهو المشروع المقدر له طاقة انتاجية حوالي 130 ألف برميل يوميا. برنامج انفتاحي وإذا كانت إيران قد بدأت بالفعل برنامجها الانفتاحي على الشركات العالمية في قطاع انتاج النفط فإنها تواجه مشكلات في قطاع النقل ومد خطوط أنابيب نقل النفط من منطقة بحر قزوين ووسط آسيا إلى أسواق العالم, وهو القطاع الذي تدخل فيه إيران في منافسة شديدة مع دول أخرى على رأسها روسيا, التي كانت تحتكر في عهد الاتحاد السوفييتي السابق نقل نفط بحر قزوين عبر أراضيها إلى أسواق العالم, كما تدخل إيران في منافسة حول خطوط النقل مع تركيا وجورجيا اللتين تطمحان إلى الحصول على امتيازات نقل نفط بحر قزوين عبر موانيهما على البحر الأسود. وتقدم إيران مشروعا ضخما لنقل نفط بحر قزوين من كازاخستان وأذربيجان عبر خط أنابيب طويل داخل إيران يصل إلى الخليج ومنه إلى أسواق العالم, وتقدر تكلفة هذا المشروع بحوالي ثلاثة مليار دولار, وتحاول إيران ان تبرر هذه التكلفة العالية للشركات العالمية مدعية بأن هذا الخط هو أفضل خطوط نقل نفط بحر قزوين, نظرا للأمن واستقرار الأوضاع في المنطقة مقارنة بباقي مناطق وسط آسيا الأخرى, وقال وزير النفط والغاز الإيراني ان مشروع نقل النفط عبر إيران في اتجاه الجنوب سوف يضمن سيطرة فعلية لإيران على تصدير نفط بحر قزوين) . وتأتي الأحداث الأخيرة وتوتر العلاقات بين إيران وأفغانستان لتبين ان هناك من يهمه استمرار القلاقل التي تهدد المنطقة واستقرارها, وربما يرجع هذا لمصالح سياسية واستراتيجية أيضا, الا انه كما يرجح الكثير من المحللين والمراقبين هناك العديد من المصالح الاقتصادية الحيوية تكمن وراء تصاعد النزاعات في هذه المنطقة. ويتمثل أبرز ما يخشاه المراقبون في انه ربما تنعكس هذه الصراعات الاقتصادية على الأوضاع السياسية في المنطقة بما ينذر بتصاعد حدة النزاعات والخلافات, التي ظهرت بوادرها مع بروز النزاع الإيراني الأفغاني.