التستر التجاري في عقود المقاولات موضوع خطير للغاية خاصة وان قطاع المقاولات يعد من أنشط القطاعات الاقتصادية في دولة الامارات, تعددت الدراسات التي تناولت هذا الموضوع وكان من أبرزها دراسة للدكتور حسين غنايم مستشار وزارة الاقتصاد والتجارة ونشرت في مجلة أخبار المقاولين في عددها الأخير والتي تناولت التكييف القانوني للتستر . ويقول الدكتور غنايم في دراسته ان النظرة الفاحصة للتستر تدل على ان المتعاقدين يلجآن إليه عندما يريدان اخفاء حقيقة ما تعاقدا عليه ليقينهما انه مخالف لأحكام القانون الأمر الذي يؤدي في واقع الأمر لقيام عقدين لا عقد واحد, الأول العقد الظاهر وهو صوري ثم العقد المستتر وهو العقد الحقيقي الذي يسمى بورقة الضد. الصورية بطريق التستر وقال: إن الصورية تنصب على نوع العقد لا على وجوده بمعنى ان الإدارة الحقيقية لطرفي العقد تكون متجهة لترتيب آثار عقد ما هو العقد الحقيقي, الا ان تلك الإرادة تظهر نوعا آخر من العقود لا يكون هو المقصود بالنسبة إليها. كما لو أراد شخص أن يوصي بملك له لأحد ورثته المحتملين ولكنه يخشى ألا يجيز بقية الورثة ذلك فيعمد إلى ابرام عقد بيع مع الوارث المحتمل لا يلتزم فيه ذلك الوارث بدفع ثمن, كما ان ملكية الشيء لا تنتقل إلى الوارث الا بعد وفاة الشخص بمعنى ان الطرفين يستران الوصية بعقد بيع. الصورية بطريق المضادة وهي لا تنصب على نوع العقد, وإنما تنصب على ركن أو شرط فيه, بمعنى ان الإرادة الحقيقية لطرفي العقد تكون متجهة فعلا لابرام العقد الظاهر, لا ابرام عقد آخر, الا ان عقدها الظاهر يكون مشتملا على بند لم تتجه إليه إرادتهما فعلا, كما لو أراد شخص بيع قسيمة أرض لشخص آخر, وخوفا من لجوء جار البائع لحق الشفعة, لجأ المتعاقدان إلى ابرام عقد بيع جعلا الثمن فيه أعلى من الثمن الحقيقي واحتفاظا بسند مستتر هو ورقة الضد التي تتضمن الثمن الحقيقي الذي تم البيع على أساسه. الصورية بطريق التسخير وهي لا تنصب على نوع العقد, كما انها لا تنصب على ركن فيه, وإنما تنصب على شخص أحد المتعاقدين بهدف التغلب على مانع قانوني يتعذر مع وجوده إبرام العقد, ومثال ذلك, أن تتجه نية شخص للايصاء بشيء ما لوارث محتمل, فتصطدم هذه النية بمبدأ (لا وصية لوارث الا إذا أجازها الورثة) فيعمد ذلك الشخص للايصاء بالشيء لشخص غير وارث يتفق الموصي معه على قيام الأخير بنقل ملكية الشيء إلى الوارث المحتمل فيما بعد, فبذا نكون ازاء صورية تجسدت في تسخير شخص ثالث وصولا لابرام التصرف الحقيقي الذي يحول القانون دون ابرامه بصورة مباشرة. وإذا حاولنا تطبيق ما سلف على ما قد نشهده من تستر في عقود المقاولات, فإننا نخرج بنتيجة مقتضاها أن استخراج رخصة مقاولة لشخص طبيعي مواطن يتم تأجيرها لشخص غير مواطن, أو تأسيس شركات مقاولات يظهر فيها رأسمال المواطن معادلا 51% من رأس المال خلافا للواقع, لا يعدو كونه صورية بطريق التسخير, حيث ان الصورية هنا قد انصبت على شخص المواطن بحيث جعلت منه ــ خلافا للواقع ــ مالكا للمشروع أو شريكا فيه وصولا للتغلب على مانع قانوني يتعذر معه إبرام العقد الحقيقي الذي اتجهت إليه إرادة المتعاقدين. عقوبات التستر التجاري تفرض القوانين النافذة في الدولة مجموعة من العقوبات على التستر التجاري بأشكاله المختلفة ومنها: - الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنتين والغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف درهم ولا تجاوز مائة ألف درهم أو إحدى العقوبتين لكل من يثبت عمدا في عقد الشركة أو وثائقها بيانات كاذبة أو مخالفة للقانون. - الغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف درهم ولا تجاوز مائة ألف درهم لكل شركة تخالف الأحكام المقررة في شأن مساهمة مواطني الدولة في رأسمال الشركات. - الغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف درهم لكل من يقدم عمدا للسلطات المختصة أو أية جهة رسمية أخرى بيانات غير صحيحة بشأن القيد أو التأشير في سجل الوكلاء التجاريين, وعلاوة على ما سبق فقد قضت المادة (26) من قانون الوكالات التجارية بأنه يجوز للمحكمة المختصة أن تأمر باغلاق المكان الذي يباشر فيه الوكيل التجاري عمله. - الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تجاوز ثلاث سنوات والغرامة التي لا تقل عن ألفي درهم ولا تجاوز عشرة آلاف درهم أو بإحدى العقوبتين على كل اقرار أو اخفاء متعمد بقصد الغش في البيانات أو المحاضر أو الأوراق الأخرى التي تقدم لوزارة الاقتصاد والتجارة أو التي تصل إلى علم الجمهور. - الغرامة التي لا تزيد على خمسين ألف درهم لكل من يخالف أحكام قانون تنظيم شؤون الصناعة بما فيها وجوب تملك المواطنين لـ 51% على الأقل من رأسمال المشروع. وعلاوة على العقوبات السابقة فقد رأينا ان التستر التجاري لا يعدو كونه شكلا من أشكال الصورية, الأمر الذي يجعل من أحكام الصورية أحكاما للتستر التجاري في نفس الوقت. ومعلوم ان هذه الأحكام واردة في المادة (394) من قانون المعاملات المدنية التي جاء نصها على النحو التالي: (1 ــ إذا أبرم عقد صوري, فلدائني المتعاقدين, وللخلف الخاص ــ متى كانوا حسني النية ــ أن يتمسكوا بالعقد الصوري, كما ان لهم أن يتمسكوا بالعقد المستتر ويثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم. 2 ــ وإذا تعارضت مصالح ذوي الشأن, فتمسك بعضهم بالعقد الظاهر, وتمسك الآخرون بالعقد المستتر كانت الأفضلية للأولين) . وظاهر من هذا النص أن أحكام الصورية تتغاير بالنسبة للمتعاقدين والخلف العام عنها بالنسبة للغير, كما ان مصالح ذوي الشأن من الغير قد تتعارض إذ قد يعمد بعضهم للتمسك بالعقد الصوري الظاهر, بينما يعد البعض الآخر للتمسك بالعقد المستتر, الأمر الذي يتعين معه الوقوف على حكم الصورية عند قيام مثل هذا التعارض. وعليه, فإننا سنتناول أحكام الصورية بالنسبة للمتعاقدين والخلف العام, ومن ثم ننتقل لتناول أحكام الصورية بالنسبة للغير, ونختتم ذلك ببيان حكم الصورية عند تمسك بعض الغير بالعقد الظاهر وتمسك البعض الآخر بالعقد المستتر. - أحكام الصورية للمتعاقدين والخلف العام : إذا عمد شخص مواطن لابرام عقد ظاهر يشير إلى كونه شريكا مع شخص أجنبي في شركة مقاولات, ولم يكن ذلك المواطن شريكا حقيقيا, وإنما اقتصر دوره على تقاضي عمولة سنوية, ثم عمد الطرفان ـ سترا للصورية ــ إلى ابرام (ورقة ضد) اشارا فيها إلى ان الحقوق والالتزامات الناشئة عن نشاط المقاولة إنما تكون لغير المواطن أو عليه, ففي العلاقة بين الطرفين فإن أحكام ورقة الضد هي التي يعتد بها لانها هي التي تعبر عن إرادتهما الحقيقية, كما انها هي التي يعتد بها بالنسبة لخلفهما العام كالورثة, وبمعنى آخر فإنه لا يعتد