أكدت دراسة حديثة ان العقوبات الدولية المفروضة على العراق أحدثت شللا تاما في عملية تطوير صناعة الهايدروكاربون العراقية , وخلفت ضررا بالغا في الصناعة في كل من إيران وليبيا. يجدر بهذا الصدد أن نذكر أن العراق وإيران من بين الدول الخليجية الخمس الكبرى التي يفترض أن تلبي المتطلبات الاجمالية العالمية من منتجات الهايدروكاربون بحلول فترة 2010 ــ 2020. وقالت الدراسة التي أعدها د. نقولا سركيس مدير المركز العربي لبحوث النفط والغاز ان العراق ظل يعاني طيلة هذه الفترة التي ناهزت على ثماني سنوات, وحتى الآن من العقوبات الدولية. ولم تقتصر أضرار العقوبات على تجميد عملية تطوير احتياطاته الهائلة من النفط المخزون, بل أدت إلى تدهور مريع في امكانياته ومنشآته الحالية وتراجع حاد في قدراته على انتاج وتصدير النفط. فقد تم عام ,1989 وهي السنة التي سبقت أزمة الخليج رفع طاقة انتاج النفط العراقي إلى أربعة ملايين برميل يوميا, وكان من المقرر مواصلة رفعها لتصل إلى 4.5 مليارات برميل يوميا عام 1990. قدرة العراق وأما حاليا, فإن السلطات العراقية تقدر طاقة البلاد الانتاجية بحوالي ثلاثة ملايين برميل يوميا. الا ان تقريرا أعدته مجموعة من خبراء الأمم المتحدة ورفعته إلى مجلس الأمن الدولي في ابريل من عام 1998 يرسم صورة قاتمة لمرافق النفط العراقية ويثير شكوكا كبيرة حول قدرة العراق الفعلية على رفع طاقته الانتاجية إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا خلال الشهور المقبلة. ويرى هؤلاء الخبراء انه ينبغي استيراد الكثير من المعدات على الفور حتى يتمكن العراق من رفع طاقته من 2.3 مليون برميل يوميا في الآونة الراهنة إلى 3.5 ملايين برميل يوميا خلال فترة الشهور الثمانية عشر المقبلة. وتقدر النفقات الرأسمالية التي يتطلبها تحقيق هذا الهدف بحوالي مليار دولار. وفي استطاعة العراق بفضل ما يكتنزه من احتياطي ثابت يصل إلى 112 مليار برميل نفط على الأقل, أي ما يعادل 11% من اجمالي الاحتياطي العالمي, وما يحتويه من العديد من الحقول النفطية الضخمة التي لم تبدأ انتاجها بعد, أن يرفع طاقته الانتاجية إلى ما يزيد على ستة ملايين برميل يوميا خلال ثماني أو عشر سنوات بعد رفع العقوبات عنه. وسوف يسهم بذلك وبشكل كبير في تلبية النمو المتوقع في الطلب العالمي على النفط في السنوات المقبلة. النفط الإيراني وقالت الدراسة لقد وصل معدل انتاج النفط الإيراني إلى 3.63 ملايين برميل يوميا عام ,1997 ويمثل هذا المعدل 69.2% فقط من مستوى انتاجها لعام 1978 (5.24 ملايين برميل يوميا), أي قبيل قيام الثورة الإسلامية مباشرة, و60.12% من أعلى معدل انتاج لها على الاطلاق, الذي بلغ 6.02 ملايين برميل يوميا عام 1974. فخلال عهد الشاة تبنت السلطات الإيرانية فكرة مفادها انه من أجل حفظ وصيانة ثروة البلاد من حقول النفط, فإن على ايران ألا تسمح للانتاج الوطني من النفط أن يتعدى ثمانية ملايين برميل يوميا. وفي أعقاب الحرب الإيرانية ــ العراقية وفرض الحظر الأمريكي هبط انتاج إيران النفطي بشكل حاد وأصبح الآن لا يتجاوز 3.74 ملايين برميل يوميا, تسهم الحقول البرية بحوالي 3.22 ملايين برميل منه والبحرية بحوالي 520 ألف برميل يوميا. ووفقا لمصادر مستقلة, فإن إيران تحتاج لاستثمار ما بين 29 إلى 33 مليار دولار على مدى الفترة من 1998 وحتى عام ,2010 وذلك لتتمكن فقط من الحفاظ على مستوى انتاج يبلغ 3.6 ملايين برميل يوميا, حتى أن بعض المسؤولين الإيرانيين حذروا من انه إذا لم تتم المبادرة إلى تطوير الطاقة الانتاجية الجديدة في الوقت المناسب, وأبدوا قلقهم من انه إذا واصل الاستهلاك المحلي نموه بالمعدلات العالية التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة فلن يتبقى لديها من النفط ما تصدره بحلول الأعوام 2010 ــ 2012. رفع العقوبات وفي إيران كما في العراق, فإن رفع العقوبات الدولية شرط أساسي مسبق لابد من توفره حتى يتمكن هذا البلد من تطوير احتياطيه من النفط الذي يقدر بحوالي 93 مليار برميل ويمثل حوالي 10% من اجمالي الاحتياطي العالمي. ومن ناحية أخرى, فإن العقوبات تحول دون تطوير احتياطي إيران الهائل من الغاز الذي يقدر بحوالي 21 ألف مليار متر مكعب (15% من اجمالي الاحتياطي العالمي). ويصل انتاج ايران من الغاز الطبيعي الذي يتم تسويقه 39 مليار متر مكعب سنويا في الوقت الحاضر وهي كمية تعادل تقريبا الاستهلاك المحلي