تواجه الاسماء التجارية الشهيرة في عالم العطور العربية والهندية الاصيلة, منافسة عنيفة على صعيد الاسواق المحلية, وخصوصا في (دبي) التي تتعامل مع التجارة انطلاقا من مبدأ توفير كافة البضائع والمستلزمات المتباينة الاستعمالات لجمهور المستهلكين, وذلك من خلال وجود سلع عديدة في الاسواق تتناسب مع كافة الامكانيات المادية فهناك (الماركات) المعروفة التي يحرص على اقتنائها من يقدرونها حق قدرها (اموالهم) وعلى الجانب الآخر يوجد آخرون يفتشون تفتيشا عن السلعة التي يتوافر فيها اكبر قدر من معايير الجودة, والارخص سعرا في نفس الوقت. فأصبح لزاما على محلات عريقة في تجارة العطورات الاصيلة مثل اجمل, الرصاصي, فولاذ والحرمين ان تستعد لمواجهة التحدي التجاري الذي تفرضه عليها المحلات الصغيرة المتناثرة. تنافس قال عبدالباسط تشوردي تاجر من محلات (اجمل) في هذا الصدد: لا انكر ان هنالك تنافسا نشطا ما بين المحلات الكبرى بعضها البعض, في استيراد وتوزيع العطورات وادوات الزينة على مستوى دولة الامارات من جهة, وبينها وبين المحلات الصغيرة من جهة اخرى الا ان ذلك لايعني ان نخشى على زبائننا ان يلجأوا, الى تلك النوعية من البضائع (الرخيصة) في يوم ما, وذلك اننا نعرف جيدا نوعية ذوق الزبون الذي يحرص على اقتناء كل ماهو جيد ومختلف, عن غيره, فلا اتصور ان من اعتاد على التبضع من محلات تضمن له الجودة والعراقة, خصوصا في مسألة تتعلق بالزينة احدى صور الوجاهة, سيفكر فيما هو اقل من ذلك. ويختلف محمد علي في الرأي مع (عبدالباسط) في قوله: ليس بالضرورة ان اتوجه نحو (ماركات) تجارية معروفة في كل مرة احتاج فيها لان اشترى شيئا لي او لاحد افراد اسرتي, لاني مرتبط اساسا بالتزامات اخرى قد تكون اكثر اهمية من التسوق نفسه. ويضيف محمد: ان الناس اذواق بمعنى اني قد افضل بضاعة على اخرى ــ احيانا ــ دون ان انظر الى سعرها اذا استحوذت على اعجابي, ناهيك عن مقدرتك على الحصول مثلا على نوعية مميزة من (العود) او (الدخون) في محل عادي في مظهره الخارجي وبسعر معقول, وتجد ذات السلعة وبنفس المستوى ولكن تصدم, بأن المحل الاكبر يبيعها بأسعار خياليه لمجرد انها تحمل شرف اسم علامة تجارية شهيرة وعند تساؤلنا عن حول امكانية وجود صناعة (للدخون) في الامارات يجيب (محمد) قائلاً: اشتهرت عائلة (لوتاه) ذائعة الصيت بتصنيع (الدخون) تحت اسم دخون لوتاه, حيث تقوم باعداده مع خلطة عصرية معينة تعرف وحدها أسرارها ومن ثم تبيعه, وقد كان يتميز برائحته الزكية التي عرفها أهالي البلاد سابقاً, وحالياً فان نسبة ضئيلة جداً منه تتواجد في الاسواق المحلية نظراً لعزوف الغالبية عن مثل هذه التجارة القديمة في عمرها, والمهنة البسيطة كما نراها للأسف اليوم والتي تحتاج مع ذلك الى خبرة ومهارة في فن (مزج العطور) . ويقترح (محمد علي) وجود جهة معينة يخص نشاطها بالشؤون التراثية, ان تتولى مهمة الدفاع عن تراث الامارات وبعثه للحياة من جديد, قبل ان ينسى الأحفاد كل شيء عن ماضيهم المجيد, بحيث تقوم باعداد وتنظيم دورات التوعية