تعرض الاقتصاد العالمي في عقد الثمانينات ومطلع التسعينات لعدة أزمات مالية ومصرفية كان أهمها مشكلة الديون العالمية التي أدت إلى اضعاف النظام المصرفي العالمي وكشفت للجميع وضع المصارف الداعي للقلق إذ اتضح ان البنوك التجارية العالمية التي لعبت دورا هاما في النظام المصرفي تعاني من ضعف رأسمالها وتشتت أصولها وارتفاع نسبة الديون المشكوك فيها . وعلى الرغم من ان أول نظام لضمان الودائع في العالم ظهر في ولاية نيويورك الأمريكية عام ,1829 أي أكثر من قرن ونصف الا ان العوامل المستجدة في الثمانينات والتسعينات أدت إلى عودة ظهور فكرة انشاء مؤسسات ضمان الودائع, وأصبح يمثل أهم القضايا المصرفية التي تثار حاليا على الصعيدين العالمي والعربي. وعلى الرغم من ان بنوك دول الخليج ظلت بعيدة عن الاضطرابات المالية التي شهدتها بنوك وأسواق العالم, الا ان انهيار بنك التجارة والاعتماد الدوليين (BCCI) وتكبد العديد من مواطني دول المنطقة خسائر الودائع المؤتمنة لدى هذا البنك, وما أفضى ذلك من مناخ سلبي لعموم البنوك في المنطقة وضع البنوك المركزية الخليجية وجه لوجه أمام مهمة حماية ودائع المودعين في بنوك المنطقة ليس خشية من قيام تجربة مشابهة لـ BCCI بل تعزيزا للثقة في النظام المصرفي في دولها وزيادة اطمئنان المودعين ومواكبة للمتطلبات العالمية في توفير مؤسسات ضمان للودائع تزيد من ثقة المودعين غير الخليجيين أو غير المقيمين في البنوك المتواجدة في المنطقة. وبضوء هذه الخلفية يمكننا فهم الخطوة التي أقدم عليها العديد من البنوك المركزية بدول المنطقة باصدار نظام حماية الودائع في المصارف التجارية. ويلاحظ المتتبع للتطور التاريخي لمؤسسات ضمان الودائع الرسمية انها كانت تقوم على فلسفة التكافل بين طرفين رئيسيين هما الجهاز المصرفي من جهة (وبالتالي المودعين الذين سيحصلون على فوائد أقل على ودائعهم مقابل التخلص من المخاطرة وظرف عدم التأكد) والسلطة النقدية من جهة أخرى (وبالتالي الاقتصاد الوطني بأكمله حيث يشارك جميع المواطنين في الفوائد الناجمة عن تجنب حالات الفزع العام مقابل الموارد الحقيقية التي ستخصص لإدارة أنظمة الضمان). ومن هنا يمكن القول ان مؤسسات حماية الودائع لابد أن تقوم على فلسفة اقتصادية واجتماعية معينة, لذلك فإن التعرف على المعطيات الاجتماعية والاقتصادية لأنظمة حماية الودائع الذي تطبقه بعض دول المنطقة ومقارنته بما هو مماثل من أنظمة ومؤسسات في العالم سوف يسهم في ايجاد أنظمة أكثر فاعلية ومتانة تعزز من المكانة المالية لهذه الدول. على أية حال فإن أنظمة حماية الودائع في دول المنطقة تعد خطوة ايجابية وهامة لتعزيز الثقة في النظام المصرفي, وينسجم مع توجهات هذه الدول لتعزيز مكانتها المالية العالمية, كما يواكب التطورات العالمية التي تخضع البنوك في المنطقة لمزيد من المنافسة وسط بيئة مالية أكثر تحررا وانفتاحا.