كان من المفروض أن ينقذ صندوق النقد الدولي الوضع بخلطة دواء مكون من القروض واعادة الهيكلة الاقتصادية والتقشف تعيد لآسيا المريضة عافيتها الاقتصادية . ولكن, بعد عام واحد على سماح تايلاند لعملتها بالهبوط الشديد مما أدى إلى أزمة شديدة عصفت بآسيا وامتدت إلى أبعد منها, نجد ان الانتعاش الاقتصادي ما زال بعيد المنال, وتشير المؤشرات الاقتصادية الحالية إلى أن منطقة الشرق الأقصى (المحيط الهادي) التي كانت تتمتع بنمو اقتصادي يفوق العشرة بالمئة ستقع تحت تأثير ركود اقتصادي لأول مرة منذ سنوات عديدة. ففي تايلاند حيث كان معدل النمو الاقتصادي بين أكبر معدلات النمو في العالم, من المتوقع أن ينكمش اقتصادها بنسبة 6,4% هذا العام (وما زلنا مستمرين بالانكماش) كما شكا خبير اقتصادي من (جامعة جولا لونكورن). وفي اندونيسيا وبفعل من خليط من الفساد والاضطرابات السياسية والاجتماعية هبط اقتصادها. ومن المتوقع أن تصل نسبة الانكماش إلى 13,4% حسب الأرقام التي أصدرتها مؤسسة كونسينسوس ايكونومكس انكوربوريتد. ومع استمرار اقتصاد آسيا بالهبوط, وحتى العملاق الياباني بدأ يرتجف, تتجه الأنظار نحو صندوق النقد الدولي. هل سيشفي الدواء الذي وصفه خبراء صندوق النقد الدولي الاقتصاد الآسيوي من علته؟ ولم يكن هناك أي شك في ان العلاج سيكون مؤلما, لان اعادة تنظيم الاقتصاديات الموبوءة بالديون المعدومة والاستثمارات غير الحكيمة يعني ان الكثير من الشركات ستغلق أبوابها وتزداد البطالة. شبكة نجاة ورغم التفاؤل الذي أبداه روبرت روبين وزير الخزانة الأمريكي خلال زيارته الأخيرة إلى بانكوك فإنه يؤكد في الوقت نفسه على ضرورة قيام الحكومات الآسيوية بتوفير (شبكة نجاة كافية) لمساعدة عائلات العمال والموظفين الذين فقدوا عملهم, على تجاوز هذه الأزمة. في هذه الأثناء ينوي صندوق النقد الدولي أن يجعل من الاقتصاديات الآسيوية التي اعتادت على وفرة السيولة والأرباح الكبيرة, أن تصبح أصلب عودا وأكثر نظافة في سوق عالمي تشتد فيه المنافسة بشكل متزايد. وبدأ صندوق النقد الدولي بعملية الانقاذ بتقديم قروض نقدية للسماح لأكثر الاقتصاديات تضررا بالعوم, فمثلا, وقعت تايلاند التي نفذ معظم احتياطها النقدي في محاولة يائسة للدفاع عن قيمة عملتها الـ (بات) ضد مضاربة عنيفة في سوق النقد في يونيو ,1997 وقعت اتفاقية قرض بمبلغ 17,2 مليار دولار أمريكي, بينما اقترضت اندونيسيا 33 مليار دولار أمريكي, واقترضت كوريا الجنوبية التي كانت من بين أكبر أحد عشر اقتصادا في العالم, مبلغ 57 مليار دولار أمريكي, بشكل قرض انقاذي من الصندوق. وفرض صندوق النقد الدولي على المقترضين سلسلة من الشروط تشكل اطارا لمعالجة اقتصاديات هذه الدول وانعاشها. ويركز جوهر هذه الشروط على وصفة علاجية مكونة من زيادة الشفافية وتخفيض المصروفات العامة مع ارتفاع في أسعار الفائدة. دور الصندوق منذ تأسيس صندوق النقد الدولي في بريتون وودز عام 1944 كان دوره الرئيسي هو حراسة الآفاق الاقتصادية الدولية, وعندما تقع أزمة اقتصادية في دولة ما يتقدم صندوق النقد الدولي بنقد مسحوب من 181 دولة عضو فيه لاتخاذ ما يلزم من الاجراءات لمعالجة الأزمة. أما في آسيا, فإن صندوق النقد الدولي يبحر في مياه خطرة, فالانتعاش الاقتصادي المتوقع لم تبدو بوادره بعد والآلام الناتجة منه في ازدياد مما ينذر بتفاقم الوضع السياسي والاجتماعي. في تايلاند تجاوز عدد العاطلين عن العمل هذا العام المليونين, وفي أندونيسيا ــ وهي أرخبيل منتشر يضم 200 مليون نسمة ــ أغلق ستة عشر بنكا من بين 250 بنكا أبوابها وبدأت المجاعة بالانتشار في الريف. المؤامرة ويعتقد عدد من النقاد الآسيويين ان صندوق النقد الدولي قد أخطأ في حساباته ويطالبونه بتعديل شروط اتفاقيات القروض التي وقعها مع هذه الدول. ويتهم أكثر النقاد تطرفا صندوق النقد الدولي بالتآمر مع الولايات المتحدة الأمريكية وهي أكبر الدول المقرضة, لتدمير الاقتصاديات الآسيوية وتركها فريسة سهلة للمستثمرين الغربيين المسلحين بالدولارات. (... هناك مجموعة صغيرة من المستثمرين من الولايات المتحدة يريدون السيطرة على القطاعات الأساسية من اقتصادنا) كما أكد رجل الأعمال التايلاندي كريكجاي جارون راجابارك. ويدور النقاش حول موضوعين هما أسعار الفائدة السنوية والتحكم بالقروض. ويقول صندوق النقد الدولي بأن السعر العالي للفائدة والضوابط الصارمة للقروض يعيدان الثقة في الاقتصاد ويجذبان نحوه رأس المال الأجنبي ويساعدان على استقرار العملات, ورغم ان هذه السياسة خففت نوعا ما من حدة الأزمة في مراحلها الأولى عندما فقدت بعض العملات 70% من قيمتها, لكنها الآن بدأت تخنق الاقتصاديات التي كانت تهدف إلى انعاشها. أسعار الفائدة والقيود الصارمة على القروض اللتان فرضتهما سياسة صندوق النقد الدولي تركت العديد من الشركات بلا سيولة نقدية في الوقت الذي وجدت هذه الشركات نفسها تسير بحذر شديد على الخط الفاصل بين البقاء الصعب على قيد الحياة والافلاس. ويقول كريكجاي: (إن السعر المرتفع للفائدة هو بمثابة تشجيع للافلاس) . ازدياد المعارضة وعلى ضوء ذلك تزداد المعارضة ضد سياسة صندوق النقد الدولي خارج القارة الآسيوية. (السعر العالي للفائدة واجراءات التقشف قد الحقت أضرارا كبيرة في الاقتصاد الفعلي) كما لاحظ روبرت ويد استاذ الاقتصاد السياسي في جامعة براون في بروفيدنس في الولايات المتحدة. وتقول مؤسسة هيراتج فاونديشن وهي من كبار منتقدي صندوق النقد الدولي ان سوابق صندوق النقد الدولي في انقاذ الاقتصاديات العليلة تتحدث عن نفسها. ويذكر تقرير صادر عن المؤسسة انه خلال الفترة من 1965 ــ 1995 نجد ان من مجموع 89 دولة نامية اقترضت من صندوق النقد الدولي 48 منها ليس بحال أحسن مما كانت عليه و32 دولة بحالة أكثر فقرا. وبالنسبة إلى الحكومات, فإن الهالة المحيطة بصندوق النقد الدولي لا تزال قوية, ووجد السياسيون الآسيويون أنفسهم محاصرين بين الرأي العام المحلي في دولهم المعادي للتدخل الأجنبي في أحوالهم الاقتصادية وبين الحاجة إلى طمأنة المجتمع الدولي بأنهم لن يفشلوا في تسديد ديونهم. ولكن الواقع سواء رغبناه أم لا, هو أن حكومات تايلاند وكوريا الجنوبية واندونيسيا لا تستطيع الاستغناء عن قروض الانقاذ من صندوق النقد الدولي. في هذه الأثناء, توقف تدفق شريان النقد من صندوق النقد الدولي الذي كان يجري في عروق اقتصاد آسيا, وفي الحقيقة ان جزءا من المشكلة يكمن في ان الأموال قد نضبت من خزانات بنوك آسيا ولم يعد بامكانها تقديم قروض لأحد. ففي تايلاند على سبيل المثال نجد ان 25% من القروض في قطاع البنوك متأخرة الدفع. ومع استمرار الركود الاقتصادي في التعمق, ازداد الخوف من ان دواء صندوق النقد الدولي المر قد يؤدي إلى موت المريض, أو ما تقول لندا تساو يانج ممثلة الولايات المتحدة في بنك التنمية الآسيوي في مانيلا: (إذا لم تتمكن النشاطات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة الحجم خصوصا تلك المتعلقة بالتصدير من الحصول إلى قروض فسيشكل ذلك مشكلة كبيرة) . (خدمة وورلد نيوزلينك)