سبق لي القيام في مقال نشرته (البيان) في الرابع من يوليو الماضي بالربط بين الارتفاع في الاسعار في سوق الاسم المحلية وبين الأرصدة الهاربة من الدول المجاورة وتم النظر على وجه التحديد, الى التوتر بين الهند وباكستان , الناشىء عن التجارب النووية وما أعقبها من تجميد أرصدة الحسابات بالعملات الصعبة في باكستان, باعتباره يفسر بصورة جزئية, القفزة المفاجئة في أسعار الأسهم في الامارات, وبتعبير آخر, فان مؤثرات خارجية كاتت تفرض متغيراتها في بورصة الامارات غير الرسمية. وقد قفزت أسعار الاسهم المحلية مجددا, في الآونة الأخيرة, غير أن هذه القفزة عادت, في الجانب الاعظم منها, الى التوقعات المتعلقة بمستقبل مشرق للغاية لشركة إعمار العقارية. وقد اندفع هذا النشاط قدما, بعد اعلان اعمار عن مشروع انشائي ضخم, غير أن هذا النشاط لم يدم طويلا وفي حقيقة الأمر فإنه توقف في الرابع والعشرين من اغسطس, عندما تراجع سهم اعمار الذي كان قد وصل الى 160 درهما ليبلغ ما دون 120 درهما. وبدا المشترون فجأة وكأنهم قد اختفوا من السوق. ويبقى السؤال المطروح هو: ما الذي حدث؟ لقد لعبت السيولة الداخلية, مرة اخرى, دورا مهما, ومن المؤكد انه يتعين القاء جانب من اللوم على الرغبة في جني الأرباح ولكن لماذا قرر عدد كبير من المضاربين ان يجنوا الارباح في 24 اغسطس؟ لقد قام البنك المركزي الهندي, فيما تسعفنا به الذاكرة في 5 اغسطس باصدار سنداته المعروفة باسم (ريسر جنث انديا بوند) وتمثل المشترون المستهدفون لهذه السندات في الوافدين الهنود وبصفة خاصة ممن يعملون منهم في دول الخليج, وجرى اصدار السندات بثلاث عملات غربية, واعتمد معدل الفائدة على هذه السندات على العملة التي يتم اصدارها بها. وفي حقيقة الأمر فان المصارف المحلية هنا وجدت هذا العرض بالغ الجاذبية, بحيث أنها شجعت العاملين الوافدين هنا على اقتراض ما تصل نسبته الى 70% من قيمة مشترياتهم من هذه السندات, وذلك بفوائد على القروض تقل بصورة هامشية عن قيمة كوبونات السندات. ومن المحقق ان هذا قد شجع العديد من الوافدين العاملين هنا على اقتراض الأموال من البنوك المحلية, التي أتاحت لهم التسهيلات الضرورية في هذا الشأن, وقد أفادت التقارير الصحافية ان اصدار هذه السندات قد قوبل بصورة حماسية, وبتعبير آخر بادر الكثيرون الى الاستثمار في هذه السندات. وفي حقيقة الأمر فان اجمالي طلبات الشراء تجاوز توقعات البنك المركزي الهندي. وكان من المقرر, في بداية الأمر ان تنتهي المدة المحددة لشراء السندات في 17 اغسطس, ولكن موعد الانتهاء تم تمديده بفعل الاستجابة الجيدة الى 24 اغسطس. من هنا هل هي محض مصادفة ان الاسعار في سوق الاسهم المحلية شرعت في التراجع في اليوم ذاته ام ان هناك علاقة بين التراجع في هذه الاسعار وبين يوم الانتهاء المحدد لمهلة شراء هذه السندات؟ وعلى الرغم من ان شراء هذه السندات من جانب الوافدين الهنود قد نجم عنه انخفاض عرض النقود في الامارات, الا ان المرء لايمكن الا ان يغلب عليه الظن بأن هناك علاقة بين موعد انتهاء مدة شراء هذه السندات وتراجع اسعار الاسهم في السوق المحلية, ويرجع هذا الى ان احدث احصاءات عرض النقود نشرا تعود الى مايزيد على ثمانية شهور, ونشرة المصرف المركزي المقبلة في هذا الصدد يتوقع صدورها بعد مايزيد على ستة اشهر, وحتى لدى صدورها فإن المرء لن يكون بمقدوره وقتذاك ان يعرف ماجرى في الوقت الحالي لأن هذه النشرة لن تغطي هذه الفترة. غير انه اذا كانت هناك علاقة في هذا الصدد فإن هذا لايمكن الا ان يبرهن على الطرح الوحيد الذي حاولت ابرازه في مقالي السابق, وقوامه ان قوى خارجية تؤثر, الى حد ما, على التذبذب في سوق الاسهم بالامارات, وهذا بالطبع, وضع خطر, وعلى صناع القرار في الامارات التصدي على وجه السرعة لهذه القضية, لتبنى السياسات الضرورية لمنع مثل هذا التذبذب في سوق الاسهم فلم يمض وقت طويل على قيام قوى خارجية مماثلة أثرت في اسواق الاسهم في اندونيسيا وماليزيا, وتايلاند بالحاق الضرر بنسيج اقتصادات هذه الدول. ـ محلل اقتصادي*