يدرك كتاب المسرح تمام الادراك ان من السهل كتابة الفصل الاول من المسرحية. غير أن فيضا من الصعوبات يجابه من ينتقل لكتابة الفصل الثاني . وذاك هو بالضبط المأزق الذي يواجه الدراما الحالية للاقتصاديات العالمية, فمنذ عام فقط ثار اعصار من التحديات في وجه الفصل الاول حين اصاب الشلل التام اعجوبة النمو الاقتصادي في تايلاند. وأفاقت آسيا على كابوس مرعب من الاسقام المستفحلة ودخلت المنطقة في دوامة مأساوية من المشاكل المالية وسرعان ما سرت العدوى الى ماليزيا وسنغافورة واندونيسيا والفليبين, ولم تلبث ان لحقت بركب التداعيات كوريا الجنوبية واليابان وهونج كونج والصين, ونالت جميعها حظها من هذه الانفلونزا الوبائية الآسيوية التي حطمت اسطورة النمور. وهذا البركان الذي تفجر رددت أصداؤه روسيا والمكسيك وأمريكا اللاتينية وتأثرت هذه الاقتصاديات كلها بصورة غير مباشرة غير أن الضغوط بدت واضحة للعيان في انخفاضات معدلات الصرف وفي مسلسل الهبوط الذي هيمن على أسعار بورصات الاسهم التي كانت تشهد ارتفاعات قياسية قبل هبوب اعصار الأزمة. وبعد انقشاع ضباب الصدمة الاولى, تنفس الاكثرون الصعداء ولسان حالهم يقول: (الخطب يهون طالما تواصل شهر العسل الامريكي) , وفي الحقيقة, فان تراجع عملات آسيا اعتبره المتفائلون في وول ستريت فالا حسنا للوهلة الاولى. وقد قيل آنذاك ان التدهور الحاد في أسعار السلع والمنتجات الآسيوية سوف تكون له آثار حميدة تكبح جماح مؤشر الاسعار في الولايات المتجدة وتوقفه عن المضي صعدا بشكل متسارع, خاصة في خضم الطلب الشديد على سوق العمالة الامريكي, كما انساق المتفائلون وراء الأمل في أن تسهم تلك التطورات السلبية في آسيا في الحد من توهج فقاعة أسهم وول ستريت والتخفيف من تلك الظاهرة التي بدأت عدواها تسري الى بورصات الاسهم الاوروبية في الفترة ما بين 1997 و 1998. آمال وردية وخلال الفترة الانتقالية ما بين الفصل الاول من الأزمة والثاني انبعثت مجددا آمال وردية عقدت على إطلاق (اليورو) ما بعد ماسترخت ورفع الستار عن البنك المركزي الاوروبي الجديد في فرانكفورت وفي اللحظة التي بدا خلالها ان امريكا بأمس الحاجة لاخذ قسط من الراحة وابطاء وتائر نموها بشكل طفيف, انتعشت آمال المسؤولين في اوروبا الذين عشش في نفوسهم القلق من تفاقم البطالة التي دخلت منذ عهد بعيد خانة الرقمين العشريين, وتمنى هؤلاء وبلهفة ان يدخلوا في رحاب شهر العسل المنشود الذي تعد به تجربة العملة الموحدة لمجموعة الاحدى عشرة دولة التي تشكل الفوج الاول من مشروع الايمو. وبدت وجهة النظر هذه اوائل عام 1998 على انها سيناريو بلغ حدا من الروعة والكمال بات يخشى معها ألا يتحقق على ارض الواقع نظرا لأنه يتسم بالمثالية المفرطة ويحلم بــ: هبوط امريكي آمن على مدرج السلامة الاقتصادية وانتعاش كبير طال انتظاره في أوروبا. ضرورة قصوى وتتزامن احداث هذا السيناريو المنشود بالضبط مع ظرف تشعر معه آسيا بضرورة قصوى في ان تستورد فرص عمل من الغرب الثري وتشغيل ابنائها هناك لتوظيف ما يأتون به من عملة صعبة تحاول بها انقاذ بنوكها وشركاتها من تآكل الملاءة, ذلك الداء العضال الذي ورثته آسيا عن (سياستها الرأسمالية الآسيوية الملامح) . وفي غمرة جدل عريض, لم يخل من خلافات واسعة يمكن لصندوق النقد