أثار التدهور الذي شهدته اسواق المال العالمية خلال الايام الماضية العديد من التساؤلات في الاوساط المالية والاقتصادية بالدولة خصوصا بين المتعاملين في مجال الاسهم وتراوحت ردود الفعل بين التفاؤل والتشاؤم حول الآثار التي يمكن ان تنعكس على الاقتصاد الوطني بشكل عام وسوق الاسهم المحلية بصفة خاصة . بحكم ان اقتصاد دولة الامارات جزء من الاقتصاد العالمي فانه قد تنجم بعض الآثار غير المباشرة اذا ما طال أمد هذا التدهور. ومن أبرز الملاحظات خلال التدهور الاخير في البورصات العالمية هو عدم اندهاش الاوساط الاقتصادية بالدولة نظرا لأن هذا المشهد تكرر عدة مرات خلال العامين الماضيين ففي مثل هذا الشهر من العام الماضي شهدت البورصات العالمية عموما وبصفة خاصة بورصتا لندن ونيويورك انهيارا تاريخيا حيث فقد مؤشر داو جونز الامريكي 247.37 نقطة في اسبوع واحد كما شهد مؤشر فايننشال تايمز 125.5 نقطة بالاضافة الى الانهيار العنيف الذي تعرضت له اسواق المال الاسيوية خلال العام الماضي والذي مازالت اثاره مستمرة حتى الآن. لهذه العوامل أكد اقتصاديون ومحللون ماليون ورجال اعمال محليون ان حجم الخسائر التي قد تتعرض لها استثمارات رجال الاعمال بالدولة في هذه البورصات العالمية سواء من قبل الافراد أو المؤسسات المالية والبنوك الوطنية سيكون في نطاق محدود للغاية. كما أكدوا في رصد قامت به (البيان) لردود افعالهم على مايحدث في البورصات العالمية ان هذا التدهور في البورصات العالمية لن يؤثر بشكل مباشر على سوق الاسهم المحلية نظرا لعدم وجود اسهم لشركات عالمية يتم تداولها محليا وكذلك فان اسهم الشركات المحلية لا تتداول في البورصات العالمية لذلك فانه لا يوجد ارتباط من اي نوع بين سوق الاسهم المحلية والبورصات العالمية الا انه من الممكن ان يكون هناك بعض الآثار الايجابية بشكل غير مباشر حيث يمكن ان يؤدي هذا التدهور الى جذب مزيد من السيولة الى السوق المحلية لاحداث مزيد من الانتعاش وتعزيز الاقتصاد الوطني. تأثير محدود ورجح هؤلاء الاقتصاديون والمحللون ان تتأثر اسعار الفائدة على الدرهم نتيجة الهبوط الذي حدث في قيمة الدولار عالميا الا انهم توقعوا ان يكون هذا التأثير محدودا بحيث تنخفض اسعار الفائدة على العملة المحلية بصورة طفيفة. وأكدت ان هذا التدهور الاخير يجب ان يكون درسا جديدا للمستثمرين المواطنين لكي يوجهوا استثماراتهم الى السوق المحلي والاسواق الخالية والعربية التي تتميز بقدر اكبر من الامن والاستقرار خصوصا بالنسبة لصغار المستثمرين الذين قد يتعرضوا لمشكلات كبيرة لا يحمد عقباها نظرا لضعف السيولة لديهم وعدم قدرتهم على الصمود في البورصات العالمية بالاضافة لعدم وجود الخبرة الكافية لديهم مما يزيد نسب المخاطر التي قد يتعرضون لها. وقدرت مصادر اقتصادية نسبة المواطنين الذين يوظفون اموالهم في الخارج بما يتراوح بين 4 بالمائة و76 بالمائة من اجمالي عدد المستثمرين المواطنين مشيرة الى ان معظم هذه النسبة من كبار المستثمرين الذين يركزون على الاستثمار طويل المدى لذلك فان مثل هذه الهزات التي تتعرض لها الاسواق المالية العالمية لا تكبدهم خسائر كبيرة. رؤية متفائلة ومن خلال رؤية متفائلة اعرب