قبل أيام من الاجتماعات السنوية لصندوق النقدوالبنك الدوليين2/2،350مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر في جنوب شرق آسيا

في نفس الوقت الذي يترسخ فيه مفهوم العولمة الاقتصادية يوما بعد آخر, وفي نفس الوقت الذي يتعاظم فيه دور القطاع الخاص على المسرح الاقتصادي العالمي, يواجه العالم موجات من التوترات الحادة في أسواق المال العالمية وسرعان ما ينتقل شرر الأزمة من دولة الى اخرى . فهل يعني هذا ان المبادىء الاقتصادية قد تغيرت فجأة بين ليلة وضحاها عبر أرجاء العالم بأسره؟ أم ان عنصر عدم الثقة في اقتصاديات بعض الدول قد انتقل بلا تمييز الى جميع الاسواق بلا استثناء؟ من المؤكد ان هناك اختلافات وفروقاً بين أسواق المال المختلفة واقتصاديات الدول المختلفة. ومن ثمة فان اساليب العلاج تعتمد على كل حالة على حدة. بيد أن المحللين الاقتصاديين العالميين يجمعون على وجود مجموعة من الاسباب المشتركة للازمات التي تشهدها اسواق العالم سواء كانت في جنوب شرق آسيا او في امريكا اللاتينية او في روسيا او حتى في الاسواق الاوروبية والامريكية. ويمكن تلخيص هذه الاسباب المشتركة في اتخاذ ممارسات اقراضية غير سليمة ونظام اشرافي مصرفي قاصر وتخبط في تنفيذ القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي مع غياب الشفافية. والذي يهمنا الآن هو معرفة الى أي مدى تأثرت الاسواق العالمية بالأزمة الآسيوية وما هي الدروس المستفادة من الأزمة وكيفية الخروج منها والتعامل معها؟ وهل يصلح التصميم الحالي للنظام المالي العالمي الذي يجلس على قمته صندوق النقد والبنك الدوليان في التفاعل مع معطيات الاقتصاد العالمي والعولمة ونحن على أعتاب الألفية الثالثة؟! الصحراء الافريقية اتخذ تأثير الأزمة الآسيوية على دول منطقة شبه الصحراء الافريقية عدة صور وأشكال وذلك على الرغم من صعوبة التحديد الدقيق لآثار هذه الازمة على معدل النمو الاقتصادي للمنطقة, وبجانب عوامل داخلية اخرى, فان الازمة أدت الى ارتفاع عجز الحساب الجاري الخارجي المتوقع بمعدل 2% العام الحالي ليصل الى 6% من الناتج القومي الاجمالي. وتزامن انهيار اسعار السلع العالمية مع ضعف حجم الطلب من آسيا والانخفاض المضطرد في وارداتها ــ خاصة من المعادن والوقود والمواد الخام وهي الصادرات الرئيسية لدول منطقة شبه الصحراء الافريقية, وبمعنى آخر فان انخفاض اسعار النحاس قد اثر بصورة حادة على زامبيا بينما تأثرت غانا ومالي وجنوب افريقيا وزيمبابوي بانخفاض اسعار الذهب كما انعكس ضعف الطلب على الماس بالسلب على بوتسوانا وناميبيا وجنوب افريقيا. وواجهت بنين وبوركينا فاسو والكاميرون وتشاد وكوت ديفوار وتوجو مصاعب شديدة من جراء انخفاض اسعار القطن. وكان لانهيار الاسعار العالمية للبترول تأثير هائل على دول المنطقة والذي يعد البترول من أحد أهم مصادر عملتها الصعبة. أما على نطاق أسواق المال في دول المنطقة, فيعتقد المحللون انها كانت محدودة نظرا لان هذه الاسواق لا تزال في مراحلها الاولى علاوة على حالة الانغلاق التي تفرضها على نفسها بالاضافة الى سيطرة حكومات هذه الدول على أوجه النشاط الاقتصادي فيها. القارة الاوروبية لم تتأثر الدول الاوروبية كثيرا بأبعاد الأزمة الآسيوية على اعتبار محدودية التبادل التجاري بين هذه الدول من ناحية ودول الازمة من ناحية اخرى. ويشير المراقبون كذلك الى نقطة اخرى هامة وهي تمتع المصارف