لايختلف اثنان على أن اختيار الدبلوماسي البروفيسور المستشرق رجل المخابرات السابق يفجيني بريماكوف لمنصب رئيس الحكومة الروسية هو قرار سياسي بحت ليس له صلة بالأزمة الاقتصادية والمالية التي كانت هي السبب في الأساس في عزل حكومة كيرينكو ومجيء تشيرنوميردين , ورفض البرلمان له , ثم تعيين بريماكوف ورغم ان الأزمة الاقتصادية ما زالت تفرض نفسها بقوة على الساحة في روسيا و ما زالت العملة المحلية في هبوط والأسعار في ارتفاع مستمر, ولاتبدو أية بوادر لتحسن الأزمة في القريب العاجل, إلا ان قرار تعيين بريماكوف رئيسا للوزراء لاقى ترحيبا كبيرا في جميع الأوساط, ووافق عليه البرلمان الروسي بأغلبية ساحقة, ولهذا في حد ذاته يؤكد ان الأزمة الاقتصادية في الواقع هي آخر ما يهم التيارات السياسية المتصارعة بشدة على السلطة في روسيا, وان كل ما يقولونه لا يبتعد عن كونه شعارات تستخدم الأزمة الاقتصادية لأهداف وأغراض سياسية, والمعانة التي يعانيها الشعب الروسي الذي أصبح أكثر من ثلثه يعشون تحت خط الفقر ويهددهم الجوع والفقر والبرد لا تهم السياسيين إلا في حدود استخدامها للمزايدة على خصومهم, ويزيد من حدة المزايدات السياسية الحرص على تصعيد الأزمة الاقتصادية بهدف توريط الخصوم الحالة التي باتت شبه ميئوس منها للرئيس (بوريس يلتسين) الذي أصبح من المؤكد ابتعاده عن السلطة تماما بعد انتهاء دورته الحالية في الرئاسة. وفي ظل هذا المناخ يأتي تعيين بريماكوف رئيسا للحكومة ليعكس مدى سيطرة الصراع السياسي على الساحة الداخلية في روسيا في الوقت الذي تبعد فيه الاهتمامات إلى حد كبير عن الأزمة الاقتصادية ومساعي حلها ووضع حد للتدهور المالي في روسيا. عدم ارتياح غربي وعلى صعيد آخر يلاحظ ان عودة بريماكوف لا تلقى قبولا واضحا في الدوائر الغربية, وأكثر من هذا تعطي مؤشرات سلبية, خاصة وان بريماكوف مصنف على الاتجاه السوفييتي الذي يسعى إلى تدعيم سلطة الدولة, وفرض هيمنتها على الفروع الأساسية والحيوية للانتاج, وينعكس هذا إلى حد كبير على التصريحات الصادرة عن بريماكوف نفسه منذ صدور قرار تعيينه, حيث صرح بأن روسيا لابد وان تعود دولة قوية لها سيادتها وهيمنتها على ثرواتها وأرضها وتملك قرارها بشكل نهائي, ويفسر الكثيرون تصريحات بريماكوف بأنها دعوة صريحة إلى استعادة سيطرتها على قطاعات الانتاج الرئيسية مثل النفط والغاز والطاقة النووية والمعادن وغيرها, وفي نفس الوقت تعنى تصريحات بريماكوف أيضا في رأي الكثيرين عدم التزام الحكومة الروسية بأي برامج اقتصادية مستوردة أو مفروضة عليها من جهات أجنبية وخاصة صندوق النقد الدولي. ويقول المحلل الاقتصادي الروسي (اندريه رومانوف) من جريدة (نيزافيسمايا) اليومية ان (الشوط الطويل الذي قطعته الحكومة الروسية من المباحثات مع المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين أصبح مهددا في نتائجه بمجيء بريماكوف لرئاسة الحكومة, وان الصندوق بالقطع سوف يكون في حاجة إلى بداية شوط جديد من المباحثات مع الحكومة الروسية من المتوقع ان تطول لفترة لن تتحملها الأوضاع الاقتصادية المتدهورة داخل روسيا. هذا في الوقت الذي لم تعكس تصريحات بريماكوف ما يطمئن الاقتصاديين والمستثمرين الأجانب ولم يلتزم في تصريحاته اقتصاديا بأكثر من قوله: بأن روسيا لن تتخلى عن ديونها الخارجية, وهو في حد ذاته تصريح خطير إذا صدر بمفرده دون الالتزام بمواصلة الاصلاح, لأنه عادة لا تؤكد على التزامها بديونها الخارجية إلا في حالة تشكك الآخرين في ذلك, وهذا بالفعل حال الدوائر الغربية غير المطمئنة بالمرة من تعيين بريماكوف في رئاسة