في الوقت الذي يشهد فيه سوق السيارات المصرية حالة من الركود, اشتدت المنافسة بين شركات صناعة وتجميع السيارات من جهة وبين الوكلاء والتجار من جهة أخرى , فقد أدى احجام البنوك عن تمويل عمليات شراء السيارات بالتقسيط إلى ركود حركة المبيعات بشكل ملحوظ حيث انخفض اجمالي مبيعات السيارات الجديدة في مصر بنسبة 40% خلال العام الماضي وحتى النصف الأول من العام الجاري, وذلك في الوقت الذي كانت السوق تشهد فيه أفضل أداء منذ بداية عام 1992 وحتى نهاية عام 1996. وبعد ان كان السوق يستوعب حوالي 45 ألف سيارة سنويا وهو حجم المعروض الفعلي من السيارات تراجع هذا الحجم ليصل إلى 30 ألف سيارة سنويا في الوقت الذي زاد فيه حجم المعروض ليصل إلى 75 ألف سيارة سنويا وهو ما يعني خسائر للعاملين في هذا المجال تقدر بمليارات الجنيهات. وتضاربت آراء خبراء سوق السيارات المصرية حول الأسباب الحقيقية لانخفاض حجم المبيعات في أسواق (الجديد) , حيث أشار البعض إلى أن سوق الانتاج المحلي لا يعاني من الركود بل العكس فهو يلقى رواجا لم يشهده من قبل, وان سوق السيارات المستوردة هو الذي يشهد ركودا واضحا بسبب المنافسة بين الوكلاء, فيما أرجع آخرون أسباب الانخفاض إلى الاضطرابات التي تشهدها أسواق العملات العالمية والتي أدت إلى تدهور الأسعار بصورة مبالغ في تقديرها مثل السيارات اليابانية والتي أصابها ضرر بالغ نتيجة انخفاض سعر الين, بينما يرى فريق ثالث ان أسباب تدهور الأسعار هو قيام بعض التجار باستيراد أعداد كبيرة من السيارات من وكلاء بدول الخليج العربي بأسعار تقل بكثير عن المعروض في السوق المصري من خلال الوكلاء الرسميين في مصر ما أحدث هزة قوية في الأسعار. وفي الوقت نفسه يلقى سوق المستعمل رواجا نسبيا لأسباب عديدة يأتي في مقدمتها انخفاض السعر. فما هي الحقيقة في سوق السيارات المصرية, وهل يعاني فعلا من ركود, وما هي أسباب ذلك الركود, وما مدى الأضرار التي نجمت عنه, وهل هناك خطوات جديدة للحد من هذا التدهور, وما هي رؤية البنوك حول عمليات تمويل شراء السيارات بالتقسيط؟ تساؤلات عديدة طرحتها (البيان) على خبراء سوق السيارات المصري لمعرفة الحالة العامة للسوق حاليا وتوقعاتهم حول أدائه خلال الفترة المقبلة. ركود للمستورد فقط في البداية نفى الدكتور عبد المنعم سعودي رئيس اتحاد الصناعات المصرية ورئيس رابطة مصنعي السيارات في مصر ان تكون صناعة السيارات المحلية قد شهدت ركودا في حركة المبيعات كما يشيع البعض, مدللا على ذلك بحجم المبيعات السنوية للسيارات من الانتاج المحلي مشيرا إلى ان حالة الركود الموجودة حاليا خاصة فقط بأسواق المستورد حيث يعتبر الانتاج المحلي منافسا قويا للمستورد لأسباب عديدة يأتي في مقدمتها انخفاض السعر وجودة الانتاج وخدمات ما بعد البيع وتوافر قطع الغيار الأصلية بأسعار رخيصة وقال ان الخسائر التي تكبدها سوق المستورد تعود في الأساس إلى الاضطرابات التي تشهدها أسواق المال العالمية, فقد أدى انخفاض الين المتتالي إلى الاضرار كثيرا بأصحاب توكيلات السيارات اليابانية, فبعد ان كان ثمن سيارة ما يابانية الصنع عام 1994 حوالي 90 ألف جنيه (الدرهم قرابة 0.91 جنيه) أدى انخفاض الين إلى تدهور سعرها خلال الفترة الحالية ليصل إلي 60 ألف جنيه, وكذلك الحال بالنسبة لباقي النوعيات المستوردة. وأضاف