والبنوك الاوروبية بمركز قوي في تعاملاتها التجارية مع دول الازمة, الا ان البورصات المالية الاوروبية كانت من بين اكبر القطاعات الاوروبية تأثراً بالأزمة. ويمكن القول ان الدول الصناعية تمعنت في تحقيق مكاسب كبيرة من وراء انخفاض أسعار النفط والمواد الخام, والأكثر من ذلك ان تباطؤ حجم الصادرات إلى الدول الآسيوية جاء في نفس الوقت الذي شاهدنا فيه زيادة في حجم الطلب المحلي في الدول الأوروبية نتيجة انخفاض معدلات الفائدة. واستفادت أسواق السندات الأوروبية مما حدث وحققت أرباحاً ضخمة بغض النظر عن بعض الانتعاشات المتكررة من وقت لآخر. دول الكومنولث أما بالنسبة للدول التي استقلت حديثا عن الاتحاد السوفييتي فقد كان تأثرها بالأزمة شاملا على المنطقة كلها وبصورة نسبية بين كل دولة وأخرى, ولم تشهد أسواق المال في هذه البلدان اضطرابات حادة, ذلك لأن هذه الدول (كمجموعة واحدة) لم تكن ذات معدلات دين مرتفعة (معظم عمليات الاقتراض كانت تتم عبر الحكومة المركزية في موسكو) كما ان هذه الأسواق كانت بعيدة نسبيا ابان الحكم الشمولي عن التفاعل والوصول إلى أسواق المال العالمية. كما تأثرت أسواق المال بشدة في أوكرانيا وروسيا وتصاعدت الضغوط الداخلية ويتوقع المراقبون ان تعاني هذه الأسواق من نتائج بعيدة المدى قد تؤثر على عملية التحول الاقتصادي والانتقال الى القطاع الخاص في كل منهما. وأدت برامج التكيف المالي غير المستقرة إلى الاعتماد على القروض الرسمية قصيرة الأجل التي جعلت الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات والتطورات الخارجية في أسواق المال العالمية. وتوضح الفروق الكبيرة بين معدلات الفائدة وأسعار الأسهم في بلدان هذه المنطقة الأهمية المتزايدة للسياسات الهيكلية والاقتصادية الكلية السليمة في تقليل حدة التأثر بالتقلبات في الأسواق المالية العالمية. الأسواق الناشئة أما بالنسبة للأسواق الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فقد تعرضت أسواق هذه المنطقة لصدمات متعاقبة طوال العام الماضي. ومن الصعب فصل تأثير الأزمة الآسيوية عن باقي الصدمات الأخرى مثل الانخفاض في أسعار البترول والتجارب النووية في كل من الهند وباكستان ومشاكل الأمن الاقليمي الأخرى. والمؤكد ان هذه الصدمات ساهمت بقدر كبير في اضعاف أسواق المال بدول هذه المنطقة خاصة في النصف الثاني من العام الماضي والشهور التسعة الأولى من العام الحالي, وفقدت الاستثمارات العربية في آسيا جزءا كبيرا من أرباحها نتيجة الانهيار الكامل للعملات الوطنية الآسيوية كما ساهمت الأزمة الآسيوية بصورة غير مباشرة في الانهيار الحالي الذي تشهده أسعار البترول والذي قاد إلى تداعيات دراماتيكية للميزان الاقتصادي الكلي في الدول العربية المصدرة للبترول من خلال تأثيره على القطاع التجاري والتحويلات المالية وعلى قطاع الاستثمارات الأجنبية في معظم بلدان المنطقة. وتعاني الأنظمة المالية في معظم البلدان العربية من نفس الأمراض التي تسببت في ظهور الأزمة الآسيوية ومن بينها أسعار الصرف غير الحقيقية وقصور التنظيم والاشراف المصرفي وغياب الشفافية وتعاظم دور القطاع العام وسيطرته على معظم أوجه النشاط الاقتصادي. الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية واجهت الدول الغربية الأزمة الآسيوية في ظل مناخ وأداء اقتصادي قوي بوجه عام, فخلال العام الماضي سجل الناتج القومي الاجمالي معدلات مرضية