الحكومة الروسية. العودة إلى المركزية وقد صرح المتحدث باسم البيت الأبيض ( بي كراولي) بأن واشنطن سوف تتعاون مع حكومة بريماكوف ولكن بشرط أساسي هو التزام الحكومة بمواصلة برنامج الاصلاح الاقتصادي. أيضا وزير الخارجية الألماني (كلاوس كينكل) قال: أنا أعرف بريماكوف جيدا فهو رجل سياسة من الطراز الأول وحريص كل الحرص على مصالح بلاده, أما عن التزامه بسياسة الاصلاح الاقتصادي فهو أمر يستدعي الانتظار والترقب. وتأتي المؤشرات المبدئية لتعكس خيبة أمل لدى الكثيرين في سياسة بريماكوف التي من الواضح انها تتجه أكثر إلى النظام الشمولي القديم, فقد اختار بريماكوف النائب الأول له في الحكومة الجديدة الشيوعي (يوري ماسليكوف) الرئيس السابق لوكالة التخطيط في الاتحاد السوفييتي, وهي الوكالة التي كانت مسؤولة أمام الحزب عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي للدولة, وفي نفس الوقت اختار بريماكوف لرئاسة البنك المركزي الروسي بدلاً لسيرجي دوبينين الاصلاحي اليساري القديم (فيكتور جراتشينكو) , ويأتي تعيين هذين اليساريين في هذين المنصبين الهامين مؤشرا غير مطمئن للكثيرين حول التوجهات الاقتصادية لحكومة بريماكوف الجديدة التي على ما يبدو أنها تميل أكثر للاتجاه اليساري. ورغم ان الأزمة الاقتصادية في روسيا هي التي صنعت كل الأحداث وأتت ببريماكوف إلى رئاسة الحكومة, إلا ان تصريحاته كلها حتى الآن أبعد ما تكون عن الاقتصاد, وكل تصريحاته تدور حول تأكيد عظمة روسيا والأخطار الخارجية التي تهددها وتسعى لتجزئتها, وجدد معارضته مرة ثانية لتوسعات حلف الناتو في شرق أوروبا, ولم يشر من بعيد أو قريب لأي برنامج اقتصادي تنوي حكومته الالتزام به , وكل ما قاله هو انه طلب مهلة من ستة أشهر إلى سنة لمعالجة الأزمة. ويقول الخبير الاقتصادي في المصرف الدولي (اتش إس بي سي) في لندن (روبين ديفيد) ان مجيء بريماكوف لرئاسة الحكومة في روسيا أمر غير مطمئن بالمرة, ولن يساعد على حل الأزمة الاقتصادية حتى لو استطاع تفادي زيادة حدة الصراع السياسي الداخلي, وبالقطع سوف يؤثر بريماكوف على توجه الاستثمارات الأجنبية إلى روسيا, خاصة أنه من الواضح اتجاهه وميوله للماضي السوفييتي وهذا ينعكس بوضوح على تصريحاته التي يكرر فيها التأكيد على عظمة روسيا وتعرضها لتهديدات خارجية كثيرة. ليس اقتصاديا ويقول خبراء المؤسسة المصرفية الأمريكية (ميريل لينش) ان (بريماكوف كاختيار ربما يكون إلى حد ما موفق سياسيا لكنه بالقطع ليس في صالح روسيا اقتصاديا, وحالة أسواق المال في روسيا الآن لا تحتمل مثل هذا الشخص, وهدوء الاوضاع السياسية الى حد ما لن يعني بالضرورة تحسن الاوضاع الاقتصادية, ومن المؤكد ان صندوق النقد الدولي لن يعطي روسيا القروض والمساعدات التي وعدها بها منذ بضعة شهور, وبدون هذه القروض ليس لدى الحكومة الروسية اي موارد داخلية أو خارجية تساعدها على مواجهة الازمة, ومن هنا يمكن القول ان اختيار بريماكوف لن يكون فاتحة خير على الشعب الروسي في المرحلة المقبلة. ويقول المحلل الاقتصادي في مصرف (باريبا) في لندن ستيوارت براون ان المستثمرين الاجانب في روسيا نفد صبرهم, وأصابهم الملل الشديد من كثرة التغييرات في توجهات الحكومة الروسية بسبب كثرة العزل والتعيين في هذه الحكومة, ويأتي تعيين بريماكوف السوفييتي ليطيح بما تبقى لدى المستثمرين الاجانب من آمال في استقرار الاوضاع في روسيا. تشاؤم كبير هذا التشاؤم لدى رجال السياسة والاقتصاد في الغرب من مجيء بريماكوف لرئاسة الحكومة الروسية واعتباره نذيرا يهدد بعودة الصدام بين موسكو والغرب, يقابله هدوء نسبي على