ليس هناك ما هو أصدق من الأرقام.. والأرقام تدل على ان الاقتصاد العالمي والأسواق الدولية مهددان بانهيار أكبر من حدث في الاثنين الأسود في أكتوبر 1987 ما لم يكن هناك عمل سريع لتخفيف وطأة الأزمة . وحسب الأرقام والاحصاءات فإن الأسهم العالمية خسرت ما يعادل حوالي 3.5 تريليونات دولار (3500 مليار) من قيمتها منذ يوليو الماضي حتى الآن. وأسوأ الأسواق البرازيل التي تبخرت فيها خلال أسابيع 64% من قيمة الأسهم في بورصتها أي ما يعادل ما بين 45 و50 مليار دولار واندونيسيا التي تدهورت فيها الأسهم بنسبة 45%. وقد تكون الخسائر بالأرقام المطلقة أكبر في أسواق أخرى ولكنها من حيث النسبة أصغر نظرا لان سوقها أضخم, فخسارة الأسهم في بورصة لندن تعادل 200 مليار دولار منذ يوليو الماضي حتى الآن بينما تتجاوز خسارة الأسهم في الولايات المتحدة 1300 مليار دولار حتى الآن في حين ان الأسهم اليابانية خسرت نحو 250 مليار دولار خلال الشهرين الأخيرين. ويجب أن يؤخذ في الاعتبار ان هذه خسائر عند الذروة التي كانت قد وصلتها الأسهم العالمية في يوليو الماضي عندما وصل مؤشر داوجونز في وول ستريت إلى 9338 نقطة. ويقدر صندوق النقد الدولي ان الاقتصاد العالمي سيخسر هذا العام ما يصل إلى 500 مليار دولار من انتاجه, والعام المقبل حوالي 400 مليار دولار أخرى. ويتوقع مصرفيون ومحللون في لندن ثالث أكبر الأسواق المالية العالمية أن يخسر ما بين 5 و10 آلاف في بنوك الاستثمار العاملة في المركز المالي في العاصمة البريطانية وظائفهم بسبب الأزمة التي سيتأثر بها القطاع المصرفي أكثر من غيره وخاصة بنوك الاستثمار التي تتعامل بكثافة في منتجات الأسواق المالية. والمشكلة الأكبر التي يواجهها العالم في الأزمة الحالية التي تهدد بسيناريو مشابه للكساد الكبير في العشرينات هي ان النظام العالمي الجديد الذي يروج له منذ انتهاء فترة الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق قد يخسر أهم قواعده الاقتصادية وهو انفتاح الأسواق على بعضها وحرية حركة ودخول وخروج رؤوس الأموال. فلأول مرة منذ سنوات يفكر زعماء من الدول الصناعية السبع الكبرى في فرض قيود على حرية حركة رؤوس الأموال ما بين الأسواق, وهو اجراء قد يؤدي إلى مواجهة بين السياسيين ورجال الأعمال وأصحاب الأموال. وتفكر الدول الصناعية السبع الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا واليابان وكندا وايطاليا) التي يعقد ممثلوها اجتماعات متواصلة على هامش الاجتماعات السنوية للبنك والصندوق الدوليين حاليا في واشنطن في فرض نوع من القيود على حركة رؤوس الأموال. والهدف العاجل أمامهم هو اعادة الثقة إلى الأسواق الدولية خوفا من انهيار ضخم قريب, ومنع عملية الهروب الكبيرة للأموال من البرازيل خوفا من انهيار أكبر اقتصاديات امريكا اللاتينية وهو ما سيؤدي إلى أزمة في ظل المنطقة لتنضم إلى آسيا وروسيا في سلة المتعثرين. والواضح ان الدول الصناعية السبع الكبرى ما زالت غير متفقة على نوعية القيود المطلوبة مع حركة رؤوس الأموال, فالبعض منها يخش الارتداد عن سياسة الأسواق المفتوحة, وان كان المتخوفون لا يمانعون تحت وطأة الأزمة في فرض قيود مؤقتة. وتسعى الولايات المتحدة بشكل خاص إلى ايجاد صيغة لانقاذ البرازيل التي رفض الفائدة إلى 50% في محاولة لوقف التدهور في عملتها. والسبب هو ان البرازيل تقود أسواق أمريكا اللاتينية التي تذهب إليها 16% من الصادرات الأمريكية, كما ان البنوك الأمريكية لها قروض ضخمة هناك, ومن شأن امتداد الأزمة إلى أمريكا اللاتينية ضرب الاقتصاد الأمريكي, وهو ما يعني ان الأزمة أصبحت عالمية حقا لان أوروبا تتبع السوق الأمريكية. وسيكون هذا الاسبوع حاسما في تحديد ما إذا كان العالم سيكون قادرا على تفادي الأزمة من خلال نتائج الاجتماعات والمباحثات خلال وعلى هامش الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدوليين في واشنطن خاصة على صعيد توفير الأموال لانقاذ الاقتصاديات المنهارة وخفض أسعار الفائدة العالمية. وهناك بوادر ايجابية منها الخطة التي أعلنتها فجأة اليابان لتقديم 30 مليار دولار من أجل انقاذ الاقتصاديات الآسيوية بينما يتعين على الإدارة الأمريكية تجاوز عقبة الكونجرس من أجل توفير 18 مليار دولار لصندوق النقد الدولي.