للبلاد. فإذا أخذنا في الاعتبار ان حقل بارس الجنوب يبدأ ضخ انتاجه حتى يونيو من عام ,2001 فإن على ايران أن تبدأ ولأول مرة في تاريخها باستيراد الغاز الطبيعي. استيراد الغاز وتستورد إيران حوالي 200 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا من تركمانستان لكي تغطي من جهة احتياجاتها المحلية ولتتمكن من البدء بتصدير الغاز إلى تركيا العام المقبل. وفي الواقع العملي, من المقرر أن تشرع إيران بتصدير ثلاثة مليارات متر مكعب سنويا من الغاز إلى تركيا عام ,1999 ومن المزمع رفع هذه الكمية إلى عشرة مليارات متر مكعب سنويا بحلول عام 2005. هناك العديد من مشاريع التصدير قيد البحث وتنفيذها رهن بالشروط التي تفرضها إيران والامتيازات التي تمنحها لشركات المقاولات الأجنبية أولا, كما هي رهن بسياسة العقوبات والحظر الأمريكي. وعلى وجه العموم, فإن إيران تأمل أن تصل إلى وضع يمكنها من تصدير 4.5 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا بحلول عام 2000 وأكثر من 42.5 مليار متر بحلول عام 2005. وهذا الطموح يتطلب استثمارا يبلغ 16.5 مليار دولار يتم توظيفه من الآن وحتى تلك المواعيد التي سبق ذكرها. وفضلا عن العقد الموقع مع تركيا في أغسطس من عام ,1996 فإن مشاريع تطوير الغاز الايرانية الأخرى تشمل امداد اليابان بالغاز الطبيعي المسيل والتصدير إلى باكستان والهند والعديد من الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق عبر شبكات أنابيب الغاز, علاوة على التصدير إلى أوروبا الغربية. اتفاقات مستقبلية ومن المستبعد أن تأخذ كل هذه المشاريع طريقها إلى حيز التنفيذ ضمن اطار الجدول الزمني الموضوع. غير ان من المؤكد أن لدى إيران من الاتفاقيات ما يمكنها من أن تصبح قوة ضخمة في انتاج الغاز في السنوات المقبلة. وفي الحقيقة فإن كمية الـ 140 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي التي سوف تنتجها شركة توتال وفقا لشروط عقد استغلال الحقول الذي يمتد سبع سنوات, لا تمثل سوى 1.8% من الاحتياجات الثابتة لحقل بارس الجنوب, ونحو 0.6% فقط من اجمالي احتياطي البلاد من الغاز. ولقد عظمت العقوبات الأمريكية على إيران من أهمية ذلك وجعلته بمثابة انفراجة كبيرة في إيران يمهد لها السبيل لابرام اتفاقيات مع شركات دولية أخرى مثل ألف اكيتين واي ان اي, لتنفيذ مشروع دورول لتجميع الغاز وضخه, ومع شركة رويال دتش شل, وغاز بروم أو بي اتش بي بتروليوم لتصدير الغاز من بارس الجنوب, كجزء من الجهود الهادفة إلى تطوير موادها الهائلة من الغاز. ليبيا حافظ انتاج النفط الليبي على ثباته عند مستوى 1.4 مليون برميل يوميا على مدى السنوات الخمس الماضية. وهذا في الحقيقة هو المعدل الأقصى الذي بلغه انتاجها, لذا فإن هذا المستوى يمثل أقل من نصف مستوى الذروة التاريخية على الاطلاق التي وصلها انتاجها عام 1970 وهو 3.32 ملايين برميل, كما انه أقل بحوالي 30% عن مستوى 1.83 مليون برميل يوميا لعام 1980. وكانت المؤسسة الوطنية للنفط (ان أو سي) قد وضعت لنفسها هدفا أوائل التسعينات يتمثل في تطوير طاقتها إلى مليوني برميل يوميا بحلول عام 1994. إلا انها عجزت إلى حد بعيد عن تحقيق هذا الهدف, وليس من المحتمل أن تتمتع بالقدرة على تحقيقه في المستقبل المنظور, ويكن السبب الرئيسي في هذا في العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عام 1986. إذ أن نشاطات التنقيب والتطوير قد تباطأت بصورة مذهلة منذ ذلك التاريخ, وتقلص عدد منصات الحفر العاملة من 34 منصة عام 1985 إلى 13 فقط في عام ,1995 و20 منصة في 1995 ــ ,1997 في حين هبط العدد السنوي للآبار التي يتم حفرها بغرض التنقيب أو التطوير من 118 بئرا عام 1984 إلى 31 بئرا فقط عام ,1987 وذلك قبل أن تعاود الارتفاع إلى 88 عام 1995 بنتيجة اتفاقيات تم ابرامها مع العديد من الشركات الأمريكية. وإذا تطرقنا إلى الغاز الطبيعي, فإن ليبيا لا تصدر سوى ما يصل معدله إلى 1.5 مليار متر مكعب منه سنويا, رغم احتياطيها الضخم الذي يبلغ 1312 مليار متر مكعب. ومشروع تطوير غاز غرب ليبيا الرامي إلى تصدير حوالي ما بين ثمانية إلى عشرة مليارات متر مكعب من الغاز سنويا إلى ايطاليا ووسط أوروبا ابتداء من عام 2000 مهدد بالتأخير بنتيجة الحظر الأمريكي والعقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة على مبيعات معدات تطوير النفط والغاز إلى ليبيا. اعداد : كمال البيطار