هل تصبح الأزمة المالية كونية بعد ان كانت محصورة في بلدان آسيا؟ هذا السؤال يطرحه كبار الخبراء الاقتصاديين الدوليين في الوقت الحاضر لمناسبة اجتماع وزراء المالية للدول السبع المصنعة والغنية(جي 7)في واشنطن , وقبل أيام من انعقاد اجتماع صندوق النقد العالمي في السادس من اكتوبر الجاري, فالمستثمرين اعتقدوا خطأ بأنهم وجدوا ملاذهم الآمن في أوروبا والولايات المتحدة. الخبراء ابتدعوا مصطلح (تأثير الفراشة) , حيث ان حركة أجنحة الفراشة في بكين يمكن ان تنتقل بعد شهر وتتحول هذه الحركة الهادئة للفراشة الى عاصفة هوجاء في نيويورك! انها بلا شك صيغة تصويرية لحركة الأزمة المالية الطاحنة في العالم اليوم.. وفي هذه الأيام بالذات. ان تصريحات أحد المسؤولين في صندوق النقد العالمي (اف.ام.آي) ورسمه لسيناريو تشاؤمي جعل البورصة العالمية تهتز وتتخوف من المصير الذي ينتظرها على شاكلة ما حصل في بلدان آسيا إذ ان بورصة باريس فقدت 17.4% (استعادت 04.0%) بينما ظلت البورصة الاوروبية تتسارع في الانخفاض, فرانكفورت فقدت 27.2%, وول ستريت 94.2%. وجاءت هذه المخاوف لتضاف اليها الخيبة التي سببها تخفيض معدلات ونسب الفائدة في الولايات المتحدة, وذلك على اثر تحذيرات الشركات الامريكية حول نتائج انتاجها وأرباحها. فقد كشف صندوق النقد العالمي بالأمس في واشنطن غير احصائياته الأخيرة بصدد (الآفاق الاقتصادية العالمية) , حيث أكد مجددا على ضرورة الاستعادة الجذرية لكل توقعاته وتخميناته بالنسبة لمعدلات النمو العالمية والتي قدرها احصائيا بــ 2% في عام ,1998 و5.2% لعام ,1999 اذا ما سارت الأمور على ما يرام وهو لا يقدم أي ضمانات مؤكدة لذلك, لأن معدلات النمو خاضعة لتغييرات الظروف المفاجئة كما حصل لبلدان آسيا التي عصفت بها الازمة المالية مؤخرا. وهذه الدول ومن ضمنها اليابان, نتيجة لتفاقم الأزمة المالية, لم تخف مخاوفها وقلقها مما دفعها الى طلب النجدة من بلدان أوروبا والولايات المتحدة, وذلك للتخفيف من سياساتها المالية والنقدية. ما هي سمات الأزمة المالية التي تهدد أوروبا والولايات المتحدة في الوقت الحاضر ومتى بدأت؟ منذ 17 سبتمبر الماضي, قام المدير العام لصندوق النقد العالمي ميشيل كامديسو بالتحذير على صفحات الــ (فايننشال تايمز) بأن خبراءه اعتمدوا على نسبة 2% لمعدل النمو هذا العام, بدلا من 1.3 % العام الماضي. نشرت الاحصائيات في مايو الماضي, أي انهم الآن يراهنون على زيادة نصف درجة أو نقطة لعام 1999 مقابل تكهنات نسبة 7.3% منذ ستة شهور. ويؤكد اقتصاديو صندوق النقد العالمي بأن الظروف الاقتصادية والمالية قد تدهورت في غضون الشهور الاخيرة. ما هي النتائج؟.. هل يصاحب الاقتصاد العالمي بحالة ركود وانحسار؟ ميكائيل موسى المستشار الاقتصادي ومدير الابحاث في صندوق النقد العالمي لا يرى ذلك, إذ يؤكد بأن معدلات انتاج المواد الخام في العالم لم تتغير منذ ثلاثين عاما وإذا ما كان معدل النمو يساوي أو يقل عن 1% فهو يعبر عن حالة الركود الاقتصادي الا اننا لم نصل بعد الى هذه الحالة. ويرى (صندوق النقد العالمي) بأن الصين وصلت الى معدل نمو يساوي 5.5% الا انه غير قادر على تحقيق نسبة 8% من معدل النمو حيث وضعت الحكومة الصينية هذا المعدل هدفا تسعى الى تحقيقه. كما ان عام 1999 يحدد ببطء الاقتصاد الامريكي حيث ان الولايات المتحدة تمتص ايضا نسبة كبيرة من الازمة الآسيوية تحت شكل تفريغ الافلاس الجاري الذي سيجتاز الــ 290 مليار دولار في العام المقبل. وإذا ما اختل هذا التوازن فإن قيمة الدولار ستتدهور وفي هذا الاتجاه تصبح أوروبا وخاصة البلدان التي تستخدم عملة (الاورو) قطب الاستقرار بالنسبة للاقتصاد العالمي. لذلك على بلدان أوروبا والولايات المتحدة ان تسلك سياسة مرنة, في المجال المالي والاقتصادي, من خلال تخفيض نسب الفوائد, بمعدل 0.25 نقطة أو درجة اي من 5.50% الى 5.25% حول الاعتمادات الفيدرالية. ومن الطبيعي ان (صندوق النقد العالمي) يدافع عن سياسته في آسيا من خلال توازن الميزانية, وهو يطالب الدول التي يمثل انتاجها للمواد الخام 90% في المعدل العالمي ان تسلك سياسة مالية مناسبة ومعقولة. وقد سعى (صندوق النقد العالمي) الى فرض توازن الميزانية على كل من تايلاند وكوريا وأندونيسيا حيث يرخصها بالاعلان عن العجز في ميزانيتها بنسبة 4,3 و8.5% من انتاج الخام. اما اليابان فهي مصرة على ان تلعب دور القيادة في الازمة الآسيوية, اذ ان وزير المالية الياباني كيشي ميازاوا, أعلن بأنه يقترح على مجموعة الدول السبع المصنعة التي اجتمعت امس تقديم دعم مالي قدره 30 مليار دولار الى الدول الخمس الاعضاء في (رابطة بلدان الجنوب شرق آسيوية) وهي تايلاند, وماليزيا, والفلبين, وسنغافورة وأندونيسا وتمنى وزير المالية الياباني ان يثمن الآخرون هذه المبادرة. ومن المعروف ان اليابان هو البلد الوحيد القادر على تقديم هذا النوع من الدعم. والدعم الياباني يأخذ اشكالا عديدة: الديون التجارية المضمونة بلا أرباح من بنك التصدير والاستيراد الياباني, والقروض المباشرة بعملة (اتين) أو بالعملة الصعبة من الحكومة اليابانية. ويهدف هذا الدعم الى تمويل وإعادة بناء الشركات الجنوب شرق آسيوية من اجل تقديم الحماية الاجتماعية وحسب معطيات (صندوق النقل العالمي) فإن الركود الاقتصادي في الدول الرئيسية لــ (رابطة بلدان الجنوب شرق آسيوية) قد اجتاز نسبة الــ 10% في عام 1998. وناشد وزير المالية الياباني الدول السبع المصنعة ان تتخذ تدابير اقتصادية مشابهة. باريس ــ شاكر نوري