الدكتور عبد المنعم سعودي ان صناعة السيارات في مصر تقدمت بشكل ملحوظ خلال السنوات العشر الأخيرة وأصبحت قاعدة صناعية لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وبوابة للتصدير إلى مختلف دول العالم, مشيرا إلى ان اتحاد الصناعات المصرية وضع خطة لدفع عجلة التنمية عبر زيادة الصادرات المصرية, وتتركز تلك الخطة في ثلاثة محاور رئيسية هي تطوير الصناعة المصرية ودعم قدرتها التنافسية, علاوة على دعم القدرات التصديرية وتطوير النظم التصديرية في مصر من خلال العمل يدا بيد مع الحكومة في تطوير القوانين والاجراءات المتعلقة بالعملية الانتاجية والتصديرية. صناعة مشمولة بالدعم وأكد سعودي ان صناعة السيارات هي احدى الصناعات المستهدفة بالدعم ليس فقط في خطة الاتحاد ولكن أيضا في الخطة العامة للدولة طبقا لتوجيهات رئيس الجمهورية حيث أشار إلى ان صناعة السيارات في مصر أصبحت متقدمة ولا خوف عليها من المنافسة الأجنبية بعد ان اكتسب المصريون خبرة حقيقية في هذا المجال وأصبح هناك العديد من المشروعات المصرية القادرة على انتاج سيارة مصرية عالية الجودة. وأشار سعودي ان مصر بها أكثر من 16 شركة لتصنيع السيارات يعمل بها أكثر من 20 ألف عامل تنتج جميع أنواع السيارات باستثمارات تزيد على ستة مليارات جنيه وبطاقة انتاجية متاحة تزيد على 215 ألف وحدة سنويا يستغل منها حاليا ما نسبته 27% فقط وقال ان من بين عوامل دعم تلك الصناعة والتي مكنتها من تحقيق النجاح الكبير الذي نلمسه الآن هو قرار الرئيس مبارك بعدم تخفيض الجمارك على السيارات الواردة بهدف حماية الصناعة الوطنية التي تستوعب عمالة ضخمة, والحفاظ كذلك على الموارد السيادية التي تؤمن الخدمات والمرافق الأساسية للمواطن, كما ان هناك مفاوضات مع الحكومة المصرية لدعم هذه الصناعة باعتبارها من الصناعات الوليدة كي تأخذ الحماية الكافية خاصة انه يمكنها توفير نحو 100 ألف فرصة عمل منها 40 ألف فرصة في قطاع صناعة السيارات و 60 ألف فرصة في الصناعات المغذية لها . واختتم سعودي حديثه قائلاً: مما سبق يتضح لنا ان صناعة السيارات في مصر تشهد حالة من الرواج وليس العكس, وان ما يشاع حول تدني حجم مبيعات السيارات المحلية الصنع لا أساس له من الصحة, فكيف يهبط حجم البيع في السوق الداخلي في الوقت الذي بدأت فيه حركة التصدير للانتاج المحلي من السيارات تتجه نحو الزيادة المضطردة. مخاوف بنكية وعلى الرغم من تأكيدات رئيس رابطة مصنعي السيارات الدكتور سعودي من عدم وجود ركود في سوق السيارات المصرية, إلا ان هناك العديد من الآراء الأخرى التي تؤكد ان السوق تعاني من حالة ركود واضحة, ولم تفلح حتى الآن جهود عدد من أصحاب وكالات السيارات في المحاولة التي طرحوها منذ أكثر من عامين والخاصة بالاتفاق مع البنك الأهلي على انشاء شركة لتمويل شراء السيارات في مصر برأسمال 100 مليون جنيه وذلك بالاتفاق مع احدى شركات التأمين لتغطية مخاطر عمليات التمويل, وحتى الآن لم تر هذه الفكرة النور, وعاد الأمل مرة أخرى خلال الأيام القليلة الماضية وطرحت الفكرة مجددا وما زالت في اطار الدراسة. وفي هذا الصدد يؤكد أحمد أبوبكر عضو لجنة السياسات بالبنك الأهلي ومدير عام قطاع الائتمان ان البنك يعمل في هذا النوع من عمليات التمويل بالفعل لكن في اطار محدود للغاية تخوفا من المشاكل التي قد تنجم عن مثل هذه العمليات, خاصة وان هناك العديد من البنوك أصابها ضرر بالغ من الخوض بافراط في عمليات بيع السيارات بالتقسيط, ويقوم البنك بتمويل عملية الشراء بنسبة لا تتجاوز 60% من اجمالي ثمن السيارة بعد التأكد من أخذ الضمانات الكافية بما فيها السيارة نفسها لضمان جدية السداد خاصة وان أسعار السيارات الجديدة في هبوط متتال منذ مطلع 1996. البنوك مسؤولة من جانبه يؤكد عفت رمضان وكيل شعبة السيارات بالغرفة التجارية بالقاهرة ان توقف البنوك عن تمويل عمليات بيع السيارات بالتقسيط أضر كثيرا بحركة المبيعات ما ألحق خسائر فادحة بالتجار والموزعين وتساءل رمضان عن سر امتناع البنوك عن تمويل شراء السيارات .. مشيرا إلى ان كافة البنوك العاملة في مصر خاصة البنوك العامة الأربعة لديها الخبرة الكافية للتعامل في مثل هذا النوع من العمليات بما يضمن لها حقوقها دون تخوف, ومن ثم فإن البنوك هي المتسبب الرئيسي في حالة ركود المبيعات الحالية. ويختتم عفت رمضان حديثه قائلاً: ادى امتناع أو أحجام البنوك عن عمليات تمويل شراء السيارات في الفترة الأخيرة إلى خسائر ضخمة لأصحاب الوكالات, فبعد ان كان السوق المصري يستوعب سنويا أكثر من 50 ألف سيارة بقيمة اجمالية تصل إلى ستة مليارات جنيه سنويا, أدت حالة الركود الأخيرة إلى زيادة حجم المعروض من السيارات بنسبة 40% ليصل اجمالي حجم السيارات المعروضة إلى أكثر من 75 ألف سيارة وذلك في الوقت الذي هبطت فيه عمليات الشراء بنفس النسبة تقريبا ليصل اجمالي السيارات المباعة سنويا حوالي 30 ألف سيارة فقط بفارق 15 ألف سيارة عن مبيعات 1995, 1996 حيث شهد السوق رواجا في تلك الفترة. من جهة أخرى شكك صلاح عطية مدير عام الائتمان ببنك اسكندرية التجاري البحري في امكانية انشاء شركة بين وكلاء السيارات في مصر والبنوك لتمويل عمليات شراء السيارات.. مؤكدا ان تضارب المصالح بين وكالات السيارات والتجار ومصانع الانتاج المحلي ستقف عائقا أمام انشاء مثل هذه الشركة, فالكل يتنافس للفوز بأكبر شريحة ممكنة من السوق, فكيف يتم الاتفاق؟! وارجع عطية انخفاض أسعار السيارات المستوردة في مصر إلى قيام عدد كبير من التجار بشراء السيارات لحسابهم الخاص من دول الخليج بأسعار تقل عن الأسعار المعروضة بها في الوكالات بمصر مما ألحق ضررا بالغا بأصحاب تلك الوكالات لتنخفض أرباحهم بنسبة تجاوزت الـ 50%. وحول أحجام البنوك عن تمويل عمليات شراء السيارات في مصر أرجع عطية السبب إلى ضعف الدراسات الائتمانية التي تعدها البنوك لتمويل هذه العمليات .. مشيرا إلى ان كافة بنوك مصر توقفت بصورة شبه كاملة عن عمليات التمويل باستثناء بنك ناصر الاجتماعي وبنك اسكندرية التجاري البحري اللذين يعملان حتى الآن في مثل هذا النوع من التمويل على سيارات الملاكي فقط وأن نسبة التعثر في سداد القروض لم تتجاوز 1% وتحسبا لمخاطر هذا النوع من التمويل فإن البنك يرفع مقدم السيارة إلى 35% ويكتفي بتمويل 65% من قيمة السيارة على ألا تتعدى هذه النسبة مبلغ 75 ألف جنيه. عمليات تمويل بدون دراسة وحول الأسباب التي أدت إلى خسائر بعض البنوك من عمليات التمويل لشراء السيارات أوضح عطية ان الفترة الماضية شهدت عمليات مكثفة على عمليات التمويل من هذا النوع وكانت بعض البنوك تقوم بها دون دراسة كافية وذلك بالاضافة إلى ان عمليات