البيان تفتح ملف صناعة السياحة:1.6مليار سائح يجوبون العالم في عام 2020-الحلقة الأخيرة

تتعدد الدراسات والتقديرات العالمية التي تؤكد ان صناعة السياحة بمعناها الشامل هي أكثر الصناعات على مستوى العالم تحقيقا للعوائد المرتفعة وتسجيلا لنسب النمو التي لا تضاهي بحيث انها استطاعت على مدى العقود الأخيرة أن تنتزع المكانة الأولى من صناعات معروفة بالتطور الكبير كصناعات الاتصالات وتقنيات المعلومات . ولكن هل الأمر سيستمر كذلك في ضوء الأزمات الاقتصادية التي تفرض حضورها على العالم امتدادا من آسيا ووصولا إلى أمريكا اللاتينية مرورا باليابان وأوروبا وروسيا من دون أن ننسى التأثيرات على الاقتصاد الأمريكي؟ وفي الوقت نفسه هل يمكن أن نتجاهل الآثار السلبية التي يتركها النمو المكثف لصناعة السياحة على البيئة من ناحية وعلى الهياكل الاجتماعية والثقافية التي تتسم بالهشاشة في بعض الدول؟ ومن ناحية أخرى ما هي الأسس الدقيقة التي تحسب عليها التقديرات في مجال صناعة السياحة؟ وإلى أي حد يمكن التسليم بدقة هذه التقديرات خاصة لدى سحبها إلى آفاق التقديرات المستقبلية؟ وماذا عن وضع العالم الثالث في اطار هذه الصناعة؟ وهل سيظل نصيب الأسد وقفا على دول كالولايات المتحدة وأسبانيا وفرنسا أم ان هناك حدا أدنى من الأمل في امكانية الفوز بحصة أكبر من السوق العالمية أمام دول العالم الثالث؟ بهذه الأسئلة وغيرها كثير تختتم (البيان) ملف صناعة السياحة الذي حرصت على أن تلقي الضوء على امتداد صفحاته على هذه الصناعة ذات الأهمية البالغة. تحولت السياحة في الآونة الراهنة إلى اعصار حقيقي طالت آثاره شتى بقاع الأرض من بنيدورم إلى بالي ومن الهمالايا إلى جزر هاواي, ولم يعد على وجه البسيطة سوى بضعة أماكن لم تمسها يد هذه الصناعة. كما لم يعد أبناء وبنات الدول الثرية ينظرون إلى العطل على انها ترف وفخفخة بل أضحت استراحة تمس الحاجة إليها هربا من بيئة عمل تتصاعد فيها الضغوط التنافسية والنفسية وتفرز سما زعافا من الاجهاد والاعياء والتوتر الذي لا يخفف منه سوى ترياق السياحة والترحال. كما حظيت السياحة في زماننا بعامل حفز آخر نشأ عن رخص تكاليف السفر مما جعل قطاع الرحلات الشاملة الطويلة من أسرع قطاعات هذه الصناعة نموا. ولقد شاع السفر إلى الخارج في العطلة إلى درجة عظيمة حتى أصبحت تلك الاجازات المترفة التي كانت يوما ما حكرا على النخبة الثرية في المجتمع مثل التطواف في أعالي البحار على متن اليخوت السياحية أو التزلج على الماء, وغيرها من النشاطات السياحية التي تم تسويقها وبذلها ضمن صفقات سياحية شاملة وجعلها في متناول شطر كبير من متوسطي الحال وخلال العام الماضي سافر حوالي 617 مليون سائح إلى بلدان أجنبية وأنفقوا ما يقرب من 448 مليار دولار. هذه وقد استحوذت فرنسا على حصة الأسد في سوق السياحة منذ عهد بعيد فهي تلتهم حوالي 11% من حصة هذه السوق عالميا. إلا أن أعلى البلدان دخلا من السياحة إنما هي الولايات المتحدة التي وصل ما درته عليها العام الماضي إلى 75 مليار دولار, أو حوالي 16% من اجمالي الدخل العالمي في هذه الصناعة. ومع كل هذا التطور الباهر فإن هذه الصناعة لم ترتق عام 1997 إلى مستوى التوقعات في مضمار النمو وذلك بسبب تتابع موجات الأزمة المالية في آسيا التي ظلت حتى الآونة الأخيرة أسرع مناطق العالم نموا في مجال السياحة, الأمر الذي تراجع معه معدل نمو هذه الصناعة العالمية إلى 4%. غير ان تايلاند كانت في غمرة هذه الأزمة مصدر أشد الضغوط الناجمة عن الانهيار المالي الآسيوي, ولم تنأى الفلبين بنفسها بعيدا عن هذا المصير, إذ رددت هي الأخرى صدى هذا التردي. ولم تكن أندونيسيا ولا ماليزيا بأحسن حال من الفلبين. توابع الزلزال وطالت توابع زلزال آسيا المالي أيضا تلك الدول