رغم الانجازات الكبيرة التي حققها لبنان على كافة المستويات في عملية النهوض واعادة الاعمار والبناء, مازال الاقتصاد اللبناني يعاني أزمة ركود حادة, تطال مختلف القطاعات الانتاجية وتلقي بثقلها على كاهل المواطن الذي يعاني بدوره اوضاعا معيشية صعبة , واذا كانت هذه المشكلة تبدو بانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية المرتقبة شديدة الخطورة فإنها تزداد خطورة وتفاقما بسبب غياب سياسة اقتصادية معلنة واضحة المعالم, من شأنها ان تضع الاطار السليم للمعالجة المطلوبة وهذا ما يعترف به معظم المسؤولين في لبنان. يرى وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني ياسين جابر, وهو المعني المباشر بوضع برامج التنمية الاقتصادية, ان معالجة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني ومن بينها مشكلة الركود, تفرض بالضرورة زيادة الانفتاح الاقتصادي على الخارج والعمل على جذب وتشجيع الاستثمارات وزيادة حجمها وكذلك العمل على تنشيط عجلة قطاع الاسكان وهذا ما تعمل عليه الحكومة وفي هذا الاطار يقول الوزير جابر: ان هناك حاجة ملحة لتكبير حجم السوق اللبنانية عبر انفتاحها على اسواق المنطقة والاسواق العالمية كما ان هناك حاجة لتشجيع وزيادة الاستثمارات الوطنية والعربية والاجنبية في لبنان, عن طريق تسهيل المعاملات الادارية والتراخيص, وتأهيل الادارة العامة لتفيد من ثورة المعلوماتية العالمية بأن تضعها في خدمة متطلبات المستثمر الذي يحتاج الى معلومات تساعده في اتخاذ القرار بالاستثمار وهناك ايضا ضرورة لتحديث القوانين اللبنانية لسد كل الثغرات التي يمكن ان تواجه صاحب كل حق في لبنان, الامر الذي يدعو الى اجراء تطوير تشريعي كبير , وتحديث ومكننة عمل القضاء, وتسهيل معاملات تأسيس الشركات وتحويل الاملاك التي تمتلكها عائلات الى شركات مساهمة مما يسهل وسائل الاستثمار ويدفع الراغبين في الاستثمار في الاسهم الى شرائها والمساهمة في شركات عامة. نجاح السياسة التجارية وحول مسألة غياب السياسة الاقتصادية الواضحة للدولة والخطوط المبعثرة التي سلكها الاقتصاد اللبناني منذ نهاية الحرب في مطلع التسعينات وحتى اليوم يؤكد الوزير جابر ان اهم ما نجح فيه لبنان هو وضع سياسة تجارية واضحة حيث يشرح في هذا الصدد اهمية دخول لبنان الاتفاقات الاقتصادية العربية, ومع اوروبا وانضمامه الى منظمة التجارة الدولية فيقول: يحتاج لبنان الى تحديد سياسته التجارية للسنوات المقبلة وهذا الامر طبيعي اذ تعتمده اكثر الدول تطورا في العالم, ويفترض ان يطور لبنان سياسته التجارية , بحيث تأتي تكملة لسياسته الصناعية والسياحية فعلى الصعيد الاقليمي بات البلد واعيا ان مستقبله يعتمد في شكل اساسي على تعاونه مع الدول العربية ومن هنا كانت مبادرة لبنان بالانضمام الى الاتفاق العربي لانشاء منطقة تجارية كبرى, الذي يخفض الجمارك بنسبة 10% سنويا ابتداء من يناير المقبل حتى نصل في عام 2007 الى منطقة جمركية موحدة وكاملة تمتاز بأن الرسوم جمركية في نطاقها على غرار دول آسيا والاتحاد الاوروبي وهذا ما بدأنا به ايضا عبر الاتفاق اللبناني ــ السوري لتحرير التجارة والغاء الجمارك ابتداء من 1/1/1999 ثم مع الجانب المصري لهذه الغاية خلال فترة خمس سنوات تبدأ من 1/1/1999 ايضا ويضيف : اذا القينا نظرة على الصادرات اللبنانية نرى ان نسبة 70% منها تتجه الى الدول العربية ومن شأن الاتفاق العربي لقيام منطقة تجارة حرة ان يرفعها بشكل كبير ومن ناحية اخرى ومن اجل استقطاب استثمارات في القطاعين التجاري والصناعي علينا توسيع حجم السوق اللبنانية لانها وحدها تعتبر صغيرة ولا جدوى اقتصادية من درس اقامة مشاريع فيها لكن اذا وسعنا حجمها بانضمام سوقنا الى اسواق سوريا ومصر والدول العربية الاخرى, عند ذلك يصبح درس المشاريع لنحو 200 مليون نسمة بدلا من اربعة ملايين للبنان وحده, الامر الذي يعطي للمشاريع