التمويل لشراء أنواع معينة من السيارات هي التي كانت السبب الرئيسي لخسائر البنوك مثل موجة بيع سيارات (الميكروباص) بالتقسيط, التي كان يصل سعرها إلى أكثر من 180 ألف جنيه وكان القسط الشهري للسداد يتراوح بين 2500 و 3000 جنيه, فكيف يمكن لشخص لا يحمل أية ضمانات سوى بطاقته الشخصية والحجز على السيارة ان يسدد هذا المبلغ شهريا ومع تعثر السداد بدأ الحجز على عدد كبير من السيارات المباعة ثم بيعها بثمن أقل بكثير عن الثمن الأصلي لها لسداد مستحقات البنك, وهو ما أوجد أيضا هبوطا لأسعار السيارات في مصر في فترة ما. هبوط أسعار جديد وخلال الأشهر القليلة الماضية شهد سوق السيارات المصري حالة من الصراع وحرب الأسعار بصورة لم تلاحظ من قبل إلى حد تدنت فيه أسعار السيارات الجديدة تحت المستويات المعهودة لها, فبعد ان كان أقل سعر سيارة جديدة في مصر يتراوح بين 30 و 35 ألف جنيه وذلك عام 1994 أصبح الآن يصل إلى 23.500 ألف جنيه مثل السيارة ماروتي التي تنتجها شركة سوزوكي ايجيبت, وبالنسبة للسيارات الفاخرة كسيارات الدفع الرباعي بعد أن كان السعر يبدأ من 90 ألف جنيه هبط السعر ليصل إلى ما دون 48 ألف جنيه مثل السيارة تريوس التي تعرضها شركة دايهاتسو في مصر حاليا, وكذلك الحال بالنسبة للسيارات اليابانية الصنع والتي كانت تعتبر من سيارات القمة خلال فترة الثمانينات في مصر حيث تدنى السعر بصورة لم يشهدها من قبل حيث هبط سعر أقل سيارة يابانية من مستوى 80 ألف جنيه ليصل إلى 45 ألف جنيه مثل الطراز الجديد الذي تعرضه تويوتا حاليا من نوع تيرسل, إلا ان هناك بعض أنواع السيارات التي مازالت تحتفظ بسعرها إلى حد كبير مثل السيارات الألماني بأنواعها المختلفة من مرسيدس وبي ام دبليو, وفولكس فاجن بطرازاتها المختلفة, والتي تلقى رواجاً كبير في السوق المصري حاليا مثل طراز (ايبيزا) والذي يصل سعره حاليا إلى أكثر من 45 ألف جنيه. المستعمل أكثر رواجا أما بالنسبة لأسواق السيارات المستعملة فهي السوق الأكثر رواجا حيث رخص السعر وتتركز غالبا حول نوعيات معينة مثل الفيات بأنواعه, فهناك طلب متنام حتى الآن على السيارة 132, 131 وتلقى رواجا شديدا ويتراوح سعرها وفق حالتها بين 12 و 25 ألف جنيه بالنسبة لفيات 132, وبين 9 آلاف و 20 ألف بالنسبة لفيات 131, وكذلك الحال بالنسبة للسيارات فيات طراز 127 فهي السيارة الأكثر رواجا في السوق من حيث السعر وتوافر قطع الغيار واقتصادية في الوقود ويتراوح سعرها بين 8 آلاف و 14 ألف جنيه ولا يزيد على 15 ألف جنيه, وهناك طلب قوي على السيارات اليابانية موديل الثمانينات حيث يتراوح سعر السيارة المازدا من طراز 323 بين 25 و 35 ألف جنيه, كما يصل سعر السيارة طراز (كريسيدا) من 28 إلى 45 ألف جنيه , وبالنسبة للسيارات المرسيدس ابتداء من موديلات 1988 وحتى 1992 فما زالت تحتفظ بسعرها المرتفع نسبيا, حيث يصل سعر السيارة المرسيدس 230 من 90 ألف إلى 125 ألف جنيه وفق الحالة وسنة الانتاج, وتتنوع أنواع وحالة السيارات في سوق المستعمل المصري حاليا, فمن الممكن ان تشتري سيارة بسعر يبدأ من 4 آلاف جنيه مثل السيارة (سيات) أو بأقل من ذلك مثل السيارة فيات 126 ومن الممكن ان تشتري سيارة تتجاوز الـ 200 ألف جنيه مثل السيارة مرسيدس (الشبح) أو (أم عيون جريئة) . القاهرة ــ البيان ــ أحمد صفي الدين