إن مذكرة التفاهم الموقعة منذ شهر بين شركة رويال داتش/شل الانجليزية الهولندية وشركة تكساكو الأمريكية لدمج عمليات التكرير وأنشطة التسويق بينهما تمثل خطوة واسعة إلى الأمام, لن تكون الأخيرة على طريق إعادة هيكلة صناعة النفط الدولية . وهي تأتي قبل مرور شهر على عملية الاندماج الضخمة بين شركتي بريتش بتروليوم وأموكو, والتي أعلن عنها في 11 أغسطس, في خطوة لاحقة للاتفاق بين بريتش بتروليوم وموبيل الموقع في مارس 1996 حول دمج أنشطة التكرير وعمليات التوزيع بالشركتين في أوروبا. وبحساب العمليات الكبرى للاندماج والشراء والتحالف نجد أن نحو 20 عملية ضخمة تمت في هذا السياق خلال العامين الأخيرين بين شركات النفط, وتغطي مجالات واسعة وعريضة بدءا من الخدمات الهندسية وعمليات المسح الجيوفيزيقي والتنقيب وانتهاء بالأعمال البحرية وخدمات الصيانة. والسمة الغالبة لكل هذه الاتفاقات هي التركيز على تحقيق القدر الأكبر من الفائدة من التعاون والتكامل, وتجنب الازدواجية وخفض النفقات لزيادة الربحية. وقد ازدادت حتمية هذا الاتجاه بعد الانخفاض الحاد في أسعار النفط منذ أواخر العام الماضي. لذا, فإن الشركات تحاول استنفاد كل السبل لتعزيز قدراتها التنافسية وترشيد استثماراتها الرأسمالية في صناعة تشهد منافسة شرسة وتطورات تكنولوجية هائلة, بحيث لم يعد هناك مجال بالمرة لأية كيانات ضعيفة. يحدث هذا, بينما هناك غياب كامل وإحجام من جانب المؤسسات النفطية وشركات الخدمات النفطية في الدول المصدرة للبترول عن هذا الإقبال الواضح على كل أنواع المشاركة التي تتسارع وتيرتها في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وكل ما فعلته الدول المصدرة للبترول في المملكة العربية السعودية والكويت, وكذلك في الامارات العربية المتحدة وليبيا وفنزويلا, وإن كان بدرجة أقل, هو شراء حصص في عمليات التكرير والتوزيع في الدول المستهلكة بهدف أساسي يتمثل في ضمان الحصول على منافذ تصدير ثابتة ومستقرة. لكن بصفة عامة في ما يتعلق بالصناعة النفطية, سواء تعلق ذلك بعمليات التنقيب والإنتاج والتكرير والتوزيع, فإن القاعدة العامة في الدول المصدرة هي (كل واحد بمفرده) . وهناك في واقع الأمر سببان أساسيان وراء هذا المسلك, أولهما أن (الأنا) الوطنية والحسابات السياسية المختلفة تدفع كل دولة من هذه الدول لأن تتصرف بمعزل عن الدول الأخرى وبصورة تنافسية حتى مع الجيران. أما السبب الآخر فيتعلق بملكية الدولة للشركات النفطية بها, وهي ما يجعل العملية محكومة بالقيود السياسية والاجتماعية, فضلا عن العوائق الروتينية, المعقدة غالبا. وهكذا, يصبح من العسير بدرجة كبيرة التوفيق بين هذا الوضع والأساس المنطقي الرأسمالي الذي يعلي تماما من قيمة عنصر تعظيم الربحية. وفي ظل هذه الظروف, فإن خفض الكلفة قد يعني عمليا التخلي عن أعداد ضخمة من العاملين وإغلاق بعض الشركات والتخلص من الأنشطة الجالبة للخسائر, وهي أمور تحمل في طياتها مخاطر سياسية واجتماعية عالية. وتكون المحصلة في النهاية صعوبة تخيل إقدام إحدى الشركات الوطنية في هذه الدول المصدرة للبترول على ما قامت به شركة مثل بريتش بتروليوم بخفض عدد العاملين لديها بمقدار النصف منذ العام 1992 وحتى الآن. وحتى في منطقة حيوية للغاية بالنسبة إلى هذه الدول, وهي مسألة إيجاد توافق ضروري بين عمليات الإنتاج والسياسات التسعيرية, نجد أن هذه الدول تواصل السير في اتجاه خاطئ حتى ولو اصطدمت بالحائط, والسبب ببساطة (الأنا الوطنية) . وفيما يتعلق بعمليات الاندماج والاستحواذ والتحالف التي تشهدها الساحة النفطية الدولية, فإن متطلبات هذه العمليات تشمل بصفة رئيسة التحرر الاقتصادي وخصخصة المشروعات التي تملكها الدولة, وهي أمور لا ترغب غالبية الدول المصدرة للبترول الدخول فيها, خاصة عندما تتصل المسألة بعمليات الإنتاج. وإن كانت بعض هذه الدول بدأت مؤخرا تسمح بخصخصة شبكات التوزيع, كما شرعت تفتح باب قطاع التكرير لرؤوس الأموال الخاصة, سواء أكانت محلية أم أجنبية. أما بالنسبة لعمليات التنقيب والإنتاج, فإن الشراكة بصورة أو بأخرى بين مؤسسات الدولة تعتبر بعيدة الاحتمال لفترة طويلة مقبلة.