يبدو أن عدوى الازمات الاقتصادية السائدة في العالم كله لم تترك صغيرة ولا كبيرة الا وزحفت حتى وصلت الى الاسواق الصغيرة التي لايعطيها الخبراء والمراقبون والمحللون الاقتصاديون اي اهتمام ولا يدخلوها في قوائم الحسبان عند وضع السياسات الاقتصادية وقياس أحوال السوق, هذا على الرغم من ان بعض هذه الاسواق يمس بشكل حيوي حياة قطاع كبير من المجتمع, ويتعامل معه غالبية الافراد من مواطنين ووافدين وغيرهم, والى جانب هذا فإن هذه القطاعات تتأثر بشكل كبير بالاحوال العامة للسوق وبمستوى النمو الاقتصادي في الدولة. ومن هذه القطاعات الحيوية والاسواق الهامة سوق الاثاث المستعمل الذي نادرا ما نلتقي بأحد لم يتعامل معه سواء بالبيع او بالشراء, فالفقراء ومتوسطو الدخل والكثير من الوافدين للعمل في دولة الامارات ولمدد محدودة يتعاملون بشكل مباشر مع هذا السوق عند حضورهم, وعند مغادرتهم للبلاد, وكذلك بعض المواطنين يتعاملون مع هذا السوق سواء الاغنياء منهم أو اصحاب الدخل المحدود, والفارق هنا بين من هو البائع ومن المشتري, فالاغنياء واصحاب الدخول المرتفعة لايجدون وسيلة للتخلص من الاثاث المستعمل عندهم حتى يتمكنوا من شراء اثاث جديد الا بالاتصال بتجار الاثاث المستعمل ليحضروا ويحملوا هذا الاثاث ويدفعوا لهم ثمنه, بينما متوسطو ومحدودو الدخل يلجأون لسوق الاثاث المستعمل بهدف الشراء في الغالب, وايضا بهدف البيع احيانا. العرض يتفوق ويقول تاجر الاثاث المستعمل (سمعان جبور) ان المعروض من الاثاث المستعمل اصبح يفوق الطلب بكثير, والمخازن عندنا ممتلئة عن اخرها, والمال لدى الناس قليل وهذا يجعلهم يبحثون عن الارخص حتى لو اضاعوا النهار كله في الطقس الحار يتجولون في سوق الاثاث المستعمل من اجل شراء قطعة واحدة. ويقول جبور لقد كان السوق من قبل نشيطا وجيدا رغم ان المحلات والمعارض كانت اكثر من الان بكثير, وبعد ان كان السوق في منطقة واحدة فيه 36 محل اثاث مستعمل الان هناك اربعة محلات فقط, ورغم ذلك الازمة مستمرة ويصعب علينا مواجهتها, ويضيف جبور بانه (اذا كان سوق الاثاث الجديد راكدا, والمحلات هناك تضطر للبيع بالتقسيط المريح فماذا نفعل نحن الذين لا نستطيع البيع بالتقسيط لان الاسعار عندنا اقل من ان تحتمل التقسيط؟ ويستعرض (جبور) الاسعار عنده قائلا غرف النوم عندنا استعمال سنة او سنتين على الاكثر يتراوح ثمنها مابين 800 و1000 درهم في حين سعرها وهي جديدة يصل 2000 درهم, وعندنا غرف نوم من نوع جيد واستعمالها بسيط ثمنها وهي جديدة حوالي 9 آلاف درهم, ونبيعها بحوالي 1500 درهم وربما اقل لو وجدنا من يريدها, وارباحنا في القطعة لاتزيد بحد اقصى عن 200 درهم بعد خصم تكلفة النقل والتصليح وأجور العمال وايجار المحل, ولدينا اجهزة مختلفة مثل التلفزيونات التي يصل ثمنها عندنا الى 350 درهما في حين سعرها جديدة يصل 1300 درهم, وعندي تلفزيون 26 بوصة ثمنه جديد 3000 درهم ابيعه بحوالي 500 درهم لو وجدت مشتر. ويقول (جبور) كنا نعتمد من قبل على الوافدين وكانوا اهم الزبائن الاساسيين لدينا, ولكن مع زيادة الاعباء, والغلاء تراجع الوافدون وأقبل بعض المواطنين على شراء الاثاث المستعمل خاصة في مواسم الاعياد وقبلها, ويرى (جبور) ان استمرار السوق بهذا الشكل لمدة عام آخر يشكل بالنسبة للتجار أمة كبيرة قد لايستطيعون معها توفير نفقات المحلات واجور العمال, خاصة وانه لاتوجد لديهم تجارة جملة حيث تنتشر محلات ومعارض الاثاث المستعمل في كل مدن الامارات وكلها لها مصادرها من داخل المدينة من اصحاب الاثاث انفسهم. ويقول (جبور) ان الشيء الوحيد الذي ينعش السوق هو اجهزة التكييف المستعملة لان كل شخص قادم جديد يحتاج بالضرورة لتكييفات, واسعارها تتراوح مابين 300 الى 500 درهم حسب حالتها. ويرى (جبور) ان قرار منع استقدام العائلات لمحدودي الدخل من الوافدين اثر بالسلب كثيرا على سوق الاثاث المستعمل, حيث اصبح الوافد بمفرده يكتفي بأي اثاث قليل لقضاء حاجته. ويضيف (جبور) بأن المواطنين يبيعون اثاثهم الفاخر بعد عام أو عامين على الأكثر ونحن نشتري منهم بسعر مرتفع بعض الشيء لان حالته جيدة لكن للاسف لانجد من نبيعه له. سوق ضعيف ويقول تاجر الاثاث المستعمل (حاجي عبد الرحيم) ان السوق الان ضعيف واحيانا يمر علينا خمسة أيام كاملة بدون زبون واحد, وكنا دائما نستعد في نهاية الشهر لاستقبال عدد كبير من الزبائن, والآن يمر آخر الشهر ولا يحضر أحد., ويقول (حاجي) لا ادري ماذا سوف نفعل اذا استمر السوق على هذا الحال, وعندنا المخازن ممتلئة عن أخرها بالاثاث المستعمل ولا نستطيع ان نتوقف عن الشراء لان لدينا دائما أمل ان الازمة سوف تنفرج. طلبات كافية ويقول تاجر الاثاث المستعمل (عيسى عبد الكريم) (ابو فادي) لقد اصبح زبون الاثاث المستعمل شخص له طلبات خاصة ويطلب خشب من نوع خاص, وجودة وشكل جيد, وكل هذا يريده بأرخص سعر واذا قلت له السعر يقول لك هذا كثير والافضل اشترى جديد, ايضا الزبون يطلب الان اثاث مستعمل صغير الحجم وذلك لان معظم البنايات الحديثة غرفها صغيرة, هذا في الوقت الذي تتكدس عندنا كميات كبيرة من الاثاث كبير الحجم لاننا نشتري الكثير من الاثاث في الغالب من المواطنين, وكلهم يفضلون الاثاث الكبير لان المنازل عندهم رحبة واسعة, ولهذا نعاني كثيرا في بيع هذا الاثاث الكبير الحجم. انتعاشة بسيطة ويضيف (ابو فادي) بأن الموسم ينشط عندنا احيانا في شهر مايو على الاجهزة مثل المكيفات والثلاجات والغسالات, ونحن نعتمد في وقت الازمات على الاجهزة الالكترونية اما الاثاث فنحن نجلس بالايام ننتظر زبوناً, والالكترونيات افضل عندنا من الاثاث لانها اصغر حجما ولاتشغل حيزا في المكان ولا مشقة في النقل, والايرانيون يشترون منا في بداية الصيف كميات كبيرة من الثلاجات وينزعون منها (الموتورات) حتى لايدفعون جمارك عند دخولها لايران. ويقول (ابو فادي) ان هناك انتعاشة بسيطة في السوق سببها اقبال تجار الاثاث من سلطنة عمان على شراء الاثاث المستعمل من دولة الامارات بالجملة لبيعه عندهم في عمان حيث السوق منتعش عندهم اكثر من عندنا الآن مستوى معيشة المواطنين العمانيين اقل بعض الشيء من المواطن بالامارات. ويضيف ابو فادي قائلا ان السوق يعاني من ركود شديد عندنا طوال الصيف, وينشط قليلا مع بداية الموسم الدراسي, والاقبال عندنا على الاثاث من الصناعة المحلية لان سعره اقل من المستورد. ويستعرض (ابو فادي) الاسعار قائلا ان اغلى الاثاث المستعمل هو التركي, حيث تصل غرفة النوم من الاثاث التركي وهي مستعملة الى 2500 درهم بينما الالمانية والايطالية لاتزيد عن 1000 درهم, وكان في المحل غرفة ايطالي نوم ثمنها وهي جديدة 12 الف درهم وحالتها جيدة وبيعت بثمانمائة درهم فقط بسبب ركود السوق. هذا الركود الذي يعاني منه سوق الاثاث المستعمل في دولة الامارات الان ماهو الا انعكاس للحالة العامة من الركود في الاسواق المحلية والعالمية وحتى لو تصور البعض ان سوق الاثاث المستعمل بعيد عن الازمات العالمية فهذا تصور غير صحيح لان السوق الصغيرة جزء لا يتجزأ من السوق الكبيرة ودخل الفرد يؤثر بشكل مباشر في حركة الاسواق. تحقيق ــ مغازي البدراوي