كأهمية المحافظة على الموروثات من عادات وتقاليد قبل ان يجتثها التطبيع الثقافي, وعلى تلك الجهة كذلك أن تدير مسابقات في الميادين التراثية وذلك لتشجيع الاسر القليلة التي تحرص على التراث مثل عائلة لوتاه وغيرها من الأسر فبهذا فقط, قد لا تضطرنا الحاجة الى جلب (الخامات) التي تنعش روح التراث فينا من الخارج. كافة الاحتياجات (مشتاق احمد) ــ أحد العطارين ــ يقول: تحرص المتاجر المتميزة على أن توفر للزبون الخليجي, وخصوصاً الزائر كافة احتياجاته من مستلزمات زينة وعطورات وأنواع شتى من البخور تحت سقف واحد, بدءاً من العود, الدخون ومروراً بالعطورات الهندية والعربية الأصيلة (دهن العود, والمخمرية, الزعفران, العنبر وحتى المسك. ويعطينا مشتاق فكرة مبسطة عن طبيعة تلك (المسميات) التي تبدو غريبة من الوهلة الاولى بالنسبة لغير مستهلكيها قائلاً: أود في البداية ان أنوه بأن (العود) عبارة عن أعواد خشبية تؤخذ من لحاء شجرة ينبت أفخره في الهند له رائحة طيبة عند وضعه في المبخرة, يعتبر العود البضاعة الرئيسية الأولى التي يجب توافرها في اي محل للعطارة, وذلك ان نسبة الاقبال عليه وحده تشكل 80% من مجموع نسبة الاقبال على السلع الموجودة في المحلات بصفة عامة, وينقسم العود بدوره الى انواع عديدة حسب البلاد التي يجلب منها ونذكر أبرزها. 1ــ العود الهندي: وهو الأقل تداولاً في الأسواق العالمية, نظراً لأن الحكومة الهندية اتخذت قراراً منذ فترة بعدم السماح بقطع الأشجار (أشجار العود) حفاظاً على البيئة الهندية. وبالتالي فهو العود الأندر من نوعه, ورائحته هي الأطيب ما بين جميع أنواع العود, ويعد باهظ الثمن, ويعادل سعره ثلاثة اضعاف الاصناف الاخرى. 2ــ العود البورمي: والذي يستورد من بورما, وهو أقل سعراً وجودة من الهندي. 3ــ العود الكمبودي: وهو الأصغر حجماً من النوعين السابقين, ويستورد من كمبوديا. يضيف مشتاق كنظرية عامة تستطيع ان تقول أنه كلما كان حجم العود أكبر, كلما كانت نوعيته أفضل, اي ان هناك علاقة طردية ما بين حجمه ونوعيته, بدليل أن العود الهندي هو المفضل لدى الجميع, وهو الأكبر حجماً والعكس بالعكس. أما بالنسبة (للدخون) وهو عبارة عن خليط من العطورات العربية والمسك ومواد أخرى, تختلف من ذوق وامكانية محل عطارة وآخر, لأن هذا الخليط يعتبر سراً تخبئه المحلات عن بعضها وتتميز به فيما بينها, ويتخذ الدخون من الأقراص المستديرة شكلاً له, وتظل تلك الأقراص العطرة متشربة لكميات كبيرة من العطورات, وتظل لذلك رطبة في الغالب حتى لحظة الاستعمال وتبلغ نسبة الاقبال عليه 15%, والنسبة المتبقية تتوزع على كل من المسك, العنبر, المخمرية وهي عبارة عن نوعية ثقيلة من العطر المشبع تماماً بكافة المواد ذات الرائحة الطيبة القوية, ويميل لونها الى الاحمرار, كانت االمرأة في الامارات قديما تستخدم المخمرية كزينة معطرة تضعها في مفرق رأسها, وتكتفي في هذه الايام باستخدام قطرات منها تضعها خلف الاذن لتبقى طويلا, بعد ان تمسح (المظرب) في (شيلتها) والعباءة. والجدير بالذكر ان (المخمرية) تباع (بالتولة) التي يتراوح سعرها ما بين 25 الى 40 درهما. أما (الزعفران) فيشيع استخدامه في اضافة نكهة طيبة للاطعمة الشرقية المختلفة, وتعتبر ايران البلد المصدر لدولة الامارات من الزعفران وذلك لما يتمتع به من نوعية خاصة,وبعدها يأتي الزعفران الاسباني. مواسم الازدهار وشأن محلات العطارة الصغيرة منها والكبيرة في دولة الامارات, شأن باقي المتاجر اسواق البيع بالجملة والمفرق في التعرض لمواسم شراء وبيع (ساخنة) جدا لحد الاشتعال, ومواسم اخرى تتجمد فيها الحركة التجارية, وتهبط فيها الحرارة تحت الصفر. هذا ما يوضحه (فريد العلم) تاجر من محلات الحرمين يقول: تعتبر العطلات الصيفية ومهرجانات دبي للتسوق بشائر خير بالنسبة لنا ـ نحن تجار العطورات وأدوات الزينة المختلفة, حيث تكثر الاعراس والمناسبات السعيدة الاخرى من خطوبة وعقد قران, التي لا تكتمل الفرحة والوجاهة فيها الا (بصواني) افخر العطور العربية الاصيلة, التي تدور ليتطيب منها جميع المدعوين, و(مرشات) ماء الورد المعطر كذلك, وهنا تخوض محلات العطارة معركة حامية الوطيس في سبيل اجتذاب الزبائن اليها, من خلال جلب اخر الصيحات في (المخلطات) المبتكرة مثل: العنود, رهيب, دلال. ويواصل فريد حديثه: أما عن العمل في اثناء مهرجانات دبي للتسوق وفعاليات مفاجآت صيف دبي 98, فقد بلغ نشاطنا مداه أي بنسبة 100%, وذلك من خلال توافد كافة الخليجيين من دول مجلس التعاون الخليجي الى دبي, وحرصهم على التوجه الينا, حتى يعودوا الى ديارهم محملين بالهدايا الثمينة والبضائع الخاصة جدا الى أسرهم والاصدقاء. والسعوديون هم اكثر الخليجيين اقبالا على شراء العطورات والبخور من الاسواق المحلية ثم القطريون فالبحرينيون. أضف الى جميع تلك المناسبات, لا انسى ذكر مواسم الاعياد, عيد الفطر وعيد الاضحى ويتوسطهما شهر رمضان الكريم كلها مناسبات دينية تتطلب من الناس مراعاتها والاستعداد لها باهتمام معين, حسب العادات والتقاليد التي جبلوا عليها. متسوقة من دولة الكويت الشقيقة ـ موضي سالم ـ تقول: تتمتع المرأة الخليجية بذوق خاص في المحافظة على اناقتها لذلك فهي تدرج (البخور) في قائمة اولويات زينة بيتها فلا أعتقد ان هنالك بيتا خليجيا يخلو من طقم متكامل من العطورات والبخور الطيب. وعن كيفية التعرف على مدى رداءة او جودة العود والدخون تبين (موضي) قائلة: من خلال الخبرة والقدرة على التمييز, يتمكن الزبون عبر حاسة الشم, من التعرف على نوعية العود مثلا, التي يعرضها البائع عليه, فبمقدوره ان يحدد ما اذا كانت جيدة واصيلة ام (مغشوشة) ورديئة. وتختتم موضي حديثها فتقول: احرص على طلبه سنويا تقريبا من دبي خصيصا اثناء مواسم الاعياد ومهرجانات التسوق, فان لم اتمكن من زيارة البلد شخصيا, أوصي احدى الصديقات او القريبات ان تجلب لي معها اثناء عودتها, ويرجع ذلك الى التنوع في الانتاج, والتباين كذلك في الاسعار, الى جانب المنافسة المشتعلة ما بين متاجرة العطارة, الامر الذي يعود على الزبون بالنفع والفائدة,حيث تغدو الفرصة امامه مفتوحة على مصراعيها.