جدوى اقتصادية اكبر فلبنان بات عضوا في الاتفاق العربي وقد ابلغ ذلك الى الجامعة العربية. الشراكة اللبنانية ــ الاوروبية ويتابع الوزير جابر حول اهمية الشراكة اللبنانية ــ الاوروبية فيقول: ان الاتحاد الاوروبي هو شريكنا الاساسي في التجارة فمن مجمل قيمة مستوردات لبنان الاجمالية السنوية والبالغة سبعة مليارات دولار امريكي يستورد لبنان باربعة مليارات دولار من اوروبا ولذلك فان مشروع الشراكة بين لبنان والاتحاد, فرصة لتحرير التبادل التجاري واستقطاب الاستثمارات الاوروبية ولم يأخذ بعد المشروع صيغته النهائية, ولايزال يحتاج الى اشهر عدة لاتخاذ قرار نهائي وهذا الملف يعالجه رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ورغم اقتناعنا بأنه اتفاق حيوي, فإن بعض النقاط بحاجة الى معالجة مثل ايجاد بدائل للرسوم الجمركية خاصة وان 50% من واردات الدولة تعتمد على الجمارك اي مايوازي اربعة مليارات ليرة لبنانية والغاء الجمارك يحرم الخزينة هذا المبلغ. ويضيف جابر: من هنا ثمة عروض بديلة مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة المبيعات حتى ان طلب لبنان زيادة المساعدات الاوروبية فهو يرى انه لايمكن احتساب موضوع الدعم المالي له بالطريقة نفسها التي تحتسب للدول الاخرى, على اساس رأس المال, وهذا لايكون دقيقا بالنسبة الى وضع لبنان لانه لايزال يحتاج الى اعداد وضعه وتهىئته بعد الاضرار التي اصابته من جراء الحرب. ويوضح الوزير جابر علاقة لبنان بدول الاتحاد الاوروبي على ضوء الاستعدادات لاتفاقات الشراكة, وبالتالي التحضير للانضمام لمنظمة التجارة الدولية , فيقول: لقد بتنا نتحدث مع الاوروبيين باعتبارنا نملك مسلمات. والواقع ان انفتاحنا اقليميا يجعل من امر حصول الشراكة مسألة معقولة وناجحة, لان بقاء لبنان منغلقا على نفسه, لن يفيده شيئا الدخول في اتفاق الشراكة الاوروبية لان من يسعى الى تأسيس مشاريع وصناعات وهو في حجم لبنان, عليه ان يسعى الى اسواق اكبر من حجمه. ويضيف قائلا: اصبح موقفنا من الشراكة واضحا من ناحية مانريده, اذ اننا لانريد ان تنظر المجموعة الاوروبية للبنان, كسوق لبضائعها فقط, انما ننظر للشراكة الحقيقية بان تكون هناك حوافز من قبل اوروبا لشركاتها كي تستثمر في لبنان, لان القطاع الخاص في لبنان, كما في الدول العربية الاخرى, بحاجة لدعم مادي ومعنوي من حكوماته كي ينطلق نحو هذه المنطقة التي فيها بعض الصعوبات, وهذا الدعم يمكن ان يكون من خلال تمويل مشاريع بفوائد مخفضة, وان يتم تأمين دراسات للمشاريع, ودعم لنقل التكنولوجيا الى المنطقة. وعن الاجراءات التي قامت بها الحكومية لتطوير الوضع الاقتصادي, وعما اذا كان يرى عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة, يجيب الوزير جابر قائلا: - لقد استطعنا ان نضع سياسة تجارية بعد اجتماعات عديدة مع رئيس الحكومة ووزير الدولة للشؤون المالية, وبالتشاور مع وزيري الصناعة والزراعة. وكونا لجنة درست الاتفاقيات, واستطعنا في النهاية الخروج بسياسة تجارية واضحة, تبين التوجهات المستقبلية في التجارة, وتحدد ما اذا كنا سندخل في اتفاقات تحرير التجارة. واليوم نحن بانتظار استحقاق في بداية العام المقبل, حيث سنبدأ التنفيذ مع سوريا, واتمنى في الحكومة القادمة ان ينشىء الوزراء المعنيون بالشأن الاقتصادي لجنة مشتركة, شأن كل الدول. لاشك في ان هناك وضعا سيئا في البلد, وهناك انكماش اقتصادي, برغم الكثير من الايجابيات التي تحققت على صعيد تهيئة البلد للمستقبل, ونستطيع ان نلمس هذا من كثير من المؤشرات. الانفتاح على الخارج ويؤكد جابر ان قرار لبنان المتعلق بدخوله منظمة التجارة الدولية انما يأتي انطلاقا من ايمانه بالعولمة والانضمام الى الاسرة العالمية التجارية, فقد انضمت الى المنظمة حتى اليوم 130 دولة, وهناك 40 دولة في طريقها الى الانتساب, والنتيجة ان العالم كله انضم الى المنظمة, ولا يمكن للبنان ان يكون خارج الاطار الدولي. وفي هذا يؤكد جابر ايضا ان اهمية الاتفاقات التي يعقدها لبنان مع دول العالم بغية منع الازدواج الضريبي وضمان تشجيع الاستثمارات, والتي ناهزت الثلاثين , ترمي الى ربط لبنان بالدول الشقيقة والصديقة, وتشجع على تبادل الاستثمارات بين اللبنانيين وغيرهم, والافساح في المجال امام اللبنانيين للتوظيف بثقة اكبر وفي مناخ من الضمانات القانونية وكل هذه الاتفاقات تؤدي دورا اساسيا في اعادة لبنان الى الخريطة العالمية, وفي ان يكون عنصرا فاعلا في المجتمع الدولي. لبنان جنة الاستثمارات وحول مساعي الحكومة لتحسين الوضع الاقتصادي في لبنان من خلال زيادة حجم الاستثمارات فيه يقول الوزير جابر: - اصبح لبنان يعتبر, وبحكم الواقع, جنة لجميع المهتمين بالاستثمار او بالتجارة من والى لبنان, وذلك نتيجة حرص الحكومة على المحافظة على اقتصاد السوق الحرة, والانفتاح الاقتصادي, وتسهيل قوانين التأسيس لاي استثمار او عمل تجاري, حيث ان المستثمرين الاجانب يستطيعون بسهولة كبيرة التأسيس لاي عمل في لبنان من دون الحاجة لشريك محلي او كفيل, اضافة الى ان الضرائب المزدوجة متدنية جدا كما ان الانجازات التي تحققت على صعيد البنى التحتية من شأنها ان توفر اقصى الخدمات الممكنة للمستثمرين. وفي حديثه عن كيفية الخروج من ازمة الركود المتفاقمة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني بكل قطاعاته, يركز الوزير جابر على اهمية دفع العجلة الاقتصادية من خلال تحريك قطاع الاسكان اذ يقول: - لقد قلت لاكثر من مرة اننا لكي نستطيع تحقيق انفراج حقيقي, لابد من ولوج البوابة الاساسية المتمثلة بقطاع الاسكان, اذ يجب ان نبدأ بالقطاع العقاري لاننا اذا ما استطعنا تحريكه, نكون قد حركنا اموالا كثيرة ولان الموضوع يحتاج الى تعاون من المجلس البناني فيما يتعلق ببعض التشريعات واجراء التعديلات عليها, خاصة في موضوع الرسوم المفروضة على المستثمرين العرب الذين يمكن ان يأتو الى لبنان. - ويضيف الوزير جابر قائلا: ان الخطوة الايجابية التي تحققت على هذا الصعيد هي الخطوة باتجاه تفعيل دور مؤسسة الاسكان والتي من شأنها ان تخلق حوافز للشراء, وتحرك البلد من خلال دورة اقتصادية كاملة ويجب ان يضخ في السوق 500 - 600 مليون دولار على الاقل لاسيما في قطاع الاسكان لاعادة تحريكه وخلق هذه الدورة الاقتصادية المطلوبة ففي كل دول العالم , من المعروف ان قطاع الاسكان هو المحرك للاقتصاد . علما ان السياسات التي نتبعها اليوم في المجالين النقدي والمالي, وبسبب الظروف الموجودة, هي سياسات محافظة , وضد التضخم. واقصد هنا سياسة الفوائد العالية وجمع النقد من السوق و (شفط) السيولة ورفع الفوائد حيث ان كل ذلك يشجع الناس على توظيف امو الهم في سندات الخزينة التي يصدرها المصرف المركزي لدعم سياسته النقدية وسد حاجات الخزينة العامة من الاقتراض. وفي تقييمه للوضع الاقتصادي العام في لبنان خلال هذه الآونة يقول الوزير جابر: اليوم وللاسف, اعتقد ان الثقة بالمستقبل عند المستهلك وعند المستثمر متدنية كثيرا فالذي يملك مبلغا من المال يحرص على عدم التصرف به بانتظار ما سيحدث وكثير من الناس لاتشتري الا الضروري لذلك نحن بحاجة الى صدمة ايجابية في الوضع السياسي وفي نظرتنا التفاؤلية الى المستقبل, لان هذا يخلق تآثيرا ايجابيا على الاقتصاد فالانتخابات البلدية التي جرت منذ اشهر كانت عنصرا ايجابيا حيث اوحت بوجود جو ديمقراطي في البلد. واليوم نحن في موقع خطر, لاننا قمنا ببناء بنى تحتية بالدين, ونحن الآن بحاجة لريع كبير من هذا الاستثمار الذي وظفناه , كي نستطيع الحفاظ على القدرة على دفع الفوائد, ولا يمكن الحصول على هذا الريع من دون نظرة مستقبلية معقولة, وبالتالي فنحن بحاجة الى هدوء داخلي, والى نوع من الاستقرار في السياسة الداخلية والى ان يكون العمل جاريا باستمرار. بيروت ــ رفعت جعفر