التي اعتادت استضافة عدد ضخم من سياح آسيا مثل استراليا التي تأثرت بالأزمة. ورغم الصعوبات الجمة, نجت الصين حتى الآن من ويلات هذا الاعصار المالي وقاومت سياحتها هذا التيار العاتي فحققت معدل نمو مذهل بلغ 18% لتقفز إلى 12 مليار دولار عن مستوى عام 1996. وبهذا الصدد يقول الأمين العام لمنظمة السياحة العالمية فرانسيسكو فرانجيالي, وهي هيئة تدعمها الأمم المتحدة وتتخذ من مدريد مقرا لها: (إذا نظرنا من الزاوية الايجابية, فإن انخفاض قيمة بعض العملات, خاصة في تايلاند وكوريا, جعل المناطق السياحية الآسيوية أقوى في حلبة التنافس, ومن شأن هذا العامل أن يحفز إلى حد كبير قطاع الرحلات البعيدة إلى شرقي آسيا وحوض المحيط الهادي هذا العام. إلا أن طفرة النمو هذه لن تضمن تعويض الخسارة في جانب حركة السياحة الاقليمية البينية. ومع ذلك, فإن منظمة السياحة العالمية تتوقع أن تتضاعف السياحة العالمية ثلاثة أضعاف بحلول عام 2020. ليقفز عدد السياح الذين يزورون بلدانا في الخارج إلى 1.6 مليار سائح سنويا ويرتفع حجم ما ينفقونه إلى ما يزيد على ألفي مليار دولار في العام الواحد. بيد أن من الصعوبة بمكان تقدير الآثار الكلية التي تحدثها السياحة العالمية على الاقتصاد العالمي. ويشكك المجلس العالمي للسياحة والسفر, وهي إحدى مجموعات الضغط في القطاع الخاص وتتألف من الفنادق وشركات الطيران وصناعة تموين الطيران والمطاعم, بالمؤشرات والمقاييس التقليدية التي يتهمها بأنها تقلل من أهمية الدور الذي تقوم به صناعة السياحة والسفر والدخل الذي تدره على الاقتصاد العالمي. ويرى هذا المجلس ان تلك التخمينات المبنية على حسابات الانفاق المباشر تتجاهل الأثر العظيم والمكاسب الضخمة التي يجنيها الاقتصاد العالمي عن طريق الانفاق في المطاعم أو ما تدره مبيعات التجزئة في هذا المقام. فإذا ضممنا هذه الاسهامات إلى بعضها البعض, فإن صناعة السياحة والسفر تساهم بحوالي 3600 مليار دولار, أي 11% من اجمالي الناتج المحلي العالمي. كما أن لهذه الصناعة الفضل في توفير ما يزيد على 230 مليون فرصة عمل له صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الصناعة, كما ان السياحة تدخر من الامكانيات ما يتيح لها خلق 100 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2010 وفقا لتقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر. ولقد ظل ألق الاغراء المتمثل في ايجاد فرص العمل أحد أكبر عوامل حفز النمو والتطور في صناعة السياحة, خاصة في تلك البلدان الفقيرة في مواردها الطبيعية أو التي تشح فيها رؤوس الأموال. وحتى الدول التي تشكل أعمدة العالم الصناعي المتطور ركبت هي الأخرى موجة بريق خلق فرص العمل من خلال الامكانيات السياحية وذلك للمساعدة على حل جزء من معضلة البطالة التي تتفاقم بصورة جنونية. ولقد استثمرت السويد العام الماضي 10 ملايين كرونا سويدية لحفز تطوير الشركات الصغيرة في قطاع السياحة بغرض توفير فرص عمل جديدة. كما استهدفت حكومة العمل في بريطانيا السياحة باعتبارها إحدى أهم القطاعات الواعدة في مجال خلق فرص العمل, لذا تبنت خطة تنشيط سياحي شاملة ضمن مشروع (الصفقة الجديدة) بهدف الحد من تسارع البطالة في أوساط الشباب. ولقد تحولت قضية تطوير صناعة السياحة مع تفادي الحاق الضرر بالبيئة إلى أزمة قلق عالمي يجري بسط معطياتها على مائدة النقاش في الأوساط العالمية والمؤتمرات. ولقد أصبحت كلمة السر الشائعة في مثل هذه المنتديات هي (محاولة تحقيق المعادلة الصعبة بين الارتقاء بالسياحة إلى آفاق الربحية العالية مع تجنيب البيئة الويلات التي تدمر معالمها) . استراتيجية المنظمة غير ان فرانجيالي الأمين العام لمنظمة السياحة الدولية يعتقد بأن التزام الحكومات بمذكرة 21 ــ وهي الاستراتيجية