في الولايات المتحدة ومعظم بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي, وشهد الطلب الداخلي ارتفاعا ملحوظا في هذه الدول, بل وساعدت الأزمة نفسها في تقليل الحاجة لاتخاذ اجراءات نقدية. وعلى الرغم من ان الأزمة الآسيوية لم تؤثر في المنطقة بنفس الدرجة التي ضربت بها الأزمة المكسيكية دول المنطقة, إلا انها تركت ظلالا سلبية على اقتصاديات الدول النامية في أمريكا اللاتينية, فالتدفقات فقالت المالية قد تباطأت بشكل ملحوظ ابتداء من نوفمبر الماضي, كما انخفضت بشدة أسعار الأسهم والسندات, وكان رد فعل متخذي القرار في دول أمريكا اللاتينية هو رفع معدلات الفائدة في بعض الحالات وتقييد السياسة المالية بصفة عامة. ولا يستبعد المراقبون ان تؤثر برامج التكيف التي اعتمدتها اقتصاديات هذه الدول للخروج من الأزمة في زيادة اسعار السلع الأساسية وفقدان العديد من المواطنين لوظائفهم بالاضافة الى انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم فعلى سبيل المثال بلغ معدل التضخم. في أندونيسيا نحو 5.46% في النصف الأول من العام الحالي وقفزت أسعار السلع الغذائية بنحو 35% في الشهور الثلاثة الأولى من العام الحالي. الدروس المستفادة ويحدد صندوق النقد الدولي ست خطوات او وصايا ضرورية ينبغي اتخاذها للخروج من نفق الأزمة وهي بمثابة الدروس المستفادة من عملية الانهيار المالي في جنوب شرق آسيا وهي: 1ــ ضرورة وجود اشراف مؤثر على السياسات الاقتصادية وممارساتها من خلال تسهيل الوصول للمعلومات الاقتصادية المختلفة. 2ــ اصلاح القطاع المالي وتطبيق بنود اتفاقيات بازل الخاصة بالاشراف المصرفي. 3ــ تدعيم تحرير الحساب الرأسمالي من اجل مضاعفة المزايا والحد من مخاطر تحركات رؤوس الأموال وذلك من خلال سياسات مالية سليمة ووضع سعر صرف ملائم وتطبيق سياسات الاقتصاد الكلي. 4ــ تشجيع عمليات الاشراف الاقليمي. 5ــ تشجيع حملات (سلامة الحكم) على الفساد. ــ إنشاء هياكل اكثر تنظيماً لمواجهة قضايا الديون ووضع قوانين سليمة لحالات الافلاس على المستوى القومي. ثلاث وسائل ويؤكد الخبراء الماليون العالميون ان السبيل الوحيد لتجاوز هذه الأزمة والتعامل مع المستجدات الشبيهة مستقبلاً هو ايجاد آلية تمتاز بالاستجابة السريعة لمواجهة الأزمة والتأكيد على أهمية السياسات الاقتصادية الكلية ولن يتحقق ذلك الا من خلال ثلاث وسائل رئيسية هي: استعادة الاستقرار بمعنى سرعة اتخاذ القرار بالنسبة للدول التي تواجه ضغوطاً حادة فجائية على ميزان المدفوعات. تحسين مستوى الأنظمة المالية المحلية ورفع كفاءة العاملين بها. اطلاق الحرية الكاملة لقوى السوق لكي تعمل مع وجود مراقبة قوية وحيادية على جميع الأطراف اللاعبة على المسرح الاقتصادي. ويتبقى السؤال المحوري وهو كيف يمكن تدعيم الهيكل الحالي للنظام المالي العالمي؟ وهل لا يزال صندوق النقد والبنك الدوليان يتمتعان بالصلاحية الكافية للتعامل والتقليل من الآثار السلبية لأي اضطرابات مالية مقبلة قد تنشأ في اي من الأسواق العالمية ام ان الدعوات التي خرجت من أكبر الدوائر السياسية والاقتصادية في العالم والخاصة بالبحث في تأسيس نظام مالي وعالمي جديد ستجد صداها في الاجتماعات السنوية للمؤسستين الدوليتين في الاسبوع المقبل في واشنطن؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القليلة المقبلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات