والآن جاء دور البنوك لتشعر بسخونة الازمة التي تتفاعل في السوق الدولية والتي مازال الخبراء يحاولون رصد المدى الذي يمكن ان تذهب اليه . فقد جاء اعلان بنك باركليز البريطاني اخيرا بأنه سيضطر الى عمل مخصصات لديون تبلغ 250 مليون جنيه استرليني اي ما يعادل حوالي 350 مليون دولار مستحقة على روسيا كمفاجأة للمتابعين لشؤون المصارف نظرا لانه اعلن قبل وقت قصير ان خسائره في السوق الروسية لن تتعدى 50 مليون جنيه استرليني. وباركليز ليس وحده في ذلك فهناك عدد من البنوك العالمية اعلن انه مضطر لعمل مخصصات تصل الى حوالي 7.5 مليارات دولار بسبب الازمة الروسية. وهذا الرقم متواضع للغاية, بالنظر الى حجم التعاملات المصرفية الدولية وعمليات الاقراض التي تقوم بها البنوك. لكن الحسابات النظرية شىء والواقع شىء آخر, فالواضح ان ارقام الديون التي ستضطر البنوك الى شطبها بسبب الازمة في روسيا ستكون اكبر من ذلك وستآكل من ارباحها هذا العام. والواضح ايضا ان الازمة امتدت لتشمل الكثير من الاسواق الناشئة في العالم التي فقدت ثقة المستثمرين فيها وتشهد نزوحا هائلا للاموال منها الى اسواق وادوات اكثر امانا مثل سندات الخزانة الامريكية والبريطانية والفرنك السويسري وفي امريكا اللاتينية اصبحت كولومبيا اول دولة تضطر الى خفض عملتها تحت ضغط السوق بينما تتعرض عملة البرازيل اكبر اقتصاد هناك الى ضغوط هي الاخرى. ووسط حالة الاضطراب هذه في الاسواق العالمية فان الواضح ان المقرضين اصبحوا اكثر حذرا, وان الاموال المتاحة للاقراض اصبحت شحيحة وارتفعت تكلفتها فحتى شركات كبرى تحتاج حاليا الى دفع معدلات فائدة اعلى من اجل توفير التمويل اللازم , فما بال دول في العالم الثالث, او شركات صغيرة ليست لديها قدرات كبيرة. ويقول بعض المحللين ان جزءا كبيرا في حالة الخوف هذه نفسية لان العوامل الاساسية في اقتصاد الولايات المتحدة وفي اقتصاد غرب اوروبا قوية للغاية وهما يمثلان نحو 60% من اقتصاد العالم. لكن (النفسي) في هذه الحالة يتشابك كثيرا مع الواقع وقد يصبح عاملا اساسيا, نظرا لان من يتخذ القرارات في الاسواق العالمية هم في النهاية بشر عاديون. والخوف الاكبر هو ان تدفع هذه التقلبات والاحجام عن الاقراض وارتفاع تكلفته السوق الامريكية الى الانكماش والافراد هناك الى تقليل استهلاكهم بما يقود الى ركود سيمتد بكل تأكيد الى اوروبا الغربية, لتصبح الازمة عالمية بالفعل. لذلك فان التفكير يتجه الآن في الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل خاص نحو خفض اسعار الفائدة بشكل جوهري كي يمنع حدوث ما يسمى باحتناق في السيولة , وانكماش حاد في الاقراض. والمشكلة التي يلاحظها كثيرون هي ان السلطات النقدية هناك مترددة كثيرا في اتخاذ قرار بخفض اسعار الفائدة , وهي حائرة ولها ما يبررها في ذلك. فهذه السلطات النقدية تتخذ قراراتها بناء على عوامل محلية, وليست خارجية, بمضي مستويات التضخم والسيولة في سوقها, وهي حتى لو رأت سحب المتاعب تتجمع من الخارج على ابوابها تظل مترددة في اتخاذ قرار قبل ان ترى التأثير واضحا على سوقها المحلية. لذلك فان اجتماع الدول الصناعية السبع الكبرى, وفي اسرع وقت ممكن يمكن ان يحل المشكلة او يخففها عن طريق اتخاذ القرارات على اساس رؤية عالمية مشتركة وفي اطار تنسيقي بين اكبر اقتصاديات عالمية, وذلك قبل ان يفوت الاوان وتتفاقم المشكلة. ويجب ان يكون نظر مسؤولي هذه الدول مركزا بشكل خاص على البنوك لانها المؤسسات التي تمسك بمفاتيح الاقراض الدولي.