التي أطلقتها المنظمة عام 1992 في قمة الأرض في ريودي جايزيو للقيام بحملة تطوير ضخمة في هذه الصناعة, ما زال فاترا جدا ويفتقر إلى الحماس والمصداقية. ويقول بهذا الصدد: (لقد ذهب حشد كبير عن الفرص أدراج الرياح وذلك في سياق السياسة العامة. غير ان الجانب الايجابي في هذه المسألة إنما هو تنامي الاهتمام بالبيئة الأمر الذي بات يشكل ضغطا لتغيير مواقف الجهات الفاعلة الكبرى في هذه الصناعة والأوساط المؤثرة في مساراتها, وهذه الجهات تضغط من ناحيتها على المناطق السياحية العالمية لتقديم أفضل الخدمات. ومن هنا نرى ان الصراع من أجل الوصول إلى بيئة أفضل وأنظف لا تدير رحاه المؤسسات والهيئات العامة بل تحرك خيوطه قوى السوق. كما قاد الاتجاه المتنامي لدى الحكومات المركزية للتخفف من بعض أعباء مسؤولية تطوير السياحة وتحميلها للسلطات المحلية أو للقطاع الخاص إلى تقليص مسؤوليات تلك الحكومات في مجال تطوير صناعاتها السياحية الوطنية. إلا أن اهتمام الحكومات بالسياحة تضخم في جانب اعتبارها بقرة حلوب تدر ثروات من الضرائب على مداخيلها الحكومية. فرسوم الدخول وضرائب مغادرة المطارات تتعاظم باضطراد. ولقد فرضت الولايات المتحدة مؤخرا ضريبة جديدة على السياح القادمين, في حين تمت مضاعفة ضرائب المغادرة في بريطانيا العام الماضي. وقد توصلت دراسة مسحية لخمسين بلدا سياحيا قامت بها مؤسسة ديلويت اندتاتش للحسابات والدراسات, ونشرتها في مارس من هذا العام إلى أن 73% من تلك البلدان قد رفعت الضرائب على السياحة على مدى السنوات الثلاث الماضية, في حين قامت 13% منها بخفض الضرائب. وبهذا الصدد يعلق فيقول رئيس (دبليو تي تي سي) جزي ليبمان (المجلس العالمي للسياحة والسفر): (لقد فرضت ضرائب كثيرة وبصورة متحيزة على السياحة والسفر, وذلك لان كثيرا من الجهات تعتبر هذا القطاع صيدا سهلا لابد من استغلاله) . ويضيف ليبمان: إن هناك سوء فهم يكتنف هذا الموضوع, إذ يعتقد البعض ان السياحة لون من الفخفخة والترف, إلا انها في الحقيقة سلعة تصديرية وإذا كان على الحكومات ترويج أي شيء البتة فإن الأولوية لصناعة السياحة التي ينبغي حفزها بكل السبل. المستقبل ملبد بالغيوم آفاق المستقبل بالنسبة لصناعة السياحة العالمية ملبدة بغيوم لعل أهمها حاليا مسألة الضرائب وأزمات آسيا المالية. غير ان قيام الاتحاد الاقتصادي والنقدي (الايمو) حري بانعاش صناعة السفر نظرا لما يعد به من شفافية أكبر في الأسعار ضمن الدول الأعضاء وما يتعهد به من الغاء التكلفة الناجمة عن فروقات صرف العملات. وكما سوف يتمخض الاتحاد الأوروبي الاقتصادي عن الكثير من النعم فإن رذاذ بعض النقم سوف يطال بعض الدول وقد يحدث آثارا بالغة على قطاع السياحة فيها. ويرجح المراقبون أن تكتسب الصناعات السياحية في الدول المتاخمة جغرافيا لبلدان أعضاء في الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي (الايمو) مثل دول شمال افريقيا وتركيا قوة تنافسية إذا جاء معدل صرف اليورو تجاه الدولار والين قويا. غير انه وبهذا لمنظور ذاته فإن هذا الاحتمال سلاح ذو حدين, فتلك الدول التي اشتهرت تقليديا بضعف عملاتها ضمن نظام الايمو مثل اسبانيا وايطاليا يحتمل أن تجابه منافسه شرسة من هذه الدول بعد قيام الاتحاد الاقتصادي وشيوع تداول اليورو القوي. ويدرك الاسبان ثقل المهام الملقاة على عاتقهم وهم يتهيأون للنقلة إلى عالم الغد السياحي, فيقول جبراييل بيرجيو, رئيس ان اتش, وهي إحدى أكبر شبكات الفنادق في اسبانيا. (ربما كان اليورو أحد العقبات التي ستواجه السياحة الاسبانية في المستقبل, سوف نخسر بعض ألقنا التنافسي لذا فإن علينا الارتقاء بمستوى الانتاج والخدمات, وهذا هو التحدي الذي ينبغي أن نجابهه) . اعداد : كمال البيطار

طباعة Email
تعليقات

تعليقات