الدولي ان يهنىء نفسه على الدور البناء الذي نهض به في تقديم قروض انقاذ لاقتصاديات آسيا التي اقعدها الشلل. وهو يشدد الآن على تلك الاقتصاديات في الالتزام بوصفة التقشف الصارمة والبرامج الاقتصادية القاسية حتى تحظى ببركات عون صندوق النقد الدولي. والآن وقد لاحت اطياف الفصل الثاني من الدراما في الافق وأشرفت شمس صيف 1998 على المغيب, فإن المقدمة الرئيسية لذلك السيناريو السعيد لهبوط الاقتصاد الامريكي بسلام في ظل هذه القلاقل بدأت تتهاوى تحت مطارق الشكوك. فخلال ما مضى من وقت ظلت فقاعة وول ستريت الامريكية تفقد وبالتدريج رونقها وبريقها, فقد تعرضت بعض اسهم رسملة السوق لضربات ماحقة العام الماضي, واتسعت دائرة الشكوك لتمتد حتى الى مؤشري ستاندرد بورز ذي الخمسمائة سهم وداو جونز لأسهم الشركات الكبرى. حركة تصحيح ولا يسع احدا استبعاد ان تقوم امريكا بحركة تصحيح تصل الى 25% في اسعار اسهمها, في السنة التي سوف تلي الحالية, حتى في جو تكتنفه الشكوك والمخاوف. فالمشاكل الشخصية البحتة للرئيس الامريكي يمكن ان تتحول الى عامل هدام في لحظة ما. لماذا؟ وما علاقة التصرف الشخصي بالاتجاهات الكبرى في الاقتصاد بمنظوره العمومي الشامل؟ ينبغي ان يبادر أنصار مذهب الشك الذي يورث اليقين والاطمئنان الى المعطيات الواقعية بالاجابة عن هذا التساؤل. فمعاول الهدم التي سوف تنال من شعبية الرئيس وتقوض رصيده من الاعجاب لدى ناخبيه سوف تنفخ قوة جديدة يكتسبها الجمهوريون في كلا مجلسي الكونجرس. حسنا, وهل هناك خير في هذا وأين يكمن الخلل؟ أو ليس معظم الجمهوريين اصدقاء حميمين لنظام السوق وأنصار أشداء لمصالح قطاع الشركات؟ لسوء الحظ, ومن وجهة نظري فإن زعماء الكونجرس الجمهوريين قد أرسوا حقبة ما بعد عهد ريجان دعائم نموذج لسياسات مالية تفتقر للعقلانية. وكان هناك حرص شديد على خفض الضرائب بالنسبة للجهات التي تتمتع بالثراء, بل طغى هذا الهم على مشاغل ترشيد الانفاق ورفع معدل الادخار الأمريكي. هبوط ومعدلات فخلال سنوات ولاية كلينتون الرئاسية كانت برامج الخزينة والمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي موجهة مباشرة نحو موازنة الميزانية في أزمنة هبطت فيها معدلات البطالة الى مستويات قياسية. وفي غرة هذا كله, فإن المتحدث باسم الاقتصاد في صفوف الجمهوريين نيوت جينجريتش وزعيم الاغلبية في مجلس الشيوخ ترينت لوت لم يحظيا بالثناء حتى الآن ولم يبرزا أبدا بصورة زعماء اقتصاديين ملهمين. أضف الى هذا ان انتعاشة التسعينات التي شهدتها الولايات المتحدة بدأت تظهر بوادر الشيخوخة, ومؤشر الربحية في قطاع الشركات يبدي تراجعا في فترة 1998 ــ ,1999 مقارنة باتجاهات معدل الربحية الى النحو الذي ساد الفترة ما بين 1992 ــ 1997. فلقد عوّل مستثمرو وول ستريت في الماضي على النمو القوي في الارباح معتقدين انها سوف تكون عوامل انعاش فعالة للمعدلات الحالية للأسعار تجاه المداخيل والتي تبلغ 25 الى 1. كما ان المنافسة الاجنبية المتمثلة في رخص التكلفة الآسيوية سوف يفاقم من تآكل الأرباح الناجم عن ضغوط الاجور المحلية. ولو كان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جرينسبان قد سعى من قبل وبشكل فعال لكبح جماح سوق وول ستريت ولجم صعوده الحاد ــ وبالطبع فإن من المسلم