شهدت سوق الأسهم المحلية تطورات دراماتيكية في الأشهر التسعة الماضية, حيث مرت السوق بارتفاعات وانخفاضات مفاجئة وكبيرة خلال فترة زمنية قصيرة, مما ترك آثارا على الأوضاع الاستثمارية في الدولة من جهة وعلى الكثير من المستثمرين, وبالأخص صغار المستثمرين من جهة أخرى . ففي بداية شهر يناير الماضي ,1998 بلغت القيمة السوقية للشركات المساهمة التي يتم تداول اسهمها في السوق المحلية 95 مليار درهم, ارتفعت خلال ستة أشهر الى 128 مليار درهم في شهر يوليو, ثم قفزت الى 182 مليار درهم وبنسبة 42% في نهاية شهر اغسطس ,1998 أي خلال شهر واحد فقط. أما في نهاية شهر سبتمبر الماضي, فقد انخفضت القيمة السوقية للاسهم الى 161 مليار درهم وبنسبة 12% تقريبا مقارنة بقيمتها في شهر اغسطس 1998 جاء ذلك في دراسة أعدها مصرف الامارات الصناعي. وتصل القيمة السوقية للأسهم المحلية في الوقت الحاضر حسبما ذكرت الدراسة الى عشرة أضعاف القيمة الاسمية لهذه الاسهم والتي تبلغ 16.6 مليار درهم. وتتوزع القيمة السوقية للأسهم المحلية على القطاعات الرئيسية بنسب متفاوتة, إذ يستحوذ قطاع المصارف على أكثر من نصف هذه القيمة وبنسبة تصل الى 51%, يليه قطاع الخدمات بنسبة 44% ومن ثم قطاع التأمين بنسبة 5% من القيمة السوقية للاسهم المتداولة في السوق المحلية. أمر استثنائي وتبين تجارب أسواق الأسهم في العديد من بلدان العالم امكانية تضاعف القيمة الاسمية لاسهم الشركات بهذه الصورة الكبيرة خلال فترات زمنية متفاوتة, الا ان الارتفاع الكبير في أسعار الأسهم في الدولة والذي حدث خلال فترة زمنية قصيرة يعتبر امرا استثنائيا, ساهمت في حدوثه العوامل الموضوعية والمالية التالية: ويكمن أحد أهم العوامل الموضوعية في ثقة المستثمرين بالتوجهات الاقتصادية للدولة وبقوة الاقتصاد الوطني الذي حقق نتائج ايجابية في العقدين الماضيين, إذ تستند هذه الثقة الى ما يبررها من عناصر اقتصادية, وبالأخص اعتماد الدولة على ثروة نفطية هائلة وعلى انتهاج سياسة اقتصادية تتيح للقطاع الخاص والشركات المساهمة امكانيات كبيرة للنمو والتطور في المستقبل. وتشير البيانات المتوفرة الى ان الناتج المحلي الاجمالي للدولة حقق نسب نمو ثابتة بلغت 7% في المتوسط خلال السنوات العشر الماضية, كما حدث تغير هيكلي لصالح زيادة مساهمة القطاع غير النفطي والتي تبلغ في الوقت الحاضر 65% تقريبا من اجمالي الناتج المحلي في الدولة. توفر سيولة نقدية كبيرة تفوق الامكانيات الاستثمارية التي طرحت من خلال الشركات المساهمة, مما دفع بالكثير من المستثمرين بعيدي النظر الى توظيف جزء هام من استثماراتهم في الشركات الجديدة. الدعم الحكومي الكبير الذي حازت عليه الشركات المساهمة, مما اكسبها ثقة المستثمرين بكافة فئاتهم. عوامل مؤقتة وإذا ما استثنينا هذه الجوانب الإيجابية, فان هناك عوامل أخرى سلبية ومؤقتة أثرت على حركة التداول في سوق الأسهم المحلية, حيث تتمحور هذه العوامل حول النقاط التالية: عمليات المضاربات الواسعة والتي قادتها في بعض الأحيان مؤسسات مالية تملك امكانيات كبيرة, مما ترك آثارا سلبية على سوق الأسهم المحلية بشكل عام. وإذا كانت المضاربات مسألة واردة في كافة الأسواق المالية في العالم بشكل عام, الا ان المضاربات الأخيرة في سوق الأسهم المحلية خرجت عن نطاق السيطرة في بعض الأوقات, مما كبد بعض صغار المستثمرين, وبالأخص من لايملك منهم (قوة الانتظار) Holding Power خسائر يصعب تغطيتها بقدراتهم المالية الذاتية في الوقت الحاضر. تأثر سوق الأسهم في الدولة بالتطورات المالية الاقليمية وبحركة رؤوس الأموال في منطقة الخليج والقارة الهندية, ففورة الأسهم الأولى في بداية الصيف تأثرت كثيرا بالنتائج المالية الناجمة عن التجارب النووية في كل من الهند وباكستان, حيث قدمت الى الدولة رؤوس أموال كبيرة لم تجد المنافذ الاستثمارية اللازمة, أما انحسار سوق الأسهم في الأزمة الأخيرة, فقد تأثرت الى جانب العوامل الداخلية, بعامل خارجي هام تمثل في الاكتتاب في سندات الحكومة الهندية, حيث جمعت الحكومة الهندية أربعة مليارات دولار, تم تحصيل نصفها, أي مليارين من الدولارات من منطقة الخليج, منها مليار دولار (3.67 مليارات درهم) من دولة الامارات. وبالتأكيد فقد أثر هذا العامل المؤقت في حجم السيولة المحلية, وساهم الى جانب العوامل الأخرى في انحسار المعاملات في أسواق الأسهم بالدولة, وذلك على الرغم من ان وضع السيولة المحلية ما زال مطمئنا, إذ ما زالت السوق المحلية تتمتع بسيولة هامة تبحث عن امكانيات استثمارية ثابتة ومضمونة. أدى غياب المعلومات من مصادرها الصحيحة الى انتشار الشائعات التي ساهمت في زيادة معاملات المضاربة, وبالتالي اتخاذ القرارات الاستثمارية في الأسهم على أسس غير سليمة في الكثير من الأوقات. استقرار السوق وقالت دراسة المصرف التي نشرت في العدد الأخير من صحيفة (مصرف الامارات الصناعي) انه على الرغم من ذلك, الا ان سوق الأسهم المحلية بدأت في الاستقرار حول معدلات معقولة تتناسب وأوضاع الشركات المساهمة وأوضاع المستثمرين بعيدي النظر, حيث يتوقع أن تتجاوز سوق الأسهم المحلية في الأسابيع المقبلة بعض الجوانب السلبية التي رافقت نموها كسوق ناشئة يتطور دورها باضطراد. وسيفتح ذلك امكانيات واسعة لمساهمة الشركات الجديدة في تطوير العديد من القطاعات الاقتصادية, وبالأخص في مجال الأعمار والصناعة والخدمات المالية, مما سيؤدي الى تطوير القطاعات الاقتصادية غير النفطية والتي تأثرت أنشطتها مؤقتا في هذا العام بسبب حمى سوق الأسهم, حيث يتوقع أن تشهد هذه القطاعات نشاطا ملحوظا في السنوات المقبلة من خلال زيادة استثمارات القطاع الخاص من جهة ودخول استثمارات جديدة من خلال الشركات المساهمة من جهة أخرى, مما سيترك آثارا ايجابية على مجمل النمو الاقتصادي في الدولة ككل.