لم يكن من قبيل الصدفة أن يبادر محمد العبار مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية بدبي رئيس مجلس إدارة شركة اعمار العقارية في حواره مع (البيان) إلى تأكيد أن السياحة في الامارات لم تبدأ بعد , وذلك في اشارة واضحة إلى تميز المنتج السياحي المتاح في الامارات من ناحية وإلى ما تم استثماره بالفعل من الطاقات السياحية الكبيرة الموجودة وهو ما يعد هامشا محدودا مقارنة بما يمكن الوصول إليه بالفعل لدى دوران عجلة تطوير صناعة السياحة بمزيد من القوة وباعتماد نماذج التطوير العالمية. وربما ينطبق هذا القول بوضوح بالغ على الوضع السياحي في الفجيرة, فهناك منتج سياحي لا شك في تميزه بالمعايير العالمية, وفي الوقت نفسه تؤكد مفردات الواقع ان ما تم تطويره في قطاع السياحة يعد هامشا محدودا مما يمكن الوصول إليه بالفعل. والسؤال الكبير الذي يبرز هنا على الفور يطل منفتحا على مجموعة مهمة من علامات الاستفهام: ما هي المعوقات التي تعترض امكانية الانطلاق بصناعة السياحة في الفجيرة؟ ما هي ملامح خطط التنمية في هذه الصناعة؟ ما هو موقف المستثمرين منها؟ وهذا ــ بالتأكيد ــ يفتح المزيد من المجال للتساؤل: إلى أي حد يمكن أن تتوافر في المستقبل القريب عناصر البنية الأساسية التي تشكل القاعدة القوية التي تنطلق عليها مشروعات المستثمرين الذين يؤكدون اهتمامهم بالاستثمار في تطوير السياحة في الفجيرة؟ هل تشكل العناصر المتوافرة في القطاع الفندقي والشقق المفروشة النواة المناسبة للانطلاق بالتوازي مع تحقيق طموحات الامارة في مجال تنمية صناعة السياحة؟ ماذا عن امكانية تطوير الخدمات التي تقدم للسياح في الامارة؟ (البيان) حملت هذا الدفق من الأسئلة ليشكل نسيج حوار مع الشيخ سعيد بن سعيد الشرقي رئيس المكتب السياحي بحكومة الفجيرة بحثا عن اجابات محددة تنير ملامح مستقبل السياحة في الامارة. وقبل الانطلاق في الحوار حول السياحة في الفجيرة توقف الشيخ سعيد بن سعيد الشرقي مطولا بمزيد من التأمل أمام تجربة دبي في اطلاق العنان لتطوير مقومات صناعة السياحة, وبادر بالاشارة إلى ان نجاحات دبي المتزايدة والمستمرة في مختلف قطاعات السياحة تشكل الدعامة الكبرى التي ترتكز عليها صناعة السياحة في الامارات, فقد استطاعت دبي أن تروج لنفسها وللامارات كلها عبر وسائل استحدثتها بتخطيط واع وامكانيات ضخمة وجهود دائمة لتحصد في النهاية موقعا شهيرا في خارطة العالم السياحية وتحتل مكانة متقدمة خاصة بين دول آسيا وافريقيا في قدرتها على الجذب السياحي واستقطاب السواح بما تطرحه بين الحين والآخر من فعاليات ترسخ مكانتها وتزيد من الاقبال عليها. وأضاف الشيخ سعيد الشرقي: لقد شهدنا في السنوات الأخيرة كيف نجحت دبي في مجال سياحة المؤثرات, وفي مجال سياحة التسوق وكيف اتجهت دول أخرى عربية وغير عربية إلى السير على الخط نفسه الذي انتهجته دبي بعد تأكد النجاحات وتزايد المردود. وفي الحقيقة. والكلام لا يزال للشيخ سعيد ــ فإن دعم المسؤولين في دبي لهذه التوجهات الاقتصادية الفاعلة والناجحة يعد الركيزة الأولى لما تحقق من نجاح, بالاضافة إلى جهود ومتابعة أخي سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس دائرة الطيران المدني بدبي, وإلى الإدارة الناجحة لشباب دبي بدائرة السياحة والتسويق التجاري وعلى رأسهم الأخ خالد بن سليم مدير الدائرة. وتتوالى محطات حوار (البيان) مع رئيس المكتب السياحي بحكومة الفجيرة: - نود التعرف على المقومات الحقيقية للامارة التي تتجه بقوة نحو التنمية السياحية خاصة في الفترة الأخيرة التي شهدت انشاء مكتب للسياحة تابع لحكومة الفجيرة؟ ــ قبل أن أتحدث عن المقومات في الامارة لابد لي من الاشارة إلى ان السياحة كصناعة هي عالم بذاته متعدد في مجالاته متجدد في نشاطاته متنوع في مستويات برامجه التي تهم بالطبع المستهدفين وهم عشاق السفر والتجول بين أرجاء المعمورة. وبهذا المفهوم وفي محاولة لتطبيق ما قلناه فإن الفجيرة تمتلك من العناصر ما يؤهلها لان تكون مجمعا سياحيا متكاملا يجذب أنواعا من السياح فلدينا الشواطئ الفسيحة, والأودية, والجبال, والآثار, وأماكن للاستشفاء, وشلالات طبيعية يمكن لكل منها أن يكون عاملا قويا للجذب السياحي لو تيسرت أمامنا بعض الأمور التي لا يمكن بدء التنمية السياحية بدونها. خطة للتنمية السياحية - وهل لديكم خطة محددة حاليا للتنمية السياحية في الامارة؟ ــ أستطيع القول أن ما لدينا هو لون من ألوان الفكر السياحي الذي يرى ان تأسيس صناعة سياحية بالامارة ليست هدفا وقتيا أو اتجاها موسميا بل هو في قناعتنا توجه أو خيار مستقبلي من أجل استمرار التنمية الشاملة والنهضة المتزايدة في الامارة لصالح الأجيال القادمة التي يجب من أجلها استثمار كل العناصر والمقومات التي تحت أيدينا أو أنظارنا في الوقت الحالي. أما الحديث عن خطة للتنمية السياحية بشكل محدد فإننا نؤكد ان عملية التخطيط السياحي قد بدأت لدينا بالفعل بصورة واقعية وعملية وفقا لمعطيات كثيرة, وإن كانت لدينا بعض المعوقات التي تحول بيننا وبين الانطلاق السريع للاستفادة المباشرة من عملية الترويج السياحي للامارة التي أسفرت عن توافد الكثير من المستثمرين إلى الفجيرة لبحث مجالات الاستثمار في ظل الامتيازات التي تقدمها حكومة الفجيرة لكل مستثمر. - تحدثتم عن المعوقات حديثا عابرا, فهل تتفضلون بالمزيد من الشرح والتفصيل؟ ــ المسألة ليست بحاجة إلى الكثير من الشرح والتفصيل لانها مختصرة وتقتصر هذه المعوقات على وجود بعض القصور في البنية الأساسية بالمواقع التي يمكن أن تكون جاذبة أكثر للمستثمر, مثلا: لدينا مناطق زارها مستثمرون أجانب وأكدوا جدواها الكبيرة للمشاريع الاستثمارية لكنهم طالبونا بانهاء كافة مقومات البنية الأساسية التحتية لها من خدمات ومرافق وطرق قبل أن يقوموا بالبدء في مشروعاتهم وهذا حق طبيعي لهم نسعى لتحقيقه حرصا على التنمية السياحية واستثمارها لفرص كثيرة قد لا تتكرر وربما تتلاشى إذا لم نكن على مستوى التعامل معها مجددا. ويهمني في هذا الصدد أن أشير إلى ان تنمية المكان ــ أي مكان ــ لابد وأن تسبقه مرحلة اعداده ليكون صالحا لاستقبال الزوار وفي السياحة فإن هذا هو أهم القواعد. إزالة المعوقات - ومتى يمكن لهذه المعوقات أن تزول؟ ــ من الضروري والملح القضاء على كل المعوقات بأسرع ما يمكن, فقد بدأنا توجهنا نحو التنمية السياحية متأخرين نسبيا ولا بد لنا أن نلحق بالركب الذي يسير بسرعة مذهلة ويتطور بشكل غير عادي في ظل تنافس ينتشر في كل مكان قريب منا أو بعيد, ولهذا فإن المطلوب منا أن نعمل بكل طاقة في هذا الاتجاه التنموي الذي اخترناه من أجل المستقبل. - هل ترى ان البنية الفوقية للسياحة في الامارة تفي باحتياجات من جذبتهم برامج الترويج لها؟ ــ ربما كان الجواب بنعم مقبولا حتى عام مضى, أما الآن وبعد الانتشار الكبير لاسم الامارة ومقوماتها السياحية وما يتوفر فيها من وسائل جذب للزوار فإن الامارة تحتاج للمزيد للوفاء بالوعود المتزايدة من الراغبين في زيارتها والاستمتاع بالسياحة المتنوعة فيها. وكمثال فإن عشاق السياحة في معظم دول العالم يتابعون على (الانترنت) ملفا كاملا عن السياحة في الفجيرة معالمها وآثارها ومظاهر الطبيعة فيها, وهذا يدفع الكثيرين باتجاه شركات السفر والسياحة وربما في ظل الأعداد المحدودة من الفنادق القائمة حاليا فإن الأمر قد يكون عكسيا. الامكانيات المتاحة - ما هي الامكانيات المتاحة الآن بالنسبة للغرف وغيرها من الأماكن المؤهلة لاستقبال السياح؟ ــ إذا عرفنا أن لدينا ستة فنادق هي: هيلتون, السيجي, ساندي بيتش, هوليداي بيتش, ريتز, وبيتشن موتيل فإن ذلك يوصلنا إلى ان طاقة هذه الفنادق مجتمعة لا تزيد على 600 غرفة, وإذا أضفنا الشقق المفروشة التي تلقى رواجا كبيرا خاصة في ظل اقبال الأسر عليها فإن عدد هذه الشقق لا يزيد على 80 شقة ونحن بالمناسبة بصدد عملية تقييم شاملة لوضع درجات لكل منها وفقا لمستوى الخدمة فيها. - وماذا عن الخدمات الأخرى؟ ــ لقد تزايدت في الفترة الأخيرة هذه الخدمات التي تعتبر المطاعم أهمها فقد افتتحت في الشهور القليلة الماضية عدة مطاعم ذات مستوى جيد ومؤهل لاستقبال السياح منها: المشوار والملاح والقصر بالاضافة إلى وجود مطاعم متميزة أخرى على نفس المستوى منها: عروس البحر, تاج محل, دينار, إلى جانب مطاعم الوجبات السريعة ذات المستوى الراقي. المستقبل - تحدثنا كثيرا عن الماضي والحاضر فماذا عن المستقبل؟ ــ الأمل في المستقبل كبير لاننا نراه واعدا بالكثير, فهناك وعلى مشارف القرن الجديد سوف تشهد الفجيرة اكتمال مجموعة من الفنادق الجديدة التي انتهى وضع مخططاتها من قبل مجموعة من المستثمرين من أبناء الامارات وكذلك بعض المستثمرين الأجانب, وفي تصوري ان هذه الفنادق سوف تشكل بالنسبة للامارة نهضة كبيرة واضافة لها قيمتها سواء في الشكل المعماري أو في النشاط السياحي. كما ان السنوات القليلة المقبلة سوف تكون شاهدة على نهضة سياحية كبرى إذا استطعنا استكمال البنية التحتية لمواقعنا المتميزة, وعندها سيكون (تلفريك الجبل) قائما في خدمة السواح, كما ستكون (عين الغمور) منتجعا للاستشفاء, و(شلالات الوريعة) مزارا لعشاق الطبيعة, وساحة القلعة القديمة بالفجيرة مزارا لمحبي الآثار والتاريخ والفلكلور الشعبي والتراث العريق خاصة مع استحداث نظام الصوت والضوء المعمول به في كثير من الدول. وأعود لأكرر ما قلته سابقا من ان السياحة كصناعة كاملة هي هدفنا المنشود كتوجه مستقبلي لا بديل عنه في عالم هذا العصر الذي لم تعد فيه السياحة ترفا, بل ثقافة ومعرفة وترويحا وترفيها لكل مستويات البشر. - ننتقل إلى السياحة في الوطن كله, كيف تراها؟ وكيف ننهض بها؟ ــ السياحة في الامارات تعيش نهضة حقيقية, في دبي وأبوظبي والفجيرة والشارقة وباقي امارات الدولة, وهي تتميز في بعض الامارات بما يمكن أن نسميه بالسياحة المتخصصة, وهذا يدفعنا إلى المطالبة مجددا بما طرحناه من قبل, بضرورة قيام الهيئة الوطنية للسياحة تكون عنصرا فاعلا في دعم وانهاض السياحة في كافة مناطق الدولة باعتبارها نشاطا اقتصاديا يسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني وأيضا من أجل المستقبل الذي يحتاج للمزيد من مصادر الدخل لتوفير الأمان للأجيال المقبلة. وأتمنى أن يكون لدبي دورها الرائد في هذه الهيئة لما تملكه من خبرات وطاقات وقدرات أثبتت الشواهد نجاحها وأكدت دورها في خدمة السياحة بالامارات كافة. حوار : محمود علام