في أعقاب تسليم بريطانيا مستعمرتها السابقة هونج كونج الى الصين, انزوى آخر حكامها البريطانيين كريستوفر باتن وعكف على كتابة مؤلفه في منزله الريفي في فرنسا . وكتاب (الشرق والغرب) هذا ما زال منذ تسربت الأنباء عنه وعن فحوى ما يضمه بين دفتيه يثير عواصف من ردود الأفعال العنيفة والجدل الصاخب. أغضب باتن العديد من المعسكرات, بل يكاد يكون اخفق في ارضاء اي من الأطراف التي كان له احتكاك مباشر بها أو كتب عنها, ولم يسلم من سخط الساسة ولا كبار رجال الأعمال لا في الشرق, حيث واجه موجة عارمة من الانتقاد والتجريح في الصين وهونج كونج ولا في الغرب الذي كان قد عقد العزم على استغلال ما يعد به سوق الصين الهائل من فرص استثمارية وآثر لذلك غض البصر والتزام جادة الحذر والتكتم في تعاملاته مع زعماء الصين خشية استثارة غضبهم وخسران تلك الفرص المغرية الواعدة. وممن فاز باتن بعداوتهم امبراطور الاعلام الاسترالي روبرت يردوخ, الذي كانت دار هاربر كولينز للنشر التابعة لها قد تعاقدت لنشر كتاب باتن (الشرق والغرب) ثم ما لبثت ان رفضت نشره انصياعاً لضغوط يردوخ. وينتظر ان يطل كتاب باتن في فترة يسعى الغرب خلالها لخطب ود هذا التنين العملاق بعدما ادركت اوروبا وأمريكا ما يمثله هذا الكيان البشري الهائل من قوة اقتصادية لذا كانت اصوات السخط عارمة. فباتن يطالب الغرب بالكف عن المداهنة والنفاق وغض الطرف عن انتهاكات حقوق الانسان في الصين بسبب ما يمني به النفس من منافع يرجوها وباتن من ناحية اخرى لا يدخر جهداً في ادانة السياسة الصينية ويطالبها بالخروج من قمقم الجمود. رفض الاحتواء ويخاطب باتن ديمقراطيات الغرب ليعرب عن رفضه لسياسة احتواء الصين, غير انه يجاهر في الوقت نفسه بأن على الغرب ان لا يغفر تصريحاً او تلميحاً لحكومات الصين ما اقترفته في ماضيها وحاضرها. وبالطبع فإن باتن لا يعارض ابداً ان تغتنم الصين فرصتها وان تسعى لصعود نجمها في هذه الحقبة من التاريخ لتكتشف في غمرة هذا الكفاح لنيل فرصتها ان ذاك المزيج السحري بين السياسة والاقتصاد يقتضيها لكي تحقق معادلة النجاح احداث ثورة في المفاهيم السياسية والاقتصادية التي نخرها سوس الجمود. وهو يبدي تفاؤلاً كبيراً في ان تصغي الصين في نهاية المطاف وقبل فوات الأوان الى صوت التحديث وتجديد ما شاخ من فكرها ومثلها حتى يكون تحولها الى القرن الحادي والعشرين مدعاة الى الازدهار والاستقرار. قضايا ضد المساومة ولا يناهض باتن سعي الغرب لتحقيق مصالحه, الا انه يشدد الا يكون هذا على حساب قضايا لا يمكن المساومة بشأنها بدأ بسباق التسلح وانتهاء بحقوق الانسان وهو يطالب كل القوى بتحمل مسؤولياتها بشكل لا يحدث معه تصادم بين هاتين الرؤيتين, يرى باتن ان على الغرب الضغط على الصين لتوقع المعاهدات الدولية والمواثيق التي تضبط السلوك وتضمن صيانة حقوق الانسان ومن اجل قضايا اخرى كثيرة, ويرى ان على الغرب مد يد العون للصين, اذا رغبت حكومات الصين بذلك وأرادته وذلك في مجالات مثل سن القوانين وتدريب القضاة, ويعلن انه لا بد من احداث ضجة تكف يد الصين عن اضطهاد المنشقين والمعارضين داخل الصين وفي منطقة التيبت. رفض التهديدات وينبغي حسب رأيه ان لا يأبه الغرب كثيراً بجعجعة الصين وتهديداتها بهذا الصدد ويضرب باتن على ذلك مثلاً بأنه عندما تحتج الصين على مواقف زعيم امريكي او أوروبي بدون وجه حق فينبغي ان تكون ردة الفعل هي ذاتها التي تواجه بها أمريكا وأوروبا الآخرين في مثل هذه الحالات دون اعتبار للخوف المبطن من فوات المصالح مع هذا البلد الكبير. ويشير باتن في ثنايا كتابه الى ذلك الجدل الذي ظل وما يزال يحتدم حول أحقية الصين بالتمتع بامتياز كونها بلداً مفضلاً أو الاكثر تفضيلاً في مكانتها التجارية بالنسبة لامريكا ويرى ان هناك تعتيماً على اثارة هذه القضايا في المحافل الدولية وتجنب المحاباة غير المبررة. ويتطرق باتن الى المفاوضات مع الصين ويرى انه لا داع البتة للتراخي معها تحسباً من فوات بعض الامتيازات والمنافع, مما يقود الى مواقف نفاق وتخاذل ويرى ان اي توجه للصين للفوز بعضوية منظمة التجارة العالمية بشارة خير ينبغي تشجيعها دون التفريط والتنازل عما يراه الغرب قضايا مقدسة أو لي أعناق القوانين كي توافق مواقف المداهنة.