لم تكن الندوة التي بثها تلفزيون الامارات العربية من ابوظبي مؤخرا حول تطورات سوق الاسهم المحلية الا اللقاء الاخير في سلسلة لقاءات عديدة مماثلة يتم التشديد فيها مجددا على الحقيقة التي يبدو ان الجميع يسلم بها وهي ان جوانب القصور والخلل في هذه السوق لا حل لها الا من خلال التقنين الشامل عبر انشاء سوق نظامية للاوراق المالية . البورصة هي الحل اذن وهذا هو مالايتردد الجميع في اعلانه والتأكيد عليه. ليكن, دعنا نسلم بذلك فمثل هذا الطرح لا يمكن الا ان يكون منطقيا من خلال تجارب العديد من الدول واقربها دول في المنطقة مثل سلطنة عمان وقطر وايضا من خلال تاريخ تطور البورصات العالمية ذاته,. مع ذلك فان من الضروري هنا ان نستعيد جانبا من الزاد الفكري الذي امدتنا به الندوة التي سبق ان عقدتها (البيان) حول البورصة. والحقيقة الاساسية التي برزت من خلال تلك الندوة هي انه اذا كانت البورصة شيئا ضروريا وملحا فان الاكثر ضرورة والحاحا التمهيد لها بايجاد المناخ والبنية ومجموعة الخطوات التي تقودنا بشكل منطقي وتلقائي الى الشروع في انشاء البورصة باعتباره التطور الذي تمليه طبائع الامور. هذه المقتضيات التمهيدية تتصدرها البنية التنظيمية و القواعد القانونية التي يتم تكريسها وترسيخها عبر الممارسة الفعلية لتحقيق اقصى انتظام ممكن للسوق. ولكن هناك في المقام الاول خطوة بقدر ماتبدو طبيعية ومنطقية بقدر ماتؤكد التجارب على امتداد العالم انه لا غنى عنها وهي توفير مناخ من شفافية المعلومات. هذه القضية تعد على جانب كبير من الاهمية وتفرض حضورها بقوة, خاصة في ضوء الملاحظات المهمة التالية: - ان هناك في السوق من لا يميل الى مناخ الشفافية اصلا باعتباره حسبما يتصور البعض مناقضا لتراث طويل من التزام التكتم في المعاملات التجارية, وهو تراث ضارب الجذور في القدم ربما الى حد التجذر في صميم ابجدية المعاملات التجارية الخليجية. - ان الشركات العائلية هي الشكل السائد من أشكال العمل الاقتصادي وهي تعتبر المعلومات حول نشاطها ملكا طبيعيا لها والانفتاح على السوق في هذا البعد لا يتم الا بمقتضى ماتفرضه مصلحة هذه الشركات وهذا امر مفهوم بالطبع لكن ماليس مفهوما حقا ان يترك هذا المناخ بصمته على الاشكال الاخرى من الشركات وفي مقدمتها الشركات المساهمة العامة. - قد تمر السوق بفترات تتسم بالحساسية وتوالي المتغيرات وفي هذه الفترات تتسم المواقف من القاء الضوء على انشطة الشركات بالبنوك بالحدة وبالعصبية ربما الى حد اعتماد المواقف المتناقضة لوجود اكثر من اتجاه واكثر من رؤية للتعامل مع الموقف الواحد ومن هنا ليس عجيبا ان يتم نفي معلومات صحيحة عن مؤسسات لها حضورها العام وان يتم في وقت لاحق نفي النفي الامر الذي يثير تساؤلا محددا: أليس من الافضل في كل الاحوال السماح بالحد الذي تحقق بالفعل من الشفافية وان ندعمه بالوقائع والحقائق والارقام؟ - من المسلم به ان الوعي الاستثماري في منطقة الخليج بأسرها يمر بمراحل شتى من النمو والتطور وهو اتجاه لابد من تعميقه وتأصيله فدفع المدخرات الى قنوات الاستثمار الاكثر قدرة على خدمة دوران دولاب الاقتصاد الوطني هو السبيل الحقيقي للتنمية والسؤال هنا هو: هل هناك أداة اكثر قوة لتكريس الوعي الاستثماري من توفير مناخ أصيل قوامه شفافية المعلومات عن قنوات الاستثمار المتوافرة؟ - يشكل عنصر الربحية درة الاسرار التي يحرص الكثيرون على ابعادها عن مناخ الشفافية بقدر الامكان ولكن أليس هذا العنصر هو على وجه الدقة مناط اهتمام المستثمر الجاد؟ أليس القاء المزيد من الضوء عليه هو افضل اسلوب لاستقطاب المستثمرين؟ أليس من حق من يدخل السوق بغرض الاستثمار بعيد المدى لا المضاربة لجني الارباح ثم المبادرة بالخروج من السوق - أليس من حقه ان يعرف اي عائد ينتظره من استثمار بعينه وان نترك له ان يقرر في ضوء الحقائق والارقام وليس الافتراضات والتخمينات؟ ايا كان الامر فان قضية الشفافية تظل بحاجة الى المزيد من الاهتمام والتأمل والمناقشة.