الساحة الداخلية في روسيا حتى في اوساط كبار رجال الاعمال الروس الذين لم يرعبهم مجيء بريماكوف السوفييتي لرئاسة الحكومة, وهذا الهدوء من جانبهم له مبرراته الخاصة, وعلى رأسها انهم على يقين من ان بريماكوف لن يصطدم مع مصالحهم وإلا خسرت الحكومة دعامة تأييد قوية تحتاج اليها في الاقتصاد الداخلي, ايضا رجال الاعمال في روسيا يعلمون علم اليقين انه لا عودة للشيوعية في روسيا, وحتى لو عادت الدولة تفرض هيمنتها على بعض القطاعات الحيوية فهذا لن يعني بالضرورة استعادتها الكاملة لملكية هذه القطاعات, بل لن يزيد الامر عن مجرد كونه فرض رقابة على سير العمل في هذه القطاعات من خلال حصص اسهم سوق تمتلكها الدولة فيها, وهذا هو القائم حاليا في شركة (غاز بروم) العملاقة التي تملك الحكومة الروسية 38% من اسهمها ويملك القطاع الخاص باقي الاسهم بينما تتمتع الشركة بالاستقرار وتحقق نجاحات كبيرة في الاسواق المحلية والعالمية وترتفع اسهمها باستمرار, ورجال الاعمال الروس في حاجة الى الامن واستقرار الاوضاع اكثر من حاجتهم الى الحرية في ادارة مشاريعهم التي اصبحت مهددة بسب كثرة تقلب الاوضاع السياسية في البلاد. ولكن اذا كان هذا حال رجال الاعمال والمستثمرين الروس في روسيا فكيف يكون الامر بالنسبة للمستثمرين الاجانب؟ وهل هناك ما يطمئنهم على اموالهم ومشاريعهم داخل روسيا؟ الاعلام والاستثمار الواقع ان الاستثمار الاجنبي يؤثر عليهم اكثر من الاعلام الاجنبي وتصريحات الساسة والخبراء الغربيين, وكلها تشير الى ان الازمة في روسيا سوف تنمو وتزداد حدة, وان حكومة بريماكوف ليس لديها حلول عملية وواقعية لمواجهة الازمة, وانها اذا قررت التخلي عن برامج الاصلاح الاقتصادي التي تسير عليها الحكومة الروسية طيلة السنوات الماضية فإن الامر سوف يزداد سوءا, وسوف تزداد حدة التدهور الاقتصادي, ولن تجد الحكومة مصادر خارجية تساعدها في مواجهة الازمة. وقد كتب المحلل الاقتصادي في صحيفة (سيفودينا) الروسية اليومية (أندريا لافروف) يقول: ان بريماكوف ليست لديه اية رؤية واضحة ولا برنامج لحل الازمة, وأنه يعتمد فقط على دعم الشيوعيين له في البرلمان, وما يقوله الشيوعيون منذ سنوات سوف يردده هو الآن, وسوف يصطدم مع صندوق النقد الدولي, وسوف يغرق روسيا في مزيد من الازمات الاقتصادية, ولكن هذا الامر لن يطول كثيرا لأن الوضع الداخلي في روسيا على وشك الانفجار, والشعب الجائع الذي لم يتقاض رواتبه وأجوره من الحكومة على مدى اكثر من عام مضى لن تغريه تصريحات بريماكوف ووعوده باستعادة امجاد الدولة العظمى خاصة وأن صبر الشعب الروسي لن يحتمل الانتظار حتى عودة هذه الدولة المزعومة. ــ وهكذا تسير الامور في روسيا مع مجيء بريماكوف لرئاسة الوزارة الى مصير مجهول, هذا على الرغم من وعود بعض رجال الاعمال الكبار في روسيا بتأييد الحكومة الجديدة, الا ان مصير مساعدات صندوق النقد وغيره من المؤسسات المالية الدولية يصبح مهددا بشكل كبير, وكذلك الاستثمارات الاجنبية تصبح في وضع لا تحسد عليه داخل روسيا, بينما سوف يتوقف تدفق المزيد من هذه الاستثمارات الى الاقتصاد الروسي في المستقبل القريب, اذا ما استمرت توجهات الحكومة الجديدة على ما هي عليه الآن حسبما تعكسها مؤشرات تصريحات بريماكوف والشيوعيين الروس الذين يعتبرون انفسهم قد حققوا انتصارا كبيرا بإجبار الرئيس يلتسين على اختيار بريماكوف لرئاسة الحكومة وسحب مرشحه الأول تشيرنوميردين, ويبقى مصير الازمة الاقتصادية في روسيا مجهولا وغير مطمئن في انتظار المزيد من الوضوح في سياسة الحكومة الجديدة في المستقبل القريب. بقلم: مغازي البدراوي