ان مثل تلك الخطوة لم تكن أبدا بالأمر السهل ــ لكان يمكننا التعويل على قيام المجلس الفيدرالي في المستقبل بتخفيف القيود على التمويل من أجل اطالة أمد الانتعاش وضمان وسائد واقية تقي من شدة صدمة الارتطام حين يواجه الاقتصاد أي موجة ركود مستقبلية. الا ان الامور وفي سياق ما آلت اليه من تطورات تدفعني للاعتقاد بأن من السذاجة توهم ان أمريكا من الجبروت والقوة بحيث ينبغي ألا تساورها أية مخاوف من ضربات يكيلها الزمن للدولار. أكداس وتمويل هناك أكداس من التمويل الساخن والبارد حطت رحالها قادمة من بلدان في الخارج, وتنتابني رعشة الخوف من مجرد التفكير بأنه ما ان ينصرم هذا القرن حتى نشهد صندوق النقد الدولي وهو يسدي النصيحة للدكتور جرينسبان قائلا: (ابق معدلات الفائدة الامريكية مرتفعة وبصورة صارمة لئلا تتدهور قيمة دولارك المعوم ويهوي بشكل حاد تحت ضربات المضاربين الحذرين الذين هم على أعلى درجات اليقظة) . وما هو النصح الذي ينبغي بذله لمن يتصدى لرسم السياسة الاقتصادية اذا هاجت اعاصير الاقتصاد العالمي؟ ينبغي أن تكون النصيحة المخلصة المسداة إلى اليابان بما تنعم به من احتياطيات ضخمة وما تنعم به من مكانة مرموقة ترفعها إلى أوج الصدارة بين الدول الممولة في العالم مختلفة عن تلك التي تقدم لكوريا الجنوبية, فالمهمة التي تقع على عاتق فريق الزعامة اليابانية الجديد الذي يرأسه رئيس الوزراء كيزو اوبوشي القيام بها الان ومواصلة النهوض باعبائها على مدى سنوات متطاولة في المستقبل هي نفسها المهمة التي تهربت من تبعاتها الحكومات اليابانية منذ عام ,1994 فما تحتاجه اليابان حاليا احتساء جرعة كبيرة من ذاك الدواء العتيق الطراز (تمويل العجز الكينيسي) (نسبة للنظرية الكنيسية). وإذا اخذت بهذه الوصفة العلاجية فمن المرجو أن ينتهي بها المطاف عام 2020 وقد بلغت بر الامان عندما تحتاج جحافل المسنين لديها إلى معونة الطبقة العاملة الشابة. برنامج صارم وعلى العكس من اليابان فان كوريا الجنوبية ليس امامها من خيار سوى تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي الصارم لتحقيق الاصلاح وبلوغ الانتعاش المنشود. واما امريكا, فعلى النقيض من اليابان, فإن لها املا كبيرا ان هي أخذت جرعة قوية من وصفة تخفيف معدلات الفائدة في كبح جماح اي ركود مستقبلي يمكن ان يحط رحاله في جنبات اقتصادها, وخفض معدلات الفائدة قصيرة الاجل من خمسة ونصف إلى اربعة بالمائة يمكن ان يكون له اثر فعال في اي فصل ثالث من دراما تباطؤ الولايات المتحدة, كما ينبغي اللجوء إلى برامج اخرى في اللحظة التي تدخل فيها اقتصاديات روسيا والصين في مرحلة الركود المتطاول. لقد علمتني دروس الاقتصاد على مدى دهر طويل من الخبرات في هذا المجال ان عالم الاقتصاد يزدحم بالمفارقات, والحقائق المتولدة عن التجارب كثيرة ومتنوعة. فالوصفة الافضل من المبادىء والنصائح التي يمكن ان تكون ذات جدوى لابد ان تتسم بعنف الصدمة الكهربائية. واسارع إلى تبريد أية مخاوف من ان يكون القرن الحادي والعشرين قد لحقت به لعنة اقتصادية تزهق انفاسه, بيد أننا لا ينبغي لنا الخلود إلى الطمأنينة والركود إلى التلقائية التي تعمل من خلالها السوق الحرة من اجل تحقيق توازن مثالي واستدامة اجله إلى ابعد مدى ممكن. ترجمة - كمال البيطار