منذ توليه رئاسة الحكومة الروسية وحتى الآن لم يتوقف(يفجيني بريماكوف)عن اعطاء التصريحات التي تعكس بشكل واضح تخلي الحكومة الروسية عن التزاماتها بتنفيذ برامج الاصلاح الاقتصادي التي سبق وأن وافقت عليها حكومة الديمقراطيين الليبراليين مع صندوق النقد الدولي . ويأتي تشكيل حكومة بريماكوف ليزيد من حدة الأزمة ويعكس الاتجاه المعاكس لروسيا للسياسة التي كانت تسير عليها طيلة السنوات السبع الماضية, حيث تم تعيين ثلاثة من الشيوعيين في الحكومة, اثنين منهم نوابا لرئيس الوزراء وهما (يوري ماسليكون) و(فاديم جوستاف) والثالث رئيسا للبنك المركزي وهو (فيكتور جراشينكو) . وتأتي تصريحات بريماكوف لتزيد من حدة الخلاف بين روسيا والدوائر الغربية, حيث صرح في أكثر من مناسبة بأن حكومته سوف تهتم بالجوانب الاجتماعية وباحياء الصناعات الروسية وتطوير الاقتصاد الوطني, وسوف تعطي أولوية قصوى لسداد المتأخر من أجور ورواتب العاملين في الدولة, وفي الوقت الذي يعترف فيه بريماكوف بحاجة روسيا للمساعدات الأجنبية يرفض وبشدة ارتباط هذه المساعدات بأية شروط أو ضغوط, ويقول ان روسيا سوف تختار بنفسها طريقها للاصلاح الاقتصادي, وأكثر من ذلك وصلت حدة تصريحات بريماكوف إلى حد قوله بأن الحكومة تنوي في مواجهة تفاقم الأزمة أن تفرض هيمنتها على المشاريع الانتاجية الحيوية في روسيا, وهو ما يعني لدى الكثيرين احتمال تأميم العديد من المشاريع الانتاجية الكبرى التي طرحت للخصخصة في روسيا في السنوات الماضية. كل هذه التصريحات من قبل الحكومة الروسية تثير الفزع والرعب في الدوائر الغربية خشية عودة روسيا للنظام الاقتصادي الشمولي, وتلتزم الولايات المتحدة الأمريكية الصمت وموقف المراقب لما يحدث من تطورات في الأزمة الروسية, إلا أن هذا لا يمنع من صدور تصريحات بين الحين والآخر توضح عدم رضاء واشنطن عن توجهات الحكومة الروسية. أما أوروبا الغربية فقد عبرت عن رأيها صراحة بعد الزيارة التي قام بها لموسكو ثلاثة من المسؤولين بوزارات الخارجية الأوروبية هم الألماني (كلاوس كينكل) والنمساوي (ولفجانج سويسيل) ونائبه الوزير البريطاني (جويس كوين) , وبعد لقائهم مع بريماكوف صرح (كينكل) بأنه (يستبعد منح روسيا مزيدا من المساعدات المالية في المستقبل القريب) , وهذا يعني أن حكومة بريماكوف دخلت في صدام مباشر ومبكر مع الغرب. وأتى اجتماع وزراء المالية والخارجية لمجموعة الدول السبع الكبار في لندن في منتصف سبتمبر ليعكس بوضوح موقف هذه الدول من الحكومة الروسية حيث خرجت التوصيات النهائية للاجتماع توضح استعداد الغرب والمؤسسات المالية الدولية لمساعدة روسيا للخروج من الأزمة بشرط التزامها بالبرامج الاصلاحية التي سبق وأن اتفقت عليها مع صندوق النقد الدولي. وكان رد بريماكوف على قرار الدول السبع الكبار بأن روسيا لن تلتزم بأية سياسة اصلاحية خارجية وسوف تعيد الحكومة هيمنة الدولة على المشاريع الانتاجية الكبرى. وجاء بعد ذلك تصريح لممثلي صندوق النقد الدولي باعادة النظر في الاستمرار في اعطاء روسيا أقساط المساعدات المالية المقررة لها في مطلع الصيف الماضي وقدرها 22,6 مليار دولار ووقف هذه المساعدات لحين النظر في سياسة الحكومة الروسية الجديدة. وأصبحت الاستثمارات الأجنبية في روسيا مهددة بالانسحاب منها خشية تطورات الأزمة, بينما الاستثمارات الأخرى التي كانت في طريقها إليها متوقفة تماما. وفي نفس الوقت زادت معدلات البطالة بشكل كبير في روسيا في الفترة ما بعد بداية الأزمة على مدى شهر مضى, بعد أن استغنى العديد من البنوك عن أعداد كبيرة من العاملين, وأغلقت بنوك كثيرة أبوابها, ووصلت نسبة البطالة إلى أكثر من 20%. ومع استمرار الحكومة الروسية في توجهاتها وتحديها للضغوط الغربية تزداد حدة الأزمة الاقتصادية في روسيا ويستمر الروبل الروسي في الانخفاض, وتستمر أسعار أسهم الشركات الروسية في الهبوط, وتتفاقم الأزمة بالشكل الذي أصبح يهدد بالفعل ليس فقط الاقتصاد الروسي ولكن أيضا العديد من أسواق المال والأسهم العالمية. ويحاول بريماكوف الضغط على الغرب واجباره على مساعدة روسيا بدون شروط عن طريق هذا التهديد الذي يحمل شعار (عليّ وعلى أعدائي) , أي أن من يساعد روسيا الآن سوف يتفادى الأزمة, ومن يقف ضد مصالحها سوف تصل إليه الأزمة غدا. ولكن ترى هل تنجح خطة بريماكوف في الضغط على الغرب لمساعدة روسيا خشية امتداد الأزمة خارجها؟ هذا ما سوف تكشف عنه تطورات الأزمة في الأيام المقبلة. اعداد : مغازي البدراوي