بالعقد الظاهر (عقد المقاولة) بل يعتبر ذلك العقد كما لم يكن موجودا. ولكن اعتداد المحكمة بالصورية وبالتالي بأحكام (ورقة الضد) على حساب أحكام العقد الظاهر إنما يكون فقط عند اثبات تلك الورقة, وعليه فإن على من يريد التمسك بالصورية أن يثبت وجودها, هذا وتجدر الاشارة إلى ما يلي بهذا الصدد: - انه لا يحاول دون الطعن بالصورية على عقد ما ان يكون العقد المطعون فيه رسميا أو مصدقا عليه, بمعنى ان تصديق عقد شركة المقاولات الذي تمت الاشارة إليه لدى الكاتب العدل لا يحصن ذلك العقد بحيث يجعله في مأمن من الطعن فيه بالصورية. - إن تقدير أدلة الصورية من الأمور التي تستقل بها محكمة الموضوع لتعلقه بفهم الدعوى, فلها بمقتضى سلطتها الموضوعية استخلاص توافر إرادة طرفي العقد نحو الصورية باستنباط القرائن والاطمئنان إلى الأدلة, ولا رقابة عليها في ذلك من محكمة النقض متى كان استخلاصها سائغا من شأنه أن يؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها. - انه لا يجوز الطعن بالصورية لأول مرة أمام محكمة التمييز, وذلك تأسيسا على عدم جواز اثارة أي دفاع جديد لم يسبق عرضه على محكمة الموضوع لأول مرة أمام محكمة التمييز. واستشعارا من وزارة الاقتصاد والتجارة بالمخاطر الناجمة عن التستر فقد اقترحت على مجلس الوزراء الموقر بتاريخ الرابع من يوليو 1994م سن تشريع لمعالجة ظاهرة (التستر التجاري) حيث أصدر المجلس في جلسته رقم (14) بتاريخ 11 يوليو 1994م القرار رقم (284/8) لسنة 1994م بالموافقة على اقتراح باعداد مشروع قانون لمكافحة التستر. وبناء على ما سبق, واستهدافا لاشتراك كافة الجهات المحلية المختصة, دعت الوزارة لعقد ندوة تضم معظم الفعاليات الاقتصادية والتجارية بالدولة, وعقدت الندوة بالتعاون بين الوزارة واتحاد غرف التجارة والصناعة بتاريخ 12 مارس 1995م, وساهم فيها ممثلون عن غرف التجارة في الدولة انتهوا فيها إلى ضرورة اصدار قانون يتصدى لهذه الظاهرة. وعليه, فقد اقترحت الوزارة على مجلس الوزراء الموقر اصدار المشروع المقترح من قبل مجلس التعاون كمشروع الزامي بعد ادخال التعديلات المناسبة عليه بما يتفق وآلية التطبيق في دولة الامارات العربية المتحدة. وإلى أن يتم تبني ذلك واصدار القانون المشار إليه, فإننا نرى ان معالجة الظاهرة تقع أساسا على عاتق الجهات التنفيذية التي ينبغي عليها مراعاة ما يلي: - التأكد من صحة المستندات المقدمة للحصول على الترخيص لمزاولة الأنشطة الاقتصادية بما يكفل الحد من هذه الظاهرة. - الرقابة اللاحقة وصولا للتأكد من ان مزاول النشاط هو المواطن لا الأجنبي خاصة وان جريمة التستر جريمة باطنة لا يتم الكشف عنها الا بالتحري نظرا لان طابعها الخارجي سليم. - تبني نظام تدريجي للعقوبات بدءا من الانذار بوقف النشاط مرورا بفرض الغرامات وانتهاء بالغاء الترخيص الممنوح للمواطن المتستر. - توعية المواطنين بمخاطر هذه الظاهرة, وهي مسألة تستلزم تضافر جهود عدة جهات كوسائل الاعلام وغرف التجارة والصناعة والجهات ذات الصلة بالرخص التجارية. - اصدار قانون خاص باستثمار رأس المال الأجنبي يحدد القواعد المنظمة لممارسة الأجانب للعمل التجاري في الدولة. - ايجاد لجان أو جهات خاصة لمتابعة هذه الظاهرة يخول أعضاؤها صلاحيات مأموري الضبط القضائي فيما يتعلق بالمهام الموكلة إليهم. أبوظبي ــ مكتب البيان