آسيا اليوم على مفترق طرق ويشهد شطرها الشرقي الجنوبي هدوء ما بعد العاصفة, صمت قلق يتشح بالكآبة التي تعلو الوجوه في أعقاب الزلزال هو ما تتسم به اقتصاديات آسيا حالياً. كانت الصدمة شديدة والخطب الاقتصادي جلل اقفرت معظم تلك الحجرات الفخمة التي كانت بالأمس القريب ملأ سمع العالم وبصره والتي شهدت ميلاد صفقات الثراء وضربات العمر في عالم المال والأعمال. لقد خبا ذاك الألق الذي شهدت به آسيا العالم وسطع من معجزتها الموؤودة فهل اندثر الحلم؟ لعل أسوأ ما في الامر ان الحماس قد تبدد فكما تقاعست الهمم اليوم عن مواصلة بناء البنية التحتية في هذه القارة بعدما ضرب المنطقة زلزال الأزمة المالية الخانقة فكذلك شح التمويل ونضبت الرغبة في مد يد العون والجود به, مما بات يثير مشكلة اخرى قد تجهض بقية الأمل الذي لاتزال آسيا في شطرها الشرقي تتشبث به. تريليون دولار ويبدو حاليا ان تلك الوصفة السحرية المقدسة التي ابتدعها البنك الدولي بمنحه قروضا تبلغ تريليون دولار لسد احتياجات البنية التحتية في المنطقة (والتي كان يفترض ان تلعب دور المحفز والباعث على قيام سوق سندات محلي اقليمي, رغم ان هذا لم يتحقق قط, بدأت الهالة التي كانت تحيط بها تتبدد, غير ان الصورة ليست قاتمة بالكامل, فها هي تايوان مثلا تشق طريقها بنجاح في تنفيذ برنامجها الذي تقدر قيمته بحوالي 30 مليار دولار, وسوف يكون في وسعها ان تعول بثقة على طلب محلي نشط نسبيا, واما في الصين, فان بناء البنية التحتية احد الاسلحة الفعالة في ترسانة بكين في مقارعة التضخم. وتتطلع اليوم شركات توليد الكهرباء الكبرى والثرية جدا في الولايات المتحدة وأوروبا, والتي عصفت بها حركات تخفيف القيود التنظيمية في اوطانها الى مشاريع الكهرباء في آسيا ولعابها يسيل, والشركات التي تتخذ من هونج كونج مقرا لها بدأت تتوسع في محافظ البنية التحتية الاستثمارية عبر الحدود والى داخل البلد الام الصين. واصبح التحويل هو كلمة السر والفرج المنتظر في آسيا التي ضربتها الازمة. البحث عن الفرص ويقول مدير التمويل الهيكلي لآسيا حوض المحيط الهادي في شركة باركليز كابيتال كيفن وول: (لازلنا منفتحين على المشاريع الاقتصادية في المنطقة. اندونيسيا ليست على الخريطة, غير أننا نفتش عن الفرص في كل مكان آخر تقريبا) وبفصل النشاط الذي شهده الاقتصاد خلال النصف الاول من العام الماضي قبل ان تبدأ المعجزة الآسيوية بالانطفاء, فقد بلغت قيمة صفقات تمويل المشاريع في آسيا 8.10 مليارات دولار, وانضم اليها تمويل استثماري قادم من استراليا بلغت قيمته 7.7 مليارات دولار, وفقا لارقام اصدرتها مؤسسة اي ان آر لتمويل المشاريع الدولية. وتلك الصفقات التي مولها اليابانيون وغيرهم من المستثمرين الدوليين حظيت بمعظمها اندونيسيا التي استأثرت العام الماضي بحوالي 2.4 مليارات دولار من صفقات التمويل الاستثماري الاجمالية الا ان تمويل المشاريع هبط بشكل مخيف في اندونيسيا هذا العام الى ما يشبه الصفر. مستويات متدنية وأما في تايلاند, ثاني اكبر الدول الآسيوية نشاطا لعام ,1997 فمن المتوقع كذلك ان يهوي تمويل المشاريع الى مستويات متدنية جدا. ووفقا لارقام قامت مؤسسة باركليز كابيتال بمقارنتها, فان الصفقات في النصف الاول من العام هبطت الى مجرد 1,5 مليار دولار, ولم يكن هناك سوى 10 مشاريع, وهو عدد ضئيل مقارنة بــ 92 تم تنفيذها العام الماضي, ويعتبر عددا تافها. وبالنسبة لعدد المشاريع المنفذة عام 1996 والذي بلغ 168 مشروعا (بلغت قيمتها 14 مليار دولار). ضربة قاضية وهذا التحول المفاجىء في اقدار هذا القطاع كان ضربة قاضية سحقت قنوات التمويل الناشئة, مثل اصدارات السندات. ومنذ ان جمعت هوبويل هولدنجز, وهي شركة يصلح سهمها المتداعي مثالا توضيحيا على الوضع الحالي لقطاع البنية التحتية, مبلغ 600 مليون دولار لمشروعها خط جنوب الصين السريع, لم يشهد سوق السندات سوى عمليتين كبيرتين لتطوير البنية التحتية. ويقول احد مدراء الاقسام في مؤسسة مورجان ستانلي دين ويتر, وهي بنك استثماري امريكي يتزعم حركة جمع التمويل لسندات تطوير البنى التحتية في المنطقة يقول سونجي زهيانج هذا: (ان سوق السندات اصبح مغلقا حاليا امام شركات تطوير البنى التحتية) . هذا وقد سعت مورجان ستانلي الى مد حدود ما كان عالما محدودا نسبيا من المستثمرين الامريكيين, الا ان مما أعاق تلك الجهود أزمة آسيا التي فجرت شرارة بدأ الخفض في قيمة البات التايلاندي في الثاني من يوليو. ومنذ تلك الفترة ظل سوق السندات في آسيا, وبشكل محدد حكرا على الفروض السيادية وعلى مشاريع البنية التحتية التي لاتزال قيد الانشاء والتي ارغمت على البحث عن سبل اخرى للتمويل. شركات البنية التحتية وبالنسبة لشيري ولزملائه من مدراء الشركات القائمة على تطوير البنى التحتية, وفي قطاع الكهرباء تحديدا فان اغراءات السوق الصيني لا تتمثل في تقدمها في مجال التمويل, اذ انها سمحت مؤخرا بتدفق تحويل اجنبي بالكامل تحت بند (ابن وشغل وانقل) بقدر ما تتمثل في التركيز الحالي الكبير على محطات الكهرباء. وهناك بعض ما يبشر بالخير. على اية حال اذ يشير الرئيس التنفيذي اوكس باو لكهرباء في امريكا بيرنارد شيري الى مشروع الكهرباء الذي تولته شركته في زهيجانج فيقول: (لقد تم اختيار المشروع لان هذا المجال ترتفع فيه حاليا تكلفة الكهرباء نسبيا, لذا فان التعرفة المطلوبة لدعم محطة جديدة ليست اكبر بكثير من معدلات الاسعار السائدة حاليا. وتحاول الصين الابتعاد عن المشاريع التي هي في جوهرها معدات مستوردة وتكنولوجيا بحرية. وعوضا عن ذلك وكما يقول شيري ان النموذج المثالي هنا ان تقوم بتوليد الكهرباء بشكل اقتصادي بالاعتماد على ترتيبات الحصول على الامتيازات من الشركات الغربية التي تقوم برفع مستوى قدراتها في توليد الكهرباء وفي المعدات اللازمة لتلك العمليات. توحيد المواصفات القياسية كما برز مؤخرا اتجاه تتركز جهوده على توحيد المواصفات القياسية لمحطات الكهرباء التي تبلغ طاقتها 600 ميجاوات بدل التركيز على ذلك الفيض الضخم من المحطات الاقل في طاقتها والتي تم تطويرها في السنوات الاخيرة. ولربما ساهم هذا الاتجاه في تسهيل مهام شركات التطوير, غير انه من ناحية اخرى اقلق الممولين الذين اصابهم الذعر عند فجر اندلاع ازمة آسيا. ويقول زهانج: كان هناك قلق بالغ خلال الشهرين الماضيين تمحور حول مخاطر خفض العملة في الصين وهونج كونج نتيجة لأزمة اليابان. وبينما يعتقد الناس ان هناك فرصا هائلة لاتزال الصين تدخرها, فان الناس استحوذ عليهم حذر شديد. والمناخ النفسي السائد حاليا هو العدو الاكبر لحركة انتعاش حاليا, الا ان الصين تظل قلعة الامل الاقوى في هذه اللوحة البائسة الالوان حاليا. ولاتزال البنوك, كما يقول زهانج, تتحين الفرص وتحدوها الرغبة وتبحث بحماس عن مناخ تنشط فيه عملياتها. الا ان من الواضح انها تحتاج الى تغطية افضل وان تكتشف سبلا جديدة اكثر جدوى تمكنها من استرداد قروضها الممنوحة, اما من خلال التأمين او ضمانات مساندة ــ اما من الحكومات المضيفة التي تمتلك المرافق المحلية او من الشركة الام القائمة على عمليات التطوير ــ وذلك لتحقيق هدف اساسي وهو تغطية مخاطر العملية. ترجمة: كمال البيطار