الدكتور محمد خميس الرميثي رئيس مجلس ادارة مجموعة مؤسسات الرميثي عن اعتقاده بأن اسواق الاسهم المحلية والخليجية ستستفيد من التدهور الذي شهدته البورصات العالمية نظرا لأن ثقة المستثمرين الخليجيين في اسواقهم المحلية ستعزز خصوصا وان اعدادا كبيرة من المستثمرين والمؤسسات المالية والبنوك الخليجية كانت تركز في السنوات الماضية على الاستثمار في البورصات العالمية وبدأت تحول استثماراتها الى الاسواق المحلية خصوصا بعد انهيار اسواق المال الاسيوية وبالطبع فان التدهور الجديد في البورصات العالمية سيزيد من معدل تحول هذه الاستثمارات من الخارج للداخل مما سينعكس دون شك على اسواق الاسهم الخليجية وخصوصا في دولة الامارات. واشار الدكتور محمد خميس الرميثي انه فيما يتعلق بالافراد والمؤسسات الوطنية التي تستثمر في الاسواق المالية العالمية فان صغار المستثمرين سيكونون اكثر تضررا من كبار المستثمرين ومن المؤسسات المالية والبنوك نظرا لأن هذه المؤسسات المالية تدرس بعناية خطواتها وتحسب المخاطر الاستثمارية المستقبلية كذلك فان خسائرها تكون محدودة نسبيا ونفس الامر ينطبق على كبار المستثمرين في حين ان صغار المستثمرين تكون خبرتهم محدودة وقدرتهم على مجابهة هذه المآزق اقل من كبار المستثمرين. وفيما يتعلق بانخفاض قيمة الدولار الامريكي قال الرميثي انه يتوقع ان يكون هذا الانخفاض مؤقتا ولا يستغرق سوى اسبوعين او ثلاثة مشيرا الى ان الولايات المتحدة الامريكية لديها من الادوات ما يمكنها من التأثير على العملات العالمية ورفع قيمة الدولار في الوقت المناسب. ونصح الرميثي المستثمرين في الدولة بالتركيز على السوق المحلية خصوصا في الاسهم المحلية مشيرا الى ان الاستثمار في الخارج محفوف بالمخاطر ويحتاج لحذر شديد وخبرة بالاسواق المالية العالمية. عوامل التدهور واشار عبدالعزيز عبدالله الزعابي مدير ادارة الايرادات بوزارة المالية والصناعة الى ان التدهور الذي شهدته البورصات العالمية خلال الايام الماضية جاء نتيجة عدة عوامل من ابرزها استمرار الاثار السلبية لانهيار الاسواق الاسيوية حيث طالبت الدول التي تعرضت اسواقها للانهيار ومنها كوريا الدول الاسيوية المجاورة وخصوصا اليابان بأن تقوم بالاستيراد منها لمساعدتها اقتصاديا. واضاف ان من هذه العوامل ايضا اقدام اليابان على خفض الين مما اثر سلبا على الاقتصاد الكوري بالاضافة الى ان انهيار الروبل الروسي سيؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد العالمي بوجه عام موضحا ان هذه العوامل جعلت المستثمرين الامريكيين والاوروبيين الذين حققوا ارباحا خيالية في البورصات العالمية يتخوفون حاليا من حدوث اي ازمات في هذه البورصات لذلك بدأت أعداد كبيرة منهم تنسحب من البورصات مما ساهم في انهيارها بشكل اكبر. واضاف عبدالعزيز انه بالنسبة للسوق المحلية فان هذه المتغيرات كالبورصات العالمية لا تؤثر على الاسهم المحلية بصورة مباشرة نظرا للخصوصية التي تتمتع بها سوق الأسهم المحلية والتي تؤثر فيها عوامل اخرى غير العوامل الدولية ومنها المشروعات الجديدة التي تعلن عنها الشركات الوطنية المساهمة وعوامل العرض والطلب وغير ذلك من عوامل داخلية لا ترتبط بالبورصات العالمية. سيولة واستثمار وأشار الى أن المؤسسات المالية والبنوك الوطنية تستثمر نسبة محدودة للغاية من السيولة المتوفرة لديها في البورصات العالمية وهي السيولة الفائضة عن قنوات الاستثمار المتعددة لديها وتكون هذه الخطوة مدروسة ومحسوبة حيث أن هذه المؤسسات والبنوك تعرف التوقيت المناسب لدخول البورصات العالمية والتوقيت المناسب للخروج منه خصوصا بعد الدرس الكبير الذي أخذته هذه الجهات من إنهيار البورصات الآسيوية فأصبحت اكثر ترويا في عملية الاستثمار في الخارج وكذلك فان معظم المستثمرين الافراد المواطنين لديهم وسطاء للاستثمار ولا يدخلون البورصة العالمية الا بمشورة هؤلاء الوسطاء لذلك فان الخسائر المتوقعة لتدهور البورصات العالمية بالنسبة للمؤسسات والبنوك والافراد بالدولة ستكون محدودة للغاية. الضخ محليا من جانبه قال رحمة سعيد الخضر مدير فرع بنك الشرق الاوسط بابوظبي ان التدهور الذي شهدته البورصات العالمية سيساهم في ضخ مزيد من الأموال في سوق الاسهم المحلية التي يتوقع أن تتحول من الخارج الى السوق المحلي الذي يتمتع بالقوة والمتانة والاستقرار مشيرا الى ان معظم المستثمرين سينتهجون هذا التوجه باستثناء بعض كبار المستثمرين الذين قد يقومون بعمل عكس ذلك بحيث يقومون بشراء بعض الاسهم العالمية بأسعارها المتدنية حاليا أملا في تحقيقه أرياحا جيد عند انتعاش البورصات العالمية مجددا في المستقبل. وأشار الى أنه على الرغم من قيام عدد من البنوك الوطنية بالاستثمار في البورصات العالمية الا أن ذلك يتم على نطاق ضيق بالنسبة للسيولة الفائضة من هذه البنوك وتعتمد هذه البنوك على قاعدة راسخة لاستثماراتها داخل الدولة وعصب اقتصادي قوي في الاسواق المحلية لذلك فان هذه البنوك لن تتأثر بصورة كبيرة من تدهور البورصات العالمية لأن الاقتصاد الوطني قوي وهذه البنوك تحقق أرباحا كبيرة من استثماراتها بالداخل حيث يتراجع متوسط حجم الارباح السنوي لهذه البنوك خلال السنوات الست الماضية بين 35% و50% وفق بعض التقديرات المصرفية. وأضاف رحمة سعيد الخضر أن الانهيار الذي حدث في الاسواق المالية العالمية قد يكون له بعض التأثير على سعر الفائدة على الدرهم التي تشهد استقرارا منذ حوالي ثلاث سنوات حيث يتوقع أن ينخفض سعر الفائدة بصورة طفيفة نتيجة انخفاض سعر الفائدة عالميا على الدولار الامريكي مشيرا الى ان سعر الفائدة على الودائع بالدرهم تتراوح خلال السنوات الثلاث الماضية بين 5.4% في حين تتراوح سعر الفائدة على الاقتراض بين 9% و13% وهي مستقرة منذ فترة طويلة. وأشار الى أنه من جانب آخر قد يستفيد بعض التجار المحليين من انهيار الروبل وهم التجار الذين يستوردون بضائع من روسيا بالدولار. كتلة اقتصادية واحدة أما نجيب عبد الله الشامسي نائب رئيس جمعية التجاريين والاقتصاديين فقال أن العالم أصبح كتلة اقتصادية واحدة وان هذه الحقيقة تتعزز بمرور الزمن مشيرا الى أن ما قد يحدث في اي جزء من العالم وخصوصا في الدول الكبرى ينعكس سلبا او ايجابا على مختلف المسارات وعلى كل الاصعدة. وأشار الى أن الانهيارات التي حدثت في البورصات العالمية اكدت هذه الحقيقة حيث انعكست هذه الانهيارات على مختلف اسواق المال في العالم لارتباط هذه البورصات ببعضها البعض وذلك لحساسية اسواق المال عموما مؤكدا ان هذه الانهيارات في البورصات العالمية اظهرت أهمية توجيه الاستثمارات الوطنية نحو الاسواق المحلية والعربية نظرا لما لهذا الأمر من أهمية كبرى في تعزيز الاقتصاد العربي وكذلك القدرة على تنويع مجالات الاستثمارات بشرط توافر المناخ الاستثماري الملائم في المنطقة العربية وأن تساهم الحكومات العربية في خلق منافذ وقنوات استثمارية مضمونة بموجب تشريعات وقوانين ثابتة تحقق أهداف الاستثمار في الأمن والاستقرار والعائد المناسب. وأضاف ان هذا التوجه من شأنه ان يحرك المقدرات الطبيعية الموحدة في الوطن العربي ويخلق فرص عمل واسعة وكبيرة ويحقق دعما كبيرا للاقتصاد العربي ويرسي دعائم تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية راسخة بالعالم العربي. وقال نجيب عبد الله الشامسي ان التدهور الذي شهدته البورصات العالمية يؤكد أهمية وضع استراتيجية استثمارية عربية ذات ركائز ثابتة وقوية تحقق الأهداف والطموحات العربية. تعزيز الثقة واستبعد عتيق عبد الرحمن عتيق وكيل وزارة الاقتصاد والتجارة المساعد سابقا للشؤون الاقتصادية حدوث آثار سلبية مباشرة لتدهور البورصات العالمية على سوق الأسهم المحلية وقال أنه على العكس من ذلك فان هذا التدهور سيعزز الثقة في سوق الاسهم المحلية بصورة اكبر لان مخاطر الاستثمار الخارجي المرتفعة مقارنة بالتسوق المحلية ستجعل معظم المستثمرين المواطنين يوجهون استثماراتهم للداخل وبالتالي ستنتعش السوق المحلية. وحول الهبوط الذي تشهده سوق الأسهم المحلية حاليا قال عتيق عبد الرحمن عتيق أن ذلك يعد ظاهرة صحية لانها تعبر عن حركة تصحيح لاسعار بعض الاسهم التي قفزت بصورة غير واقعية خلال الأيام الماضية نتيجة مضاربات كبيرة وواسعة النطاق لذلك فان الهدوء الراهن في سوق الاسهم المحلية يساهم في اعادة الثقة للسوق مشيرا الى أن هذا امر طبيعي يتبع كل حركة فوران سريعة لقيمة بعض الاسهم ان تعود الأمور الى حالتها الطبيعية. لا تأثير.. وأكد زياد الدباس مدير دائرة الاسهم المحلية ببنك ابوظبي الوطني انه بصورة عامة لا يوجد تأثير لتدهور البورصات العالمية على سوق الاسهم المحلية بسبب عدم وجود مستثمرين أجانب في سوق الاسهم المحلية وبسبب عدم تداول اسهم الشركات الوطنية في البورصات العالمية. وأشار الى أن التراجع الذي حدث في سوق الاسهم المحلية خلال الأيام الماضية تراجع تصحيحي ليس له علاقة بأي عوامل خارجية مؤكدا أن اي تراجع في البورصات العالمية عادة يكون في صالح الاسهم المحلية حيث يؤدي ذلك الى زيادة الثقة بالاقتصاد الوطني وبالسوق المحلية ويخشى المستثمرون المواطنون من الاستثمار في الخارج ويكون ذلك لصالح السوق المحلي. وأضاف زياد الدباس ان النشاط الكبير في سوق الاسهم المحلية خلال الاسابيع الماضية والعائد المرتفع القياس بالسوق ساهم في جذب نسبة كبيرة من رؤوس الأموال المهاجرة الى أرض الوطن لذلك فان آثار التدهور الأخيرة في البورصات العالمية على المستثمرين المواطنين ستكون محدودة للغاية نظرا لقلة عدد هؤلاء المستثمرين وضآلة استثماراتهم في البورصات العالمية. تحقيق